[ 69 ] 1770 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : نَادَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ انْصَرَفَ عَنْ الْأَحْزَابِ : أَنْ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ ، فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ . قَالَ : فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ . 23 بَاب الْمُبَادَرَةِ بِالْغَزْوِ وَتَقْدِيمِ أَهَمِّ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ قَوْلُهُ : ( نَادَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الْأَحْزَابِ : أَنْ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ ، فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَقَالَ آخَرُونَ : لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ ، فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ ) هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ : ( لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ ) ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا قَالَ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْأَحْزَابِ : لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ نُصَلِّي وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ مِنَّا ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ ) أَمَّا جَمْعُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي كَوْنِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ، فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ كَانَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَقَدْ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ ، فَقِيلَ لِلَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ : لَا تُصَلُّوا الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَلِلَّذِينَ صَلَّوْا بِالْمَدِينَةِ : لَا تُصَلُّوا الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قِيلَ لِلْجَمِيعِ : وَلَا تُصَلُّوا الْعَصْرَ وَلَا الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قِيلَ لِلَّذِينَ ذَهَبُوا أَوَّلًا : لَا تُصَلُّوا الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَلِلَّذِينَ ذَهَبُوا بَعْدَهُمْ : لَا تُصَلُّوا الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي الْمُبَادَرَةِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا ، وَتَأْخِيرِهَا ، فَسَبَبُهُ أَنَّ أَدِلَّةَ الشَّرْعِ تَعَارَضَتْ عِنْدَهُمْ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مَأْمُورٌ بِهَا فِي الْوَقْتِ ، مَعَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ) الْمُبَادَرَةُ بِالذَّهَابِ إِلَيْهِمْ ، وأن لا يُشْتَغَلَ عَنْهُ بِشَيْءٍ ، لَا أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَأْخِيرٌ ، فَأَخَذَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِهَذَا الْمَفْهُومِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى لَا إِلَى اللَّفْظِ ، فَصَلَّوْا حِينَ خَافُوا فَوْتَ الْوَقْتِ ، وَأَخَذَ آخَرُونَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَحَقِيقَتِهِ فَأَخَّرُوهَا ، وَلَمْ يُعَنِّفِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ ، فَفِيهِ : دَلَالَةٌ لِمَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ وَالْقِيَاسِ ، وَمُرَاعَاةِ الْمَعْنَى ، وَلِمَنْ يَقُولُ بِالظَّاهِرِ أَيْضًا . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُعَنَّفُ الْمُجْتَهِدُ فِيمَا فَعَلَهُ بِاجْتِهَادِهِ إِذَا بَذَلَ وُسْعَهُ فِي الِاجْتِهَادِ ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ ، وَلِلْقَائِلِ الْآخَرِ أَنْ يَقُولَ لَمْ يُصَرِّحْ بِإِصَابَةِ الطَّائِفَتَيْنِ ، بَلْ تَرَكَ تَعْنِيفَهُمْ ، وَلَا خِلَافَ فِي تَرْكِ تَعْنِيفِ الْمُجْتَهِدِ وَإِنْ أَخْطَأَ إِذَا بَذَلَ وُسْعَهُ فِي الِاجْتِهَادِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب الْمُبَادَرَةِ بِالْغَزْوِ وَتَقْدِيمِ أَهَمِّ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ · ص 443 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب تسويغ الاجتهاد · ص 174 ( 5 ) باب تسويغ الاجتهاد 1770 - [1813] عَنْ ابن عمر قَالَ: نَادَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ انْصَرَفَ عَنْ الْأَحْزَابِ: أَلَا لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العصر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ. قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ . ( 5 ) ومن باب : تسويغ الاجتهاد ( قوله : نادى فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) أي : أمر من ينادي فنادى ، فنسب النداء إليه ؛ لأنَّه أمر به . و( قوله : ألا لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة ) كان هذا من النبي - صلى الله عليه وسلم - لما هزم الله تعالى الأحزاب ، ورجع هو وأصحابه إلى المدينة ، فألقوا السِّلاح ، فجاءه جبريل - عليه السلام - فقال له : ألقيت السِّلاح ؟ ولا والله ما ألقت الملائكة السِّلاح ، فاخرج إلى بني قريظة فإني منطلق إليهم ، ومزلزلٌ بهم حصونهم . فحينئذ نادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك النداء ، فأخذ قومٌ من أصحابه بظاهر الأمر ، وقالوا : لا نُصلِّي إلا حيث أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن فاتنا الوقت . ونظر آخرون إلى المعنى ، فقالوا : إن المقصود من ذلك الأمر الاستعجال ، فصلُّوا قبل أن يَصِلُوا إلى بني قريظة . وعجَّلوا السَّير ، فجمعوا بين المقصودين ، فأقرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كلًا منهم على ما ظهر له من اجتهاده ، فكان فيه حجَّة لمن يقول : إنَّ كلَّ مجتهد مصيبٌ ؛ إذ لو كان أحد الفريقين مخطئًا لعيَّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - . ويمكن أن يقال : إنه إنما سكت عن تعيين المخطئ ؛ لأنَّه غير آثم ، بل مأجور ، فاستغنى عن تعيينه ، والله أعلم .