باب الإمام مُخيَّر في الأسارى وذكر وقعة يوم بدر وتحليل الغنيمة
) باب الإمام مُخيَّر في الأسارى وذكر وقعة يوم بدر ، وتحليل الغنيمة 1763 [1279] عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَِسْبعَةَ عَشَرَ رَجُلاً ، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْقِبْلَةَ ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي! اللَّهُمَّ آتِني مَا وَعَدْتَنِي ، اللَّهُمَّ إنك إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ . فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لك مَا وَعَدَكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ . قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ ، وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: اقْدِمْ حَيْزُومُ ، إذ نَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: صَدَقْتَ ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ .
فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ ، قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً ، فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَا تَرَى يَا بْنَ الْخَطَّابِ؟ .
قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ ، فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ ( نَسِيبٍ لِعُمَرَ ) فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا . فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ ، فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ ، ولَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ .
( شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ) وَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ . ( 13 ) ومن باب: الإمام مُخيَّر في الأسارى ( بدر ) : اسم بئر لرجل يقال له : بدر ، فسُمِّي البئر به . قاله الشافعي .
وقوله : ( وهم ألف ، وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر ) ؛ هذه رواية شاذّة ، والمشهور بين أهل التواريخ : أن جميع من شهد بدرًا مع من ضرب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسهمه وأجره في عدد ابن إسحاق : ثلاثمائة وأربعة عشر . وفي عدد موسى بن عقبة : ثلاثمائة وستة عشر . وقوله : ( فجعل يهتف بربه ) ؛ أي : يرفع صوته .
يقال : هتف يهتف : إذا رفع صوته بدعاء أو غيره . وقوله : ( اللهم أنجز لي ما وعدتني ) ؛ أي : عجِّل لي ما وعدتني من النصر ، وكأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يبين له وقت نصره ، فطلب تعجيله . وقوله : ( اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ) ؛ العصابة : الجماعة من الناس .
واعصَوْصَب القوم : صاروا عصابة ، وعصب القوم بفلان ؛ أي : أحاطوا به ، ومنه سُميت قرابة الرَّجل : عصبة . وقد أشكل هذا الحديث على طوائف من العلماء . ووجه الإشكال : أنه - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى أصحابه من أهل بدر ، مع أنه قد كان قد انتشر الإسلام بمكة والمدينة ، وكثر أهله في مواضع كثيرة، بحيث يكون أهل بدر بالنسبة إليهم قليلاً ، وعلى هذا تقدير هلاك هؤلاء المشار إليهم ، فيبقى من كان من المسلمين بالمدينة ومكة وغيرهما من المواضع التي أسلم أهلها .
ولو لم يكن في الوجود مسلم غير أهل بدر تقديرًا ، ففي الإمكان إيجاد قوم آخرين يعبدون الله ، والقدرة صالحة لذلك ، كما قال تعالى : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ وإذا كانت قدرة الله صالحة لهذا ، فمن أين يجزم بذلك ؟ ومن أين يلزم من هلاك هؤلاء عدم عبادة الله تعالى في الأرض ؟ وقد رسخ هذا الإشكال عند بعض المتشدِّقين وقال : إنها بادرة بدرت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقدَّر معاتبةً له من الله تعالى على ذلك في كلام تفاصح فيه ، فعدّ ذلك من زلاَّت هذا القائل ؛ إذ قد جهل من حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما نزهه الله عنه بقوله تعالى : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾وقد قال حين قال له عبد الله بن عمرو : أنكتب عنك في السخط والرضا؟ قال : ( نعم ، لا ينبغي لي أن أقول إلاَّ حقًّا ) . وقد انفصل أهل التحقيق عن ذلك بأوجهٍ : أحدها : أنه يحتمل أن يكون قال ذلك عن وحي أوحي إليه بذلك ، فمن الجائز أن يكون : لو هلكت تلك العصابة في ذلك الوقت على يدي عدوهم ؛ أن يفتتن غيرهم ، فلا يبقى على الأرض مسلم يعبد الله ، ثم لا يبعث نبي آخر ، وتنقطع العبادة . وثانيها : أن هذا اللفظ وهم من بعض الرُّواة في حديث عُمَر ؛ إذ قد روي هذا الحديث من جهات متعددة من حديث أنس وابن عباس ، وليس فيها هذا اللفظ ، وإنما فيها : ( اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض ) .
