[ 119 ] 1801 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ الزُّهْرِيُّ ، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِلزُّهْرِيِّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : ائْذَنْ لِي فَلْأَقُلْ ، قَالَ : قُلْ ، فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ وَذَكَرَ مَا بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ : إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً وَقَدْ عَنَّانَا ، فَلَمَّا سَمِعَهُ قَالَ : وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ ، قَالَ : إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ الْآنَ ، وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ ، قَالَ : أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِي سَلَفًا ، قَالَ : فَمَا تَرْهَنُنِي ؟ قَالَ : مَا تُرِيدُ ؟ قَالَ : تَرْهَنُنِي نِسَاءَكُمْ ، قَالَ : أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ ؛ أَنَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا ؟ قَالَ لَهُ : تَرْهَنُونِي أَوْلَادَكُمْ ، قَالَ : يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا ، فَيُقَالُ : رُهِنَ فِي وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ ، وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ - يَعْنِي السِّلَاحَ - قَالَ : فَنَعَمْ ، وَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْحَارِثِ وَأَبِي عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ ، قَالَ : فَجَاءُوا فَدَعَوْهُ لَيْلًا ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ، قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ غَيْرُ عَمْرٍو : قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ ، قَالَ : إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعُهُ وَأَبُو نَائِلَةَ ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ لَيْلًا لَأَجَابَ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : إِنِّي إِذَا جَاءَ فَسَوْفَ أَمُدُّ يَدِي إِلَى رَأْسِهِ ، فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَدُونَكُمْ ، قَالَ : فَلَمَّا نَزَلَ نَزَلَ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ ، فَقَالُوا : نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيبِ ، قَالَ : نَعَمْ ، تَحْتِي فُلَانَةُ ، هِيَ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ ، قَالَ : فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ مِنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَشُمَّ . فَتَنَاوَلَ فَشَمَّ ، ثُمَّ قَالَ : أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَعُودَ ؟ قَالَ : فَاسْتَمْكَنَ مِنْ رَأْسِهِ ، ثُمَّ قَالَ : دُونَكُمْ ، قَالَ : فَقَتَلُوهُ . 42 - بَاب قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ طَاغُوتِ الْيَهُودِ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِيهِ قِصَّةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ مَعَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ بِالْحِيلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ مُخَادَعَتِهِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَبَبِ ذَلِكَ وَجَوَابِهِ ، فَقَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ : إِنَّمَا قَتَلَهُ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ نَقَضَ عَهْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَجَاهُ وَسَبَّهُ ، وَكَانَ عَاهَدَهُ أَلَّا يُعِينَ عَلَيْهِ أَحَدًا ، ثُمَّ جَاءَ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ مُعِينًا عَلَيْهِ ، قَالَ : وَقَدْ أَشْكَلَ قَتْلُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى بَعْضِهِمْ ، وَلَمْ يَعْرِفِ الْجَوَابَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ هَذَا الْجَوَابُ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِأَمَانٍ فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ ، وَإِنَّمَا كَلَّمَهُ فِي أَمْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، وَاشْتَكَى إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ عَهْدٌ وَلَا أَمَانٌ ، قَالَ : وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ قَتْلَهُ كَانَ غَدْرًا ، وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ إِنْسَانٌ فِي مَجْلِسِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَمَرَ بِهِ عَلِيٌّ فَضُرِبَ عُنُقُهُ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْغَدْرُ بَعْدَ أَمَانٍ مَوْجُودٍ ، وَكَانَ كَعْبٌ قَدْ نَقَضَ عَهْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يُؤَمِّنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرُفْقَتُهُ ، وَلَكِنَّهُ اسْتَأْنَسَ بِهِمْ فَتَمَكَّنُوا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عَهْدٍ وَلَا أَمَانٍ . وَأَمَّا تَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِبَابِ الْفَتْكِ فِي الْحَرْبِ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْحَرْبُ ، بَلِ الْفَتْكُ هُوَ الْقَتْلُ عَلَى غِرَّةٍ وَغَفْلَةٍ ، وَالْغِيلَةُ نَحْوُهُ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ اغْتِيَالِ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنَ الْكُفَّارِ وَتَبْيِيتِهِ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ إِلَى الْإِسْلَامِ . قَوْلُهُ : ( ائْذَنْ لِي فَلْأَقُلْ ) مَعْنَاهُ : ائْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ عَنِّي وَعَنْكَ مَا رَأَيْتُهُ مَصْلَحَةً مِنَ التَّعْرِيضِ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّعْرِيضِ ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِكَلَامٍ بَاطِنُهُ صَحِيحٌ وَيَفْهَمُ مِنْهُ الْمُخَاطَبُ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَهَذَا جَائِزٌ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا ، مَا لَمْ يَمْنَعْ بِهِ حَقًّا شَرْعِيًّا . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ عَنَّانَا ) هَذَا مِنَ التَّعْرِيضِ الْجَائِزِ بَلِ الْمُسْتَحَبِّ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي الْبَاطِنِ أَنَّهُ أَدَّبَنَا بِآدَابِ الشَّرْعِ الَّتِي فِيهَا تَعَبٌ ، لَكِنَّهُ تَعَبٌ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَهُوَ مَحْبُوبٌ لَنَا ، وَالَّذِي فَهِمَ الْمُخَاطَبُ مِنْهُ الْعَنَاءَ الَّذِي لَيْسَ بِمَحْبُوبٍ . قَوْلُهُ : ( وَأَيْضًا وَاللَّهِ لتَمَلُّنَّهُ ) هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْمِيمِ ، أَيْ : تَضْجَرُونَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الضَّجَرِ . قَوْلُهُ : ( يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا فَيُقَالُ : رُهِنَ فِي وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ ) هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَعْرُوفَةِ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ( يُسَبُّ ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ السَّبِّ ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ بَعْضِ الرُّوَاةِ كِتَابَ مُسْلِمٍ ( يَشِبُّ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الشَّبَابِ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَ : ( الْوَسْقُ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا ، وَأَصْلُهُ : الْحِمْلُ . قَوْلُهُ : ( نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ ) هِيَ بِالْهَمْزَةِ ، وَفَسَّرَهَا فِي الْكِتَابِ بِأَنَّهَا السِّلَاحُ وَهُوَ كَمَا قَالَ . قَوْلُهُ : ( وَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْحَارِثِ وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ) أَمَّا ( الْحَارِثُ ) فَهُوَ : الْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ ابْنُ أَخِي سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَأَمَّا ( أَبُو عَبْسٍ ) فَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ ( جَبْرٌ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ ، وَيُقَالُ : ابْنُ جَابِرٍ ، وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ، شَهِدَ بَدْرًا وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ ، وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ الْعُزَّى ، وَهُوَ وَقَعَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ . وَأَبُو عَبْسٍ بِالْوَاوِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( وَأَبِي عِيسٍ ) بِالْيَاءِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ ، وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ أَيْضًا ، وَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي يَأْتِيهِ . قَوْلُهُ : ( كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ ) أَيْ : صَوْتُ طَالِبٍ أَوْ صَوْتُ سَافِكِ دَمٍ ، هَكَذَا فَسَّرُوهُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدٌ وَرَضِيعُهُ وَأَبُو نَائِلَةَ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ، قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : قَالَ لَنَا شَيْخُنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ : صَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدٌ وَرَضِيعُهُ أَبُو نَائِلَةَ ، وَكَذَا ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ أَبَا نَائِلَةَ كَانَ رَضِيعًا لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ( وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ ) قَالَ : وَهَذَا عِنْدِي لَهُ وَجْهٌ إِنْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ رَضِيعًا لِمُحَمَّدٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ طَاغُوتِ الْيَهُودِ · ص 490 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب جواز إعمال الحيلة في قتل الكفار وذكر قتل كعب بن الأشرف · ص 659 ( 28 ) باب جواز إعمال الحيلة في قتل الكفار وذكر قتل كعب بن الأشرف 1801 [1317] عن جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ائْذَنْ لِي فَلْأَقُلْ. قَالَ: قُلْ. فَأَتَاهُ ، فَقَالَ لَهُ، وَذَكَرَ مَا بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً ، وَقَدْ عَنَّانَا، فَلَمَّا سَمِعَهُ قَالَ: وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ الْآنَ وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ، قَالَ: وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِي سَلَفًا، قَالَ: فَمَا تَرْهَنُنِي؟ تَرْهَنُنِي نِسَاءَكُمْ، قَالَ: أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ، أَنَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا؟ قَالَ : تَرْهَنُونِي أَوْلَادَكُمْ، قَالَ: يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا فَيُقَالَ: رُهِنَ فِي وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ. ( يَعْنِي السِّلَاحَ ) قَالَ: نَعَمْ. وَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْحَارِثِ، وَأَبِي عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ، وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ، قَالَ: فَجَاؤوا فَدَعَوْهُ لَيْلًا، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ . وفي رواية : قَالَتْ امْرَأَتُهُ: إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ، قَالَ: إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ ، وَرَضِيعُهُ، وَأَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ لَيْلًا لَأَجَابَ، قَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِّي إِذَا جَاءَ فَسَوْفَ أَمُدُّ يَدِي إِلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَدُونَكُمْ، قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ ، نَزَلَ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ، فَقَالَ: نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيبِ، فقَالَ: نَعَمْ، تَحْتِي فُلَانَةُ، هِيَ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ، قَالَ: فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ مِنْهُ، قَالَ: نَعَمْ، فَشُمَّ، فَتَنَاوَلَ فَشَمَّ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَعُودَ؟ فَاسْتَمْكَنَ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: دُونَكُمْ! قَالَ: فَقَتَلُوهُ . ( 28 ) ومن باب: إعمال الحيلة في قتل الكفار قوله : ( من لكعب بن الأشرف ) ؛ كعب هذا : رجل من بني نبهان من طيء ، وأمه من بني النضير ، وكان شاعرًا ، وكان قد عاهده النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا يعين عليه ، ولا يتعرض لأذاه ، ولا لأذى المسلمين ، فنقض العهد ، وانطلق إلى مكة إثر وقعة بدر ، فجعل يبكِّي من قتل من الكفار ، ويحرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، وهو الذي أغرى قريشًا وغيرهم حتى اجتمعوا لغزوة أحد ، ثم إنه رجع إلى بلده ، فجعل يهجو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ويؤذيه ، والمسلمين . فحينئذ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( من لكعب بن الأشرف ، فإنه قد آذى الله ورسوله ) ، فأغرى بقتله ، ونبه على علة ذلك ، وأنه مستحق للقتل . ولا يظن أحد : أنه قتل غدرًا . فمن قال ذلك قتل ، كما فعله علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وذلك أن رجلاً قال ذلك في مجلسه ، فأمر علي بضرب عنقه . وقال آخر : في مجلس معاوية ، فأنكر ذلك محمد بن مسلمة ، وأنكر على معاوية سكوته ، وحلف ألا يظله وإيَّاه سقــف أبدًا ، ولا يخلو بقائلها إلا قتله. قلت : ويظهر لي : أنه يقتل ، ولا يستتاب ؛ لأن ذلك زندقة إن نسب الغدر للنبي -صلى الله عليه وسلم- . فأما لو نسبه للمباشرين لقتله بحيث يقول : إنهم أمنوه ، ثم غدروه . لكانت هذه النسبة كذبًا محضًا ؛ لأنه ليس في كلامهم معه ما يدل على أنهم أمنوه ، ولا صرحوا له بذلك ، ولو فعلوا ذلك لما كان أمانًا ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما وجههم لقتله لا لتأمينه ، ولا يجار على الله ، ولا على رسوله . ولو كان ذلك لأدى لإسقاط الحدود ، وذلك لا يجوز بالإجماع . وعلى هذا فيكون في قتل من نسب ذلك إليهم نظر ، وتردد . وسببه : هل يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ لأنه قد صوَّب فعلهم ، ورضي به ، فيلزم منه : أنه قد رضي بالغدر؟ ومن صرح بذلك قُتل -أو لا يلزم ذلك ؛ لأنه لم يصرح به ؛ وإنما هو لازم على قوله - ولعله لو تنبه لذلك الإلزام لم يصرح بنسبة الغدر إليهم ، ويكون هذا من باب التكفير بالمآل ، وقد اختلف فيه . والصحيح : أنه لا يكفر بالمآل ، ولا بما يلزم على المذاهب ، إلا إذا صرح بالقول اللازم . وإذا قلنا : إنه لا يقتل فإنه لا بد من تنكيل ذلك القائل ، وعقوبته بالسجن، والضرب الشديد ، والإهانة العظيمة . وقوله : ( إن هذا الرجل قد أراد صدقة ، وقد عنانا ) ؛ هذا الكلام ليس فيه تصريح بأمان ، بل هو كلام ظهر لكعب منه : أن محمد بن مسلمة ليس محققًا ، ولا مخلصًا في اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا في الكون معه ، ولذلك أجابه بقوله : وأيضًا والله لتمَلُّنَّه . وكلام محمد من باب المعاريض ، وليس فيه من الكذب ، ولا من باب الباطل شيء ، بل هو كلام حق ، فإن محمدا -صلى الله عليه وسلم- رجل ، لكن أي رجل ، وقد أراد صدقةً من أمته ، وأوجبها عليهم ، وقد عنَّاهم بالتكاليف. أي : أتعبهم ، لكن تعبًا حصل لهم به خير الدنيا والآخرة . وإذا تأملت كلام محمد هذا ؛ علمت أن محمد بن مسلمة من أقدر الناس على البلاغة ، واستعمال المعاريض ، وعلى إعمال الحيلة ، وأنه من أكمل الناس عقلاً ورأيًا . وقوله : ( يسبُّ ابن أحدنا ) من السَّب ، وهو الصواب ، وصحيح الرواية ، وقد قيده الطبري : ( يَشِبُّ ) من الشباب ، بالشين المعجمة ، وهو تصحيف ؛ وإنما عيَّن السلاح للرهن ؛ لئلا ينكرها إذا جاؤوا بها . وقول امرأة كعب : ( إني لأسمع صوتًا كأنه صوت دم ) ؛ أي : صوت طالب دم . كانت هذه المرأة من شياطين الإنس ، أو تكلم على لسانها شيطان ، كما قال تعالى : وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وإلا فمن أين أدركت هذا ؟ بل هذا من نوع ما وقع للزَّباء في قصتها مع قصير حين جاءها بالصَّناديق فيها الرِّجال ، فأوهمها أن فيها تجارة ، فلما رأتها أنشدت : مَا لِلجِمالِ مَشيُهَا وَئيدا؟ أجَنْدَلاً يَحمِلنَ أم حَدِيدا ؟ أمِ صَرَفَانًا بَارِدًا شَدِيدا؟ أمِ الرِّجَالُ جُثَّمًا قُعُودا ؟ وكذلك كان . وقوله : ( إنما هو محمد ورضيعه وأبو نائلة ) ؛ هكذا صحت الرواية فيه على أن أبا نائلة غير رضيع محمد . وقد رواه أهل السير بإسقاط الواو على أنه بدل من ( رضيعه ). وفي البخاري : ( ورضيعي أبو نائلة ) على أن يكون أبو نائلة رضيع كعب . والمعروف بأنه رضيع محمد . والله تعالى أعلم . وقوله : ( نزل وهو متوشح ) ؛ أي : بثوب جعله على أحد منكبيه ، وأخرج الآخر . و( دونكم ) منصوب على الإغراء ؛ أي : بادروا إلى قتله ، ولازموه .