[ 46 ] 1844 - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ : أَخْبَرَنَا ، وَقَالَ زُهَيْرٌ : - حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ ، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ، فَأَتَيْتُهُمْ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا ، فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ ، إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّلَاةَ جَامِعَةً ، فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا ، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا ، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ : هَذِهِ مُهْلِكَتِي ، ثُمَّ تَنْكَشِفُ ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ : هَذِهِ هَذِهِ ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ، وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ ، فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ . فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ : أَنْشُدُكَ اللَّهَ ، أأنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ ، وَقَالَ : سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي . فَقُلْتُ لَهُ : هَذَا ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ ، وَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا ، وَاللَّهُ يَقُولُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا قَالَ : فَسَكَتَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ . وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالُوا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ . [ 47 ] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذِرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ الصَّائِدِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ جَمَاعَةً عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ . قَوْلُهُ : ( وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ ) هُوَ مِنَ الْمُنَاضَلَةِ ، وَهِيَ الْمُرَامَاةُ بِالنُّشَّابِ . قَوْلُهُ : ( وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالشِّينِ ، وَهِيَ الدَّوَابُّ الَّتِي تَرْعَى وَتَبِيتُ مَكَانَهَا . قَوْلُهُ : ( الصَّلَاةَ جَامِعَةً ) هُوَ بِنَصْبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْإِغْرَاءِ ، وَجَامِعَةً عَلَى الْحَالِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ رُوِيَتْ عَلَى أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جُمْهُورِ الرُّوَاةِ : ( يُرَقِّقُ ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ، وَبِقَافَيْنِ ، أَيْ : يَصِيرُ بَعْضُهَا رَقِيقًا ، أَيْ : خَفِيفًا لِعِظَمِ مَا بَعْدَهُ ، فَالثَّانِي يَجْعَلُ الْأَوَّلَ رَقِيقًا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَقِيلَ : يَدُورُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ ، وَيَذْهَبُ وَيَجِيءُ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ يَسُوقُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ بِتَحْسِينِهَا وَتَسْوِيلِهَا ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي : ( فَيَرْفُقُ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا فَاءٌ مَضْمُومَةٌ ، وَالثَّالِثُ : ( فَيَدْفِقُ ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَبِالْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ : يَدْفَعُ وَيَصُبُّ ، وَالدَّفْقُ : الصَّبُّ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ) هَذَا مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبَدِيعِ حِكَمِهِ ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ فَيَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهَا ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَلْزَمُ أن لا يَفْعَلَ مَعَ النَّاسِ إِلَّا مَا يُحِبُّ أَنْ يَفْعَلُوهُ مَعَهُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ ) مَعْنَاهُ : ادْفَعُوا الثَّانِيَ ؛ فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَلَى الْإِمَامِ ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَّا بِحَرْبٍ وَقِتَالٍ فَقَاتِلُوهُ ، فَإِنْ دَعَتِ الْمُقَاتَلَةُ إِلَى قَتْلِهِ جَازَ قَتْلُهُ وَلَا ضَمَانَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ مُتَعَدٍّ فِي قِتَالِهِ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ لَهُ : هَذَا ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ وَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَى آخِرِهِ ) الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْكَلَامِ : أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ لَمَّا سَمِعَ كَلَامَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروِ بْنِ الْعَاصِ ، وَذِكْرَ الْحَدِيثِ فِي تَحْرِيمِ مُنَازَعَةِ الْخَلِيفَةِ الْأَوَّلِ ، وَأَنَّ الثَّانِيَ يُقْتَلُ ، فَاعْتَقَدَ هَذَا الْقَائِلُ هَذَا الْوَصْفَ فِي مُعَاوِيَةَ لِمُنَازَعَتِهِ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَتْ قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَةُ عَلِيٍّ ، فَرَأَى هَذَا أَنَّ نَفَقَةَ مُعَاوِيَةَ عَلَى أَجْنَادِهِ وَأَتْبَاعِهِ فِي حَرْبِ عَلِيٍّ وَمُنَازَعَتِهِ وَمُقَاتَلَتِهِ إِيَّاهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ ، وَمِنْ قَتْلِ النَّفْسِ ؛ لِأَنَّهُ قِتَالٌ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ مَالًا فِي مُقَاتَلَتِهِ . قَوْلُهُ : ( أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ) هَذَا فِيهِ دَلِيلٌ لِوُجُوبِ طَاعَةِ الْمُتَوَلِّينَ لِلْإِمَامَةِ بِالْقَهْرِ مِنْ غَيْرِ إِجْمَاعٍ وَلَا عَهْدٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ الصَّائِدِيِّ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِالصَّادِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جَمِيعِ النُّسَخِ ، وَقَالَ : وَهُوَ غَلَطٌ ، وَصَوَابُهُ ( الْعَائِذِيِّ ) بِالْعَيْنِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، قَالَهُ ابْنُ الْحُبَابِ النَّسَّابَةُ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي . وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالسَّمْعَانِيُّ فِي الْأَنْسَابِ فَقَالَ : هُوَ ( الصَّائِدِيُّ ) وَلَمْ يَذْكُرَا غَيْرَ ذَلِكَ ، فَقَدِ اجْتَمَعَ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَالسَّمْعَانِيُّ عَلَى ( الصَّائِدِيِّ ) قَالَ السَّمْعَانِيُّ : هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى ( صَائِدٍ ) بَطْنٍ مِنْ هَمْدَانَ ، قَالَ : وَصَائِدٌ اسْمُ كَعْبِ بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ شَرَاحبيلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُشَمِ بْنِ حَاسِدِ بْنِ حشَيمِ بْنِ حَوَانَ بْنِ نَوْفِ بْنِ هَمْدَانَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ سَهْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَحْبَارِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ · ص 543 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الأمر بالوفاء ببيعة الأول ويضرب عنق الآخر · ص 50 ( 1844 ) ( 46 ) [1423] وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو قَالَ: كُنَّا مَعَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا ، فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ ، إِذْ نَادَى مُنَادِي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً ! فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا ، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا ، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُدفِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي ! ثُمَّ تَنْكَشِفُ ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ ! فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ، وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ . قال عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة : فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ : أَنْشُدُكَ اللَّهَ ، آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ وَقَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي ! فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ وَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا ، وَاللَّهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ، قَالَ: فَسَكَتَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ: أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ . وقوله " ومنا من ينتضل " ؛ أي : يرمي بالسهام تَدرُّبا ومداومةً - والمناضلةُ : المراماة بالسهام . وقوله " ومنَّا من هو في جشره " ، قال أبو عبيد