بَاب قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ طَاغُوتِ الْيَهُودِ
[ 119 ] 1801 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ الزُّهْرِيُّ ، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِلزُّهْرِيِّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : ائْذَنْ لِي فَلْأَقُلْ ، قَالَ : قُلْ ، فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ وَذَكَرَ مَا بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ : إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً وَقَدْ عَنَّانَا ، فَلَمَّا سَمِعَهُ قَالَ : وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ ، قَالَ : إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ الْآنَ ، وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ ، قَالَ : أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِي سَلَفًا ، قَالَ : فَمَا تَرْهَنُنِي ؟ قَالَ : مَا تُرِيدُ ؟ قَالَ : تَرْهَنُنِي نِسَاءَكُمْ ، قَالَ : أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ ؛ أَنَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا ؟ قَالَ لَهُ : تَرْهَنُونِي أَوْلَادَكُمْ ، قَالَ : يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا ، فَيُقَالُ : رُهِنَ فِي وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ ، وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ - يَعْنِي السِّلَاحَ - قَالَ : فَنَعَمْ ، وَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْحَارِثِ وَأَبِي عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ ، قَالَ : فَجَاءُوا فَدَعَوْهُ لَيْلًا ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ، قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ غَيْرُ عَمْرٍو : قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ ، قَالَ : إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعُهُ وَأَبُو نَائِلَةَ ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ لَيْلًا لَأَجَابَ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : إِنِّي إِذَا جَاءَ فَسَوْفَ أَمُدُّ يَدِي إِلَى رَأْسِهِ ، فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَدُونَكُمْ ، قَالَ : فَلَمَّا نَزَلَ نَزَلَ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ ، فَقَالُوا : نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيبِ ، قَالَ : نَعَمْ ، تَحْتِي فُلَانَةُ ، هِيَ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ ، قَالَ : فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ مِنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَشُمَّ . فَتَنَاوَلَ فَشَمَّ ، ثُمَّ قَالَ : أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَعُودَ ؟ قَالَ : فَاسْتَمْكَنَ مِنْ رَأْسِهِ ، ثُمَّ قَالَ : دُونَكُمْ ، قَالَ : فَقَتَلُوهُ . 42 - بَاب قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ طَاغُوتِ الْيَهُودِ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِيهِ قِصَّةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ مَعَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ بِالْحِيلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ مُخَادَعَتِهِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَبَبِ ذَلِكَ وَجَوَابِهِ ، فَقَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ : إِنَّمَا قَتَلَهُ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ نَقَضَ عَهْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَجَاهُ وَسَبَّهُ ، وَكَانَ عَاهَدَهُ أَلَّا يُعِينَ عَلَيْهِ أَحَدًا ، ثُمَّ جَاءَ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ مُعِينًا عَلَيْهِ ، قَالَ : وَقَدْ أَشْكَلَ قَتْلُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى بَعْضِهِمْ ، وَلَمْ يَعْرِفِ الْجَوَابَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ هَذَا الْجَوَابُ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِأَمَانٍ فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ ، وَإِنَّمَا كَلَّمَهُ فِي أَمْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، وَاشْتَكَى إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ عَهْدٌ وَلَا أَمَانٌ ، قَالَ : وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ قَتْلَهُ كَانَ غَدْرًا ، وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ إِنْسَانٌ فِي مَجْلِسِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَمَرَ بِهِ عَلِيٌّ فَضُرِبَ عُنُقُهُ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْغَدْرُ بَعْدَ أَمَانٍ مَوْجُودٍ ، وَكَانَ كَعْبٌ قَدْ نَقَضَ عَهْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يُؤَمِّنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرُفْقَتُهُ ، وَلَكِنَّهُ اسْتَأْنَسَ بِهِمْ فَتَمَكَّنُوا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عَهْدٍ وَلَا أَمَانٍ .
وَأَمَّا تَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِبَابِ الْفَتْكِ فِي الْحَرْبِ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْحَرْبُ ، بَلِ الْفَتْكُ هُوَ الْقَتْلُ عَلَى غِرَّةٍ وَغَفْلَةٍ ، وَالْغِيلَةُ نَحْوُهُ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ اغْتِيَالِ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنَ الْكُفَّارِ وَتَبْيِيتِهِ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ إِلَى الْإِسْلَامِ . قَوْلُهُ : ( ائْذَنْ لِي فَلْأَقُلْ ) مَعْنَاهُ : ائْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ عَنِّي وَعَنْكَ مَا رَأَيْتُهُ مَصْلَحَةً مِنَ التَّعْرِيضِ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّعْرِيضِ ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِكَلَامٍ بَاطِنُهُ صَحِيحٌ وَيَفْهَمُ مِنْهُ الْمُخَاطَبُ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَهَذَا جَائِزٌ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا ، مَا لَمْ يَمْنَعْ بِهِ حَقًّا شَرْعِيًّا . ج١٢ / ص٤٩١قَوْلُهُ : ( وَقَدْ عَنَّانَا ) هَذَا مِنَ التَّعْرِيضِ الْجَائِزِ بَلِ الْمُسْتَحَبِّ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي الْبَاطِنِ أَنَّهُ أَدَّبَنَا بِآدَابِ الشَّرْعِ الَّتِي فِيهَا تَعَبٌ ، لَكِنَّهُ تَعَبٌ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَهُوَ مَحْبُوبٌ لَنَا ، وَالَّذِي فَهِمَ الْمُخَاطَبُ مِنْهُ الْعَنَاءَ الَّذِي لَيْسَ بِمَحْبُوبٍ .
قَوْلُهُ : ( وَأَيْضًا وَاللَّهِ لتَمَلُّنَّهُ ) هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْمِيمِ ، أَيْ : تَضْجَرُونَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الضَّجَرِ . قَوْلُهُ : ( يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا فَيُقَالُ : رُهِنَ فِي وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ ) هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَعْرُوفَةِ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ( يُسَبُّ ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ السَّبِّ ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ بَعْضِ الرُّوَاةِ كِتَابَ مُسْلِمٍ ( يَشِبُّ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الشَّبَابِ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَ : ( الْوَسْقُ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا ، وَأَصْلُهُ : الْحِمْلُ . قَوْلُهُ : ( نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ ) هِيَ بِالْهَمْزَةِ ، وَفَسَّرَهَا فِي الْكِتَابِ بِأَنَّهَا السِّلَاحُ وَهُوَ كَمَا قَالَ .
قَوْلُهُ : ( وَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْحَارِثِ وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ) أَمَّا ( الْحَارِثُ ) فَهُوَ : الْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ ابْنُ أَخِي سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَأَمَّا ( أَبُو عَبْسٍ ) فَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ ( جَبْرٌ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ ، وَيُقَالُ : ابْنُ جَابِرٍ ، ج١٢ / ص٤٩٢وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ، شَهِدَ بَدْرًا وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ ، وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ الْعُزَّى ، وَهُوَ وَقَعَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ . وَأَبُو عَبْسٍ بِالْوَاوِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( وَأَبِي عِيسٍ ) بِالْيَاءِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ ، وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ أَيْضًا ، وَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي يَأْتِيهِ . قَوْلُهُ : ( كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ ) أَيْ : صَوْتُ طَالِبٍ أَوْ صَوْتُ سَافِكِ دَمٍ ، هَكَذَا فَسَّرُوهُ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدٌ وَرَضِيعُهُ وَأَبُو نَائِلَةَ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ، قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : قَالَ لَنَا شَيْخُنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ : صَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدٌ وَرَضِيعُهُ أَبُو نَائِلَةَ ، وَكَذَا ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ أَبَا نَائِلَةَ كَانَ رَضِيعًا لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ( وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ ) قَالَ : وَهَذَا عِنْدِي لَهُ وَجْهٌ إِنْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ رَضِيعًا لِمُحَمَّدٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .