[ 27 ] - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ : اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ ، يُدْعَى ابْنَ الْأُتْبِيَّةِ ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ : هَذَا مَالُكُمْ ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ؟ ثُمَّ خَطَبَنَا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ هَذَا مَالُكُمْ ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي ، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا ؟ وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ، بَصُرَ عَيْنِي ، وَسَمِعَ أُذُنِي . [ 28 ] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . وَفِي حَدِيثِ عَبْدَةَ وَابْنِ نُمَيْرٍ : فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ ، كَمَا قَالَ أَبُو أُسَامَةَ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ : تَعْلَمُنَّ وَاللَّهِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا . وَزَادَ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ قَالَ : بَصُرَ عَيْنِي وَسَمِعَ أُذُنَايَ ، وَسَلُوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ حَاضِرًا مَعِي . [ 29 ] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ - وَهُوَ أَبُو الزِّنَادِ - ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَجَاءَ بِسَوَادٍ كَثِيرٍ ، فَجَعَلَ يَقُولُ : هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ . فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، قَالَ عُرْوَةُ : فَقُلْتُ لِأَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ : أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : مِنْ فِيهِ إِلَى أُذُنِي . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ ) فِيهِ مُحَاسَبَةُ الْعُمَّالِ لِيُعْلَمَ مَا قَبَضُوهُ وَمَا صَرَفُوا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا ) هَكَذَا هُوَ ببَعْضِ النُّسَخِ ( فَلَأَعْرِفَنَّ ) وَفِي بَعْضِهَا ( لَا أَعْرِفَنَّ ) بِالْأَلِفِ عَلَى النَّفْيِ ، قَالَ الْقَاضِي : هَذَا أَشْهَرُ ، قَالَ : وَالْأَوَّلُ هُوَ رِوَايَةُ أَكْثَرِ رُوَاةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( بَصَرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي ) مَعْنَاهُ : أَعْلَمُ هَذَا الْكَلَامَ يَقِينًا ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ ، وَسَمِعَتْهُ أُذُنِي ، فَلَا شَكَّ فِي عِلْمِي بِهِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاللَّهِ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) فِيهِ تَوْكِيدُ الْيَمِينِ بِذِكْرِ اسْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَسَلُوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ حَاضِرًا مَعِي ) فِيهِ اسْتِشْهَادُ الرَّاوِي وَالْقَائِلِ بِقَوْلِ مَنْ يُوَافِقُهُ ؛ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ ، وَأَبْلَغَ فِي طُمَأْنِينَتِهِ . قَوْلُهُ : ( وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ ذَكْوَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ - إِلَى قَوْلِهِ - قَالَ عُرْوَةُ : فَقُلْتُ لِأَبِي حُمَيْدٍ : أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : مِنْ فِيهِ إِلَى أُذُنِي ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( عَنْ عُرْوَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَلَمْ يَذْكُرْ ( أَبَا حُمَيْدٍ ) وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي هُنَا عَنْ رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ ، وَوَقَعَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النُّسَخِ : ( عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ ) وَهَذَا وَاضِحٌ ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مُتَّصِلٌ أَيْضًا ; لِقَوْلِهِ : ( قَالَ عُرْوَةُ : فَقُلْتُ لِأَبِي حُمَيْدٍ : أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : مِنْ فِيهِ إِلَى أُذُنِي ) فَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ عُرْوَةَ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي حُمَيْدٍ ، فَاتَّصَلَ الْحَدِيثُ ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالطُّرُقِ الْكَثِيرَةِ السَّابِقَةِ . قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ بِسَوَادٍ كَثِيرٍ ) أَيْ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ ، وَأَشْخَاصٍ بَارِزَةٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ ، وَالسَّوَادُ يَقَعُ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب تَحْرِيمِ هَدَايَا الْعُمَّالِ · ص 534 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما جاء في هدايا الأمراء · ص 30 ( 6 ) باب ما جاء في هدايا الأمراء ( 1832 ) ( 26 و27 ) [1411] عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَسْدِ - يُقَالَ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ - عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا أهدي لِي ! قَالَ: فَقَامَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ: مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي ! أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى ِلْهِ أَمْ لَا ؟ ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ : بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ . ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ - مَرَّتَيْنِ . وفي رواية : اسْتَعْمَلَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْأُتْبِيَّةِ ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ ، قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ ! فَقَالَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ؟ ! ثُمَّ خَطَبَنَا فذكر نحوه . ( 6 ) ومن باب : ما جاء في هدايا الأمراء اللُّتبيَّة بضم اللام وفتح التاء هي الرواية المعروفة هنا ، قال القاضي أبو الفضل عياض : وصوابُه الأُتْبيَّة بسكون التاء باثنتين من فوقها . قال : و لُتْب بضم اللام وسكون التاء بطنٌ من العرب . قلت : وقد جاء في الرواية الأخرى الأُتْبِيَّة ، وكلاهما صحيح الرواية جائز . وهذا الحديث يدلّ دلالة صحيحة واضحة على أن هدايا الأمراء والقضاة وكل من ولي أمرًا من أمور المسلمين العامَّة لا تجوز ، وأن حكمها حكم الغلول في التغليظ والتحريم ؛ لأنها أكل المال بالباطل وَرُشًا - وهو قول مالك وغيره بتفصيل يعرف في الفقه . وقوله أفلا قعد في بيت أبيه وأمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا ؟ ؛ يعني أن الذي يستخرج الهدايا من الناس للأمير إنما هو رهبة منه أو رغبة فيما في يديه أو في يدي غيره ، ويستعين به عليه ، فهي رشوة . و العُفْرة بياض يضرب إلى الصفرة - قاله الأصمعي . ويفهم من تكرار اللهم هل بلغت ؟ ومن هذه الحالة تعظيم ذلك وتغليظه . وليس لأحدٍ أن يتمسك في استباحة هدايا الأمراء بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ، ولا بما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح لمعاذٍ الهدية حين وجَّههُ إلى اليمن . أما الجواب عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن وجهين ؛ أحدهما : أنه كان لا يقبل الهدية إلا ممن يعلم أنه طيب النفس بها ، ومع ذلك فكان يكافئ عليها بأضعافها غالبًا . والثاني : أنه صلى الله عليه وسلم معصوم عن الجور والميل الذي يُخاف منه على غيره بسبب الهدية . وأما عن حديث معاذ فلأنه لم يجئ في الصحيح ، ولو صحَّ لكان ذلك مخصوصًا بمعاذ لما عَلِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حاله وتحقُّقه من فضله ونزاهته ما لا يشاركه فيه غيره ، ولم يُبح ذلك لغيره بدليل هذه الأحاديث الصّحاح ، والله تعالى أعلم .