[ 84 ] 1780 - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : وَفَدَتْ وُفُودٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ ، فَكَانَ يَصْنَعُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ الطَّعَامَ ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَنَا إِلَى رَحْلِهِ ، فَقُلْتُ : أَلَا أَصْنَعُ طَعَامًا فَأَدْعُوَهُمْ إِلَى رَحْلِي ؟ فَأَمَرْتُ بِطَعَامٍ يُصْنَعُ ، ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ مِنْ الْعَشِيِّ ، فَقُلْتُ : الدَّعْوَةُ عِنْدِي اللَّيْلَةَ ، فَقَالَ : سَبَقْتَنِي ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، فَدَعَوْتُهُمْ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَلَا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ ، فَقَالَ : أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ ، فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ ، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْأُخْرَى ، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ ، فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَتِيبَةٍ ، قَالَ : فَنَظَرَ فَرَآنِي فَقَالَ : أَبُو هُرَيْرَةَ ؟ قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ . زَادَ غَيْرُ شَيْبَانَ فَقَالَ : اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ . قَالَ : فَأَطَافُوا بِهِ وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا ، فَقَالُوا : نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ ، ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، ثُمَّ قَالَ : حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا ، قَالَ : فَانْطَلَقْنَا فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ ، وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا ، قَالَ : فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : وَجَاءَ الْوَحْيُ وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ لَا يَخْفَى عَلَيْنَا ، فَإِذَا جَاءَ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْوَحْيُ ، فَلَمَّا انْقَضَى الْوَحْيُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، قَالُوا : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : قُلْتُمْ : أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ ؟ قَالُوا : قَدْ كَانَ ذَاكَ ، قَالَ : كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ ، وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ ، وَيَقُولُونَ : وَاللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ ، قَالَ : فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ ، قَالَ : وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ ، قَالَ : فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ ، قَالَ : وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْسٌ ، وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطْعُنُهُ فِي عَيْنِهِ ، وَيَقُولُ : جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا ، فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ ، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ . [ 85 ] وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ : ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى : احْصُدهُمْ حَصْدًا . وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ : قَالُوا : قُلْنَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَمَا اسْمِي إِذًا كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ . 31 - 32 - 33 - بَاب فَتْحِ مَكَّةَ قَوْلُهُ : ( فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ ) هِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ وَهُمَا الْمَيْمَنَةُ وَالْمَيْسَرَةُ ، وَيَكُونُ الْقَلْبُ بَيْنَهُمَا ، ( وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ ) هُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ : أَيِ الَّذِينَ لَا دُرُوعَ عَلَيْهِمْ . قَوْلُهُ : ( فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي ) أَيْ جَعَلُوا طَرِيقَهُمْ فِي بَطْنِ الْوَادِي . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ ) أَيِ ادْعُهُمْ لِي . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ ، ثُمَّ قَالَ : فَأَطَافُوا ) إِنَّمَا خَصَّهُمْ لِثِقَتِهِ بِهِمْ ، وَرَفْعًا لِمَرَاتِبِهِمْ ، وَإِظْهَارًا لِجَلَالَتِهِمْ وَخُصُوصِيَّتِهِمْ . قَوْلُهُ : ( وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا ) أَيْ جَمَعَتْ جُمُوعًا مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى ، وَهُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ . قَوْلُهُ : ( فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا ) أَيْ لَا يَدْفَعُ أَحَدٌ عَنْ نَفْسِهِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ( أُبِيحَتْ ) وَفِي الَّتِي بَعْدَهَا ( أُبِيدَتْ ) وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ ، أَيِ اسْتُؤْصِلَتْ قُرَيْشٌ بِالْقَتْلِ وَأُفْنِيَتْ ، وَخَضْرَاؤُهُمْ بِمَعْنَى جَمَاعَتِهِمْ ، وَيُعَبَّرُ عَنِ الْجَمَاعَةِ الْمُجْتَمِعَةِ بِالسَّوَادِ وَالْخُضْرَةِ ، وَمِنْهُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ عَلَى أَنَّ دُورَ مَكَّةَ مَمْلُوكَةٌ يَصِحُّ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا ; لِأَنَّ أَصْلَ الْإِضَافَةِ إِلَى الْآدَمِيِّينَ تَقْتَضِي الْمِلْكَ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مَجَازٌ ، وَفِيهِ تَأْلِيفٌ لِأَبِي سُفْيَانَ ، وَإِظْهَارٌ لِشَرَفِهِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ ، وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ ، وَذَكَرَ نُزُولَ الْوَحْيِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، قَالُوا : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : قُلْتُمْ : أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ ، قَالُوا : قَدْ كَانَ ذَلِكَ ، قَالَ : كَلَّا ، إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ ، الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ : وَاللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذُرَانِكُمْ ) مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ : أَنَّهُمْ رَأَوْا رَأْفَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَهْلِ مَكَّةَ وَكَفَّ الْقَتْلِ عَنْهُمْ ، فَظَنُّوا أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى سُكْنَى مَكَّةَ وَالْمُقَامِ فِيهَا دَائِمًا ، وَيَرْحَلُ عَنْهُمْ وَيَهْجُرُ الْمَدِينَةَ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ قَدْ قُلْنَا هَذَا ، فَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ ، فَقَالَ : " كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ " مَعْنَى ( كَلَّا ) هُنَا : حَقًّا ، وَلَهَا مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا : حَقًّا ، وَالْآخَرُ : النَّفْيُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ) فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَيَأْتِينِي الْوَحْيُ ، وَأُخْبَرُ بِالْمُغَيَّبَاتِ كَهَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَشَبَهِهَا ، فَثِقُوا بِمَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُخْبِرُكُمْ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، وَالْآخَرُ لَا تُفْتَنُوا بِإِخْبَارِي إِيَّاكُمْ بِالْمُغَيَّبَاتِ وَتُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَإِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ ، الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ ) فَمَعْنَاهُ : أَنِّي هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى دِيَارِكُمْ لِاسْتِيطَانِهَا فَلَا أَتْرُكُهَا ، وَلَا أَرْجِعُ عَنْ هِجْرَتِي الْوَاقِعَةِ لِلَّهِ تَعَالَى ، أَنَا مُلَازِمٌ لَكُمْ ( الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ ) أَيْ : لَا أَحْيَا إِلَّا عِنْدَكُمْ وَلَا أَمُوتُ إِلَّا عِنْدَكُمْ ، وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ هَذَا بَكَوْا وَاعْتَذَرُوا ، قَالُوا : وَاللَّهِ مَا قُلْنَا كَلَامَنَا السَّابِقَ إِلَّا حِرْصًا عَلَيْكَ وَعَلَى مُصَاحَبَتِكَ وَدَوَامِكَ عِنْدَنَا لِنَسْتَفِيدَ مِنْكَ ، وَنَتَبَرَّكَ بِكَ ، وَتَهْدِيَنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ : مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ بِكَ ، هُوَ بِكَسْرِ الضَّادِ ، أَيْ : شُحًّا بِكَ أَنْ تُفَارِقَنَا ، وَيَخْتَصَّ بِكَ غَيْرُنَا ، وَكَانَ بُكَاؤُهُمْ فَرَحًا بِمَا قَالَ لَهُمْ ، وَحَيَاءً مِمَّا خَافُوا أَنْ يَكُونَ بَلَغَهُ عَنْهُمْ مِمَّا يُسْتَحْيَا مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ ) فِيهِ الِابْتِدَاءُ بِالطَّوَافِ فِي أَوَّلِ دُخُولِ مَكَّةَ ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَهَا فِي هَذَا الْيَوْمِ ، وَهُوَ يَوْمُ الْفَتْحِ غَيْرَ مُحْرِمٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَ عَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ، وَالْأَحَادِيثُ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ . وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَخْصِيصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ مَنْ دَخَلَهَا بَعْدَهُ لِحَرْبٍ أَوْ بَغْيٍ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ دُخُولُهَا حَلَالًا فَلَيْسَ كَمَا نُقِلَ ، بَلْ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَآخَرِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُهَا حَلَالًا لِلْمُحَارِبِ بِلَا خِلَافٍ ، وَكَذَا لِمَنْ يَخَافُ مِنْ ظَالِمٍ لَوْ ظَهَرَ لِلطَّوَافِ وَغَيْرِهِ ، وَأَمَّا مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ أَصْلًا فَلِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا : أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِحْرَامُ ، وَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ . قَوْلُهُ : ( فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ فَجَعَلَ يَطْعَنُهُ بِسِيَةِ قَوْسِهِ ) ( السِّيَةُ ) بِكَسْرِ السِّينِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ ، الْمُنْعَطِفُ مِنْ طَرَفَيِ الْقَوْسِ ، وَقَوْلُهُ : ( يَطْعُنُ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا فِي لُغَةٍ ، وَهَذَا الْفِعْلُ إِذْلَالٌ لِلْأَصْنَامِ وَلِعَابِدِيهَا ، وَإِظْهَارٌ لِكَوْنِهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ قَوْلُهُ : ( جَعَلَ يَطْعُنُ فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ : جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ) وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ : ( وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا ، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ : جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ، جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ) النُّصُبُ : الصَّنَمُ . وَفِي هَذَا اسْتِحْبَابُ قِرَاءَةِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عِنْدَ إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى : أَحْصِدُوهُمْ حَصْدًا ) هُوَ بِضَمِّ الصَّادِ وَكَسْرِهَا ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ : إِنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلُ السِّيَرِ : فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فُتِحَتْ صُلْحًا ، وَادَّعَى الْمَازِرِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ انْفَرَدَ بِهَذَا الْقَوْلِ ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَبِقَوْلِهِ : أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ ، قَالُوا : وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ . فَلَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ آمِنِينَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذَا ، وَبِحَدِيثِ ( أُمِّ هَانِئٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حِينَ أَجَارَتْ رَجُلَيْنِ أَرَادَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَتْلَهُمَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ ) فَكَيْفَ يَدْخُلُهَا صُلْحًا وَيَخْفَى ذَلِكَ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَتَّى يُرِيدَ قَتْلَ رَجُلَيْنِ دَخَلَا فِي الْأَمَانِ ؟ وَكَيْفَ يُحْتَاجُ إِلَى أَمَانِ أُمِّ هَانِئٍ بَعْدَ الصُّلْحِ ؟ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَالَحَهُمْ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( احْصُدُوهُمْ ) ، قَتَلَ خَالِدٌ مَنْ قَتَلَ ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ قِتَالًا ، وَأَمَّا أَمَانُ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ ، وَأَمَانُ أُمِّ هَانِئٍ فَكُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى زِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ لَهُمْ بِالْأَمَانِ ، وَأَمَّا هَمُّ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَتْلِ الرَّجُلَيْنِ ، فَلَعَلَّهُ تَأَوَّلَ مِنْهُمَا شَيْئًا ، أَوْ جَرَى مِنْهُمَا قِتَالٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب فَتْحِ مَكَّةَ · ص 464 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما جاء أن فتح مكة عنوة وقوله عليه الصلاة والسلام لَا يَقْتِلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًّا بَعْدَ الْيَوْمِ · ص 627 ( 22 ) باب ما جاء أن فتح مكة عنوة وقوله عليه الصلاة والسلام : لَا يَقْتِلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًّا بَعْدَ الْيَوْمِ 1780 - 84 و 86 [1297] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ: وَفَدْنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَكَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَصْنَعُ طَعَامًا يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ، فَكَانَتْ نَوْبَتِي فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، الْيَوْمُ نَوْبَتِي، فَجَاءُوا إِلَى الْمَنْزِلِ وَلَمْ يُدْرِكْ طَعَامُنَا فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، لَوْ حَدَّثْتَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى يُدْرِكَ طَعَامُنَا. فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ الْفَتْحِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ وَبَطْنِ الْوَادِي، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ. فَدَعَوْتُهُمْ فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ؟. قَالَوا: نَعَمْ، قَالَ: انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا، أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا. وَأَخْفَى بِيَدِهِ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَقَالَ: مَوْعِدُكُمْ الصَّفَا. قَالَ: فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ، قَالَ: وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على الصَّفَا، وَجَاءَتْ الْأَنْصَارُ فَأَطَافُوا بِالصَّفَا، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ. وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وقَالَ: قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، أَلَا فَمَا اسْمِي إِذًا ( ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ. قَالَوا: وَاللَّهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ، قَالَ: فأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ، قَالَ: وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَوْسٌ. وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطْعُنُ فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا ، فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ. ( 22 ) ومن باب: ما جاء أن فتح مكة عنوة قوله : ( كان كل رجل منَّا يصنع طعامًا يومًا لأصحابه ، فكانت نوبتي ) ؛ هذه المناوبة في الطعام كانت منهم على جهة المكارمة ، والمطايبة ، والتبرك بالمؤاكلة والمشاركة فيها ، لا على جهة المعاوضة ، والمشاحة ؛ ولذلك قال أبو هريرة للذي دعاه : ( سبقتني ). ففيه ما كان السلف عليه من حسن التودد ، والمزاولة ، والمواصلة ، والمكارمة . و ( لو ) هي هنا للتمني ؛ أي : ليتك حدثتنا . و( أدرك طعامنا ) ؛ أي : انتهى إلى النضج . وقوله : ( وجعل أبا عبيدة على البياذقة ) ؛ البياذقة : هم الرَّجالة . وأصله بالفارسية : أصحاب ركاب الملك . وقد رواه بعضهم : ( السَّاقة ) وفيها بُعد . وبعضهم قال : ( الشارفة ) ؛ أي : المشرفة . وهي تصحيف . والأُولى هي الصواب . وفي رواية أخرى : ( الحسر ) مكان ( البياذقة ) وهو جمع حاسر . وهو هنا : الذي لا درع معه . وهذا الوصف صادق على الرَّجالة ؛ فإنهم كذلك غالبًا . وقوله : ( وبطن الوادي ) منصوب بفعل مضمر ؛ أي : وجعل طريقه بطن الوادي ، كما جاء مفسَّرًا في الرواية ، ولا يجوز خفضه ؛ لأنه يلزم منه أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل أبا عبيدة على سكان بطن الوادي . وذلك غير مراد قطعًا . ونداؤه -صلى الله عليه وسلم- للأنصار خاصة : إما لأن المهاجرين كانوا حضورًا معه ، فلم يحتج إلى ندائهم ، وإما ليظهر لهم شدة اعتنائه بهم ، وتعويله عليهم . ويظهر لي : أن اختصاصه بالأنصار في هذا الموضع ، وقوله : ( لا يأتيني إلا أنصاري ) ؛ كما جاء في الرواية الأخرى ، إنما كان لأنه وصَّاهم بقتل من تعرض لهم من قريش ؛ إذ لا قرابة ، ولا رحم بينهم ، فلا موجب للعطف عليهم ، بخلاف المهاجرين ؛ فإن بينهم قرابات وأرحامًا ، فلا جرم لما سمعت الأنصار أمره مضوا لذلك ، فلم يتعرض لهم أحد إلا أناموه ؛ أي : قتلوه ، فصيروه كالنائم . والله تعالى أعلم . و( أوباش قريش ) : أخلاطهم . وفي الرواية الأخرى : ووبشت قريش أوباشًا لها ؛ أي : جمعت جموعًا من قبائل مختلفة . ويقال : أوباش وأوشاب . بمعنى واحد . و( الحصد ) : القطع . وأصله في الزرع ، واستعاره هنا للقتل لما كانت الرءوس والأيدي تقطع فيه . وقوله : ( وأحفى بيده ووضع يمينه على شماله ) ؛ كذا صحيح الرواية- بالحاء المهملة- معناه : استأصل ؛ أي : أشار إلى ذلك . وبعضهم رواه : ( وأكفى )- بالكاف- ؛ أي : مال بيده ، فكأنه - صلى الله عليه وسلم - وضع يمناه على يسراه ، وأمرها عليها مشيرًا إلى الاستئصال . والله تعالى أعلم . وقوله : ( موعدكم الصفا ) ؛ ظاهره خطابه للأنصار ، فكأنه -صلى الله عليه وسلم- سلك الطريق الأعلى من مكة ، وسلكت الأنصار من أسفلها ، حتى اجتمعوا عند الصفا . و( الموعد ) هنا : موضع الوعد ، وقد يأتي كذلك في الزمان ، كقوله تعالى : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ويأتي كذلك للمصدر . وهو في كل ذلك مكسور العين . وقول أبي سفيان : ( أبيدت خضراء قريش ) ؛ أي : أفنيت وأذهبت . وفي رواية أخرى : ( أبيحت ) من الإباحة . وكلاهما متقارب . و( خضراء قريش ) معظمها ، وجموعها . وقوله : ( لا قريش بعد اليوم ) ؛ أي : لا وجود لقريش بعد هذا . وذلك لما رأى من هول الأمر ، والغلبة ، والقهر ، والاستطالة ، والاستيلاء عليهم . وهذا الحديث لمالك نص: على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخلها عنوة ، وقهرًا . وهو الذي صار إليه جمهور العلماء ، والفقهاء ، مالك وغيره ، ما عدا الشافعي ، فإنه قال : فتحت صلحًا . وقد اعتذر بعض أصحابه عنه في ذلك بأن قال : أراد الشافعي بقوله : إنه - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة صلحًا ؛ أي : فعل فيها ما يفعل من صالح . فملكهم أنفسهم ، ومالهم ، وأرضيهم . قلت : والكل متفقون على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما دخل مكة أمن أهلها ولم يغنمهم ، وترك لهم أموالهم ، وذراريهم ، وأراضيهم ، ولم يجر عليها حكم الغنيمة ، ولا حكم الفيء ، فكان ذلك أمرًا خاصًّا بمكة ، لشرفها ، وحرمتها ، ولا يساويها في ذلك غيرها من البلاد بوجه من الوجوه . والله تعالى أعلم . وقد تقدم الكلام في بيع دور مكة وإجاراتها. وقول الأنصار : ( أما الرَّجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ، ورغبة في قريته ) ؛ هذا القول ليس فيه تنقيص ، ولا تصغير ، وإنما هم لما رأوا منه ما يقتضيه خلق الكرام ، وجبلات الفضلاء من الرأفة على العشيرة ، والصَّغْو للوطن ، والحنين له ، خافوا أن يؤثر المقام فيها على المقام بالمدينة ، فحملهم شدة محبتهم له ، وكراهة مفارقته ، أو مفارقة أوطانهم ، على أن قالوا هذا الكلام ، وقد بيَّنوا عذرهم عن هذا حيث قالوا : ( ما قلناه إلا ضنًّا برسول الله -صلى الله عليه وسلم - ؛ أي : بخلاً . وإخباره -صلى الله عليه وسلم- إياهم بما قالوا ، معجزة من معجزاته . وقوله -صلى الله عليه وسلم- : ( ألا فما اسمي إذًا ؟ ) قيل : إنما قال ذلك تنبيهًا على صدقه لما ظهرت معجزته بإخباره عما غاب عنه ، كما كان يقول عند ظهور الخوارق على يديه : ( أشهد أني رسول الله ) . وقيل : إنما قال ذلك تنبيهًا على أن صدق اسمه ( محمد ) عليه يمنعه من نقض العهد ، وترك القيام بحق من له حق ، فكأنه قال : لو فعلت ذلك لما استحققت أن أسمّى : محمدًا ، ولا : أحمد ؛ وكلاهما مأخوذ من الحمد . ويدل على صحة هذا التأويل قوله : ( المحيا محياكم ، والممات مماتكم ) ؛ أي لا أفارقكم حياتي ولا موتي . وبكاء الأنصار إنما كان فرحًا وصبابة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- . و( سية القوس ) : طرفها المنحني . وله سيتان . وقد قال في طريق أخرى : ( بعود في يديه ) ، يريد به القوس .