باب ما جاء أن فتح مكة عنوة وقوله عليه الصلاة والسلام لَا يَقْتِلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًّا بَعْدَ الْيَوْمِ
) باب ما جاء أن فتح مكة عنوة وقوله عليه الصلاة والسلام : لَا يَقْتِلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًّا بَعْدَ الْيَوْمِ 1780 - 84 و 86 [1297] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ: وَفَدْنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَكَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَصْنَعُ طَعَامًا يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ، فَكَانَتْ نَوْبَتِي فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، الْيَوْمُ نَوْبَتِي، فَجَاءُوا إِلَى الْمَنْزِلِ وَلَمْ يُدْرِكْ طَعَامُنَا فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، لَوْ حَدَّثْتَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى يُدْرِكَ طَعَامُنَا . فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ الْفَتْحِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ وَبَطْنِ الْوَادِي، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ . فَدَعَوْتُهُمْ فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ؟ .
قَالَوا: نَعَمْ، قَالَ: انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا، أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا . وَأَخْفَى بِيَدِهِ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَقَالَ: مَوْعِدُكُمْ الصَّفَا . قَالَ: فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ، قَالَ: وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على الصَّفَا، وَجَاءَتْ الْأَنْصَارُ فَأَطَافُوا بِالصَّفَا، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ .
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ . وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وقَالَ: قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، أَلَا فَمَا اسْمِي إِذًا ( ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ . قَالَوا: وَاللَّهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ .
قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ . وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ، قَالَ: فأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ، قَالَ: وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَوْسٌ . وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطْعُنُ فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا ، فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ .
( 22 ) ومن باب: ما جاء أن فتح مكة عنوة قوله : ( كان كل رجل منَّا يصنع طعامًا يومًا لأصحابه ، فكانت نوبتي ) ؛ هذه المناوبة في الطعام كانت منهم على جهة المكارمة ، والمطايبة ، والتبرك بالمؤاكلة والمشاركة فيها ، لا على جهة المعاوضة ، والمشاحة ؛ ولذلك قال أبو هريرة للذي دعاه : ( سبقتني ) . ففيه ما كان السلف عليه من حسن التودد ، والمزاولة ، والمواصلة ، والمكارمة . و ( لو ) هي هنا للتمني ؛ أي : ليتك حدثتنا .
و( أدرك طعامنا ) ؛ أي : انتهى إلى النضج . وقوله : ( وجعل أبا عبيدة على البياذقة ) ؛ البياذقة : هم الرَّجالة . وأصله بالفارسية : أصحاب ركاب الملك .
وقد رواه بعضهم : ( السَّاقة ) وفيها بُعد . وبعضهم قال : ( الشارفة ) ؛ أي : المشرفة . وهي تصحيف .
والأُولى هي الصواب . وفي رواية أخرى : ( الحسر ) مكان ( البياذقة ) وهو جمع حاسر . وهو هنا : الذي لا درع معه .
وهذا الوصف صادق على الرَّجالة ؛ فإنهم كذلك غالبًا . وقوله : ( وبطن الوادي ) منصوب بفعل مضمر ؛ أي : وجعل طريقه بطن الوادي ، كما جاء مفسَّرًا في الرواية ، ولا يجوز خفضه ؛ لأنه يلزم منه أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل أبا عبيدة على سكان بطن الوادي . وذلك غير مراد قطعًا .
ونداؤه -صلى الله عليه وسلم- للأنصار خاصة : إما لأن المهاجرين كانوا حضورًا معه ، فلم يحتج إلى ندائهم ، وإما ليظهر لهم شدة اعتنائه بهم ، وتعويله عليهم . ويظهر لي : أن اختصاصه بالأنصار في هذا الموضع ، وقوله : ( لا يأتيني إلا أنصاري ) ؛ كما جاء في الرواية الأخرى ، إنما كان لأنه وصَّاهم بقتل من تعرض لهم من قريش ؛ إذ لا قرابة ، ولا رحم بينهم ، فلا موجب للعطف عليهم ، بخلاف المهاجرين ؛ فإن بينهم قرابات وأرحامًا ، فلا جرم لما سمعت الأنصار أمره مضوا لذلك ، فلم يتعرض لهم أحد إلا أناموه ؛ أي : قتلوه ، فصيروه كالنائم . والله تعالى أعلم .
و( أوباش قريش ) : أخلاطهم . وفي الرواية الأخرى : ووبشت قريش أوباشًا لها ؛ أي : جمعت جموعًا من قبائل مختلفة . ويقال : أوباش وأوشاب .
بمعنى واحد . و( الحصد ) : القطع . وأصله في الزرع ، واستعاره هنا للقتل لما كانت الرءوس والأيدي تقطع فيه .
وقوله : ( وأحفى بيده ووضع يمينه على شماله ) ؛ كذا صحيح الرواية- بالحاء المهملة- معناه : استأصل ؛ أي : أشار إلى ذلك . وبعضهم رواه : ( وأكفى )- بالكاف- ؛ أي : مال بيده ، فكأنه - صلى الله عليه وسلم - وضع يمناه على يسراه ، وأمرها عليها مشيرًا إلى الاستئصال . والله تعالى أعلم .
وقوله : ( موعدكم الصفا ) ؛ ظاهره خطابه للأنصار ، فكأنه -صلى الله عليه وسلم- سلك الطريق الأعلى من مكة ، وسلكت الأنصار من أسفلها ، حتى اجتمعوا عند الصفا . و( الموعد ) هنا : موضع الوعد ، وقد يأتي كذلك في الزمان ، كقوله تعالى : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ويأتي كذلك للمصدر . وهو في كل ذلك مكسور العين .
وقول أبي سفيان : ( أبيدت خضراء قريش ) ؛ أي : أفنيت وأذهبت . وفي رواية أخرى : ( أبيحت ) من الإباحة . وكلاهما متقارب .
و( خضراء قريش ) معظمها ، وجموعها . وقوله : ( لا قريش بعد اليوم ) ؛ أي : لا وجود لقريش بعد هذا . وذلك لما رأى من هول الأمر ، والغلبة ، والقهر ، والاستطالة ، والاستيلاء عليهم .
وهذا الحديث لمالك نص: على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخلها عنوة ، وقهرًا . وهو الذي صار إليه جمهور العلماء ، والفقهاء ، مالك وغيره ، ما عدا الشافعي ، فإنه قال : فتحت صلحًا . وقد اعتذر بعض أصحابه عنه في ذلك بأن قال : أراد الشافعي بقوله : إنه - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة صلحًا ؛ أي : فعل فيها ما يفعل من صالح .
فملكهم أنفسهم ، ومالهم ، وأرضيهم . قلت : والكل متفقون على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما دخل مكة أمن أهلها ولم يغنمهم ، وترك لهم أموالهم ، وذراريهم ، وأراضيهم ، ولم يجر عليها حكم الغنيمة ، ولا حكم الفيء ، فكان ذلك أمرًا خاصًّا بمكة ، لشرفها ، وحرمتها ، ولا يساويها في ذلك غيرها من البلاد بوجه من الوجوه . والله تعالى أعلم .
وقد تقدم الكلام في بيع دور مكة وإجاراتها . وقول الأنصار : ( أما الرَّجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ، ورغبة في قريته ) ؛ هذا القول ليس فيه تنقيص ، ولا تصغير ، وإنما هم لما رأوا منه ما يقتضيه خلق الكرام ، وجبلات الفضلاء من الرأفة على العشيرة ، والصَّغْو للوطن ، والحنين له ، خافوا أن يؤثر المقام فيها على المقام بالمدينة ، فحملهم شدة محبتهم له ، وكراهة مفارقته ، أو مفارقة أوطانهم ، على أن قالوا هذا الكلام ، وقد بيَّنوا عذرهم عن هذا حيث قالوا : ( ما قلناه إلا ضنًّا برسول الله -صلى الله عليه وسلم - ؛ أي : بخلاً . وإخباره -صلى الله عليه وسلم- إياهم بما قالوا ، معجزة من معجزاته .
وقوله -صلى الله عليه وسلم- : ( ألا فما اسمي إذًا ؟ ) قيل : إنما قال ذلك تنبيهًا على صدقه لما ظهرت معجزته بإخباره عما غاب عنه ، كما كان يقول عند ظهور الخوارق على يديه : ( أشهد أني رسول الله ) . وقيل : إنما قال ذلك تنبيهًا على أن صدق اسمه ( محمد ) عليه يمنعه من نقض العهد ، وترك القيام بحق من له حق ، فكأنه قال : لو فعلت ذلك لما استحققت أن أسمّى : محمدًا ، ولا : أحمد ؛ وكلاهما مأخوذ من الحمد . ويدل على صحة هذا التأويل قوله : ( المحيا محياكم ، والممات مماتكم ) ؛ أي لا أفارقكم حياتي ولا موتي .
وبكاء الأنصار إنما كان فرحًا وصبابة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- . و( سية القوس ) : طرفها المنحني . وله سيتان .
وقد قال في طريق أخرى : ( بعود في يديه ) ، يريد به القوس .