وثالثها : أن هذه العصابة ليس المراد بها الحاضرين في بدر فقط ، بل المسلمين كلهم في المدينة وغيرها . وسماهم عصابة بالنسبة إلى كثرة عدوهم ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( عُصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض ، بيت كسرى ) . فقلّلهم بالنسبة إلى عدوهم ، فكأنه - صلى الله عليه وسلم - لما علم أنه لا نبي بعده ، وقدَّر في نفسه الهلاك عليه وعلى كل من آمن به ، ونظر إلى سنة الله في العبادة التي لا تُتلقّى إلا من جهة الأنبياء ، لزم من ذلك نفي العبادة جزمًا ، والله تعالى أعلم .
وهذا أحسن الأوجه ، وأولاها . وقوله : ( فما زال يهتف بربه ، مادًّا يديه ، مستقبل القبلة ، حتى سقط رداؤه عن منكبيه ) ؛ هذا منه - صلى الله عليه وسلم - قيام بوظيفة ذلك الوقت من الدُّعاء والالتجاء إلى الله تعالى ، وتعليم لأمته ما يلجؤون إليه عند الشدائد والكرب الواقعة بهم ، فإن ذلك الوقت كان وقت اضطرار وشدة ، وقد وعد الله المضطر بالإجابة ، حيث قال : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ؛ يعني : عن المضطر عند الدُّعاء ، فقام بعبادة ذلك الوقت ، ولا يلزم من اجتهاده في الدعاء في ذلك الوقت أن يكون ارتاب في : أن الله سينجز له ما وعده به ، كما ظهر مما وقع لأبي بكر رضي الله عنه ؛ حيث قال له : ( كفاك مناشدتك ربك ؛ فإنه سينجز لك ما وعدك ) . كما لا يلزم من دعائه في أن يدخله الله الجنة ، وينجيه من النار ، ويغفر له ذنوبه أن يكون في شك من شيء من ذلك ، فإن الله قد أعلمه قطعًا أنه يدخله الجنة وينجيه من النار ، ويغفر له ، لكنه قام بحق العبودية من إظهار الفاقة ، وامتثال العبادة ؛ فإن الدعاء مخ العبادة ، فقلبه - صلى الله عليه وسلم - مستغرق بمعرفة الواعد ، وإنجاز الموعود ، ولسانه وجوارحه مستغرقة بالقيام بحق عبادة المعبود ، فقام في كل جارحة بوظيفتها ، ولكل عبادة بحقيقتها .
وسقوط ردائه - صلى الله عليه وسلم - عن منكبيه أوجبه غيبته عن ظاهره بما وجده في باطنه . وردُّ أبي بكر رضي الله عنه رداء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على منكبيه بعد سقوطه أوجبه ؛ مراعاة أبي بكر رضي الله عنه أحوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تنحفظ عليه محاسن آدابه والتزامه إيَّاه ، وتثبيته له بما قاله له ؛ أوجبه فرط محبته ، وشفقته ، وقصرُ نظره على ظاهره ، مع ذهوله عما استغرقه من ذلك عن الالتفات إلى ما ذكرناه من المعاني والأسرار التي لاحت للنبي - صلى الله عليه وسلم - في باطنه . ولا يظن أحدٌ أن أبا بكر رضي الله عنه كان في تلك الحالة أقوى من النبي - صلى الله عليه وسلم - وأوثق بما وعده الله به من النصر ، فإن ذلك ظن من لا يعرف محمدا - صلى الله عليه وسلم - حق معرفته ، ولا قدره حق قدره .
وكيف يصير إلى غير هذا المعنى من سمع قوله في الغار ويوم سراقة : لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ، وكيف يظن ذلك من يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيد ولد آدم ، وأكملهم وأقواهم ، ولو وزن بجميع أمته لرجحهم؟ وبلا شك أن الأنبياء أفضل الناس ، وأعلمهم بالله وبحدوده . ولا شك في: أنه - صلى الله عليه وسلم - أفضل الأنبياء وأكملهم . وإذا كانت هذه حاله مع الأنبياء ، فحاله مع من ليس بنبي أعلى وأكمل ، وهو فيها أقوى .
وكيف لا يكون حاله في هذه القصة أتم ، وأقوى من حال أبي بكر؛ وقبل ذلك الوقت بيسير كان قد أخبر أصحابه : بأن الله ينصره على عدوه ذلك ، حتى أراهم مصارعَهُم واحدًا واحدًا باسمه وعينه ، فكان الأمر كما ذكر ، فثبت ما قلناه . وقوله : ( كفاك مناشدتك ربك ) ؛ هكذا رواية العذري : ( كفاك ) -بالفاء- ورواية الكافة : ( كذاك مناشدتك ربك ) . ورواه البخاري : ( حسبك ) .
وكلها متقاربة ، إلا أن : ( كذاك ) ، بابها باب الإغراء ، كـ ( إليك ) ، كما أنشدوا : يقلن وقد تلاحقت المطايا كذاك القول إنَّ عليك عينًا والرواية : ( مناشدتك ) بالرفع على أنه فاعل ما في كفاك ، وكذاك من معنى الفعل . وقد ضبط عن أبي بحر بالنصب على المفعول ، ويكون الفاعل مضمرًا في الأمر المقدَّر الذي ناب ( كذاك ) عنه . وقوله تعالى : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ؛ أي : تطلبون منه الغوث ، وهو النصر: فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ؛ أي : أجاب .
مُمِدُّكُمْ : مقوِّيكم ومعينكم . مُرْدِفِينَ - بفتح الدال - اسم مفعول ؛ أي : أردف الله بهم المسلمين . وبكسر الدال : اسم فاعل .
قال أبو علي : يحتمل وجهين : أحدهما : مردفين مثلهم . يقال : أردفت زيدًا دابتي ، فيكون المفعول الثاني محذوفًا . والثاني : أن يكون المعنى : جاءوا بعدكم .
تقول العرب : بنو فلان مردفونا ؛ أي : يجيئون بعدنا . مِنْ فَوْرِهِمْ : وجهتهم وحينهم . و مُسَوِّمِينَ - بفتح الواو - : اسم مفعول ؛ أي : معلمين ، من السِّيما ، وهي العلامة ؛ أي : قد علّموا بعلامة .
وبكسر الواو : اسم فاعل ؛ أي : علّموا أذناب خيلهم بصوف أبيض ، وقيل : أنفسهم بعمائم صفر . وقوله : ( اقدم حيزوم ) ؛ ضبط عن أبي بحر بضم الدال من : ( أقْدَم ) ، فيكون من القدوم ، بمعنى التقدم ، كقوله تعالى في فرعون : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ أي : يتقدمهم إلى النار . وقاله ابن دريد بقطع الألف ، وكسر الدال ، من الإقدام .
وعند الجمهور : ( حيزوم ) بالميم ، وهو اسم ملك . وفي رواية العذري : ( حيزون ) بالنون ، والأول المعروف . و( خطم أنفه ) ؛ أي : أثر فيه أثرًا كالخطام ، وهو الزمام ، إلا أنَّه أرق منه ، والخطم والخرطوم : الأنف .
وقوله : ( ذلك من مدد السماء الثالثة ) ؛ أي : من ملائكة السَّماء الثالثة التي أمدوا بهم . وهذا يدل على أنهم كانوا أمدوا بملائكة من كل سماء . ويدل هذا الخبر على أن الملائكة قاتلت يومئذ ، وهو قول أكثر أهل العلم .
وقوله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : ( ما ترون في هؤلاء الأسارى ) ؛ يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - ما كان أوحي إليه في أمرهم بشيء ، فاستشارهم لينظروا في ذلك بالنظر الأصلح ، فاختلف نظر أبي بكر وعمر . فمال أبو بكر إلى الإبقاء طمعًا في إسلامهم ، وإلى الفداء ليكون ذلك قوة عليهم . ومال عمر إلى القتل محْقًا للكفر ، وقصاصًا منهم ، وردعًا لأهله ، فمال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ما قال أبو بكر على مقتضى رأفته ورحمته بالمؤمنين ؛ ليتقووا على عدوهم ، وعلى مقتضى حرصه على إيمان من أسر منهم .
وكل من النظرين له أصول تشهد بصحته ، بل نقول : إن نظر أبي بكر يشهد لصحته قضية سرية عبد الله بن جحش ، وكانت قبل بدر بنحو ثلاثة أشهر ، قتل فيها ابن الحضرمي ، وأسر عثمان بن عبد الله ، والحكم بن كيسان ، وأخذوا عيرهم ، وقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقبل فداء الأسيرين . ولما عظم على الناس قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام ، سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فأنزل الله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ وسوَّغ الله لهم الفداء ، فكان ذلك دليلاً على صحة ما اختاره أبو بكر ، وكذلك مال إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهويَه . وعند هذا يشكل ما جاء في آخر هذا الحديث من عتب الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ وبقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة ) .
ووجه هذا الإشكال : أن هذا الاجتهاد الذي صدر من أبي بكر ، ووافقه عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إما أن يكون الله قد سوَّغه لهم أو لا . فإن كان الأول ، فكيف يعاتبون ، ويتوعدون على ما سوّغ لهم ؟ وإن لم يكن مسوَّغًا ، فكيف أقدموا عليه ، لا سيما النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي قد برأ الله نطقه عن الهوى ، واجتهاده عن الخطأ ؟! ولما أشكل هذا اختلفت أجوبة العلماء عنه ، فقيل فيه أقوال : أحدها : أنهم أقدموا عليه لأنه أمر مصلحي دنيوي ، والأمور المصلحية الإقدام عليها مسوّغ ، ولا بعد في العتب على ترك المصلحة الراجحة وإن كانت دنيوية . وهذا فاسد من وجهين : أحدهما : أن هذا الاجتهاد منهم إنما كان في أمر شرعي حكمي ؛ لأنه يقتضي سفك دماء ، واستباحة أموال ، وإرقاق أحرار ، وهذه لا تستباح إلا بالشرع .
وثانيهما : أن العتب الشرعي لا يتوجه على ترك مصلحة دنيوية لا يتعلق بها مقصود شرعي ، كما لم يتوجه على النبي - صلى الله عليه وسلم - عتب في قضية إبار النخل ، وإن كان عدلَ فيه عن المصلحة الدنيوية الراجحة ، وهذا من نوع الأول . الثاني : إنما عوتبوا ؛ لأن قضية بدر عظيمة الموقع ، والتصرف في صناديد قريش وساداتهم وأموالهم بالقتل ، والاسترقاق ، والتملك ، ذلك كله عظيم الموقع ، فكان حقهم أن ينتظروا الوحي ، ولا يستعجلوا ، فلما استعجلوا ، ولم ينتظروا توجه عليهم ما توجه . وهذا أيضًا فاسد ؛ لأنه يلزم منه أن يكونوا أقدموا على ما لا يجوز لهم شرعًا ، ووافقهم على ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وكل ذلك عليهم مُحال بما قدّمناه من وجوب عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخطأ في الشريعة ومن ظهور الأدلة المرجحة بما قدمناه . الثالث : أن ذلك إنما توجه على من أراد بفعله عرض الدنيا ، ولم يرد الدِّين ، ولا الدَّار الآخرة . بدليل قوله تعالى : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا أبو بكر ، ولا من نحا نحوهما ممن يريد عرض الدنيا ، فالوعيد والتوبيخ متوجهان إلى غيرهم ممن أراد ذلك .
وهذا أحسنها . والله تعالى أعلم . وبكاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر لم يكن لأنهما دخلا فيمن توعد بالعذاب ، بل شفقة على غيرهما ممن توعد بذلك ؛ بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء ، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة ) ، لا سيما وقد أوحي إليه : أنه يقتل منهم عامًا قابلاً مثلهم .
فبكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك . وأما قوله تعالى : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ فليس بتوبيخ ، ولا ذم ، وإنما هو من باب التنبيه على أن القتل كان الأولى ، والأردع ، مع أنه ما كان الله تعالى تقدَّم له في ذلك بشيء ، كما قررناه . وهذا من باب قوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فقدَّم العفو على المعاتبة ؛ إذ لم يتقدَّم له في إذنهم بشيء ، والله تعالى أعلم .
و( الإثخان ) : إكثار القتل ، والمبالغة فيه ، ومنه الثخانة في الثوب ، وهي : غلظه وكثرة سداه . و( الأسرى ) : جمع أسير ، وأصل الأسر : الشدّ والرَّبط . وقرأ أبو جعفر : ( أسارى ) .
قال الفراء : أهل الحجاز يقولون : أسارى ، وأهل نجد يقولون : أسرى في أكثر كلامهم ، وهو أصوبها في العربية ؛ لأنه بمنزلة : جريح ، وجرحى . قال الزجاج : فعْلى : جمع لكل ما أصيب به الناس في أبدانهم ، وعقولهم . يقال : هالك وهلْكى ، ومريض ومرْضى .
ومن قرأ : أُسَارَى فهو جمع الجمع ؛ لأن جمع أسير : أسرى . وجمع أسرى : أسارى . قال أبو عمرو : أسارى في القدّ ، وأسرى في اليد .
وَاللَّهُ عَزِيزٌ في قهر الأعداء حَكِيمٌ في عتاب الأولياء . وقوله تعالى : لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ، فيها أربعة أقوال : أحدها : لولا أنه سبق في أم الكتاب : أنه سيحل لهم الغنائم والفداء ؛ قاله ابن عباس . الثاني : لولا ما سبق لأهل بدر من أنه لا يعذبهم ؛ قاله الحسن .
الثالث : لولا ما سبق من أنه لا يعذب من غير أن يتقدَّم بالإنذار ؛ قاله ابن إسحاق . الرابع : لولا ما سبق من أنه يغفر لمن عمل الخطايا ممن تاب ؛ قاله الزجاج . فيتخرَّج على هذه الأقوال في ( الْكِتَابُ ) قولان : أحدهما : أنه كتاب مكتوب .
والثاني : أنه قضاء مقضي . وقد أفاد هذا الحديث : أن الإمام مخير في الأسارى بين الفداء ، والقتل ، والمن ، فإنه قتل منهم ، وفدى ، ومَنَّ . وقد سوَّغ الله تعالى فيهم كل ذلك .
وقد استوفينا هذا المعنى فيما تقدَّم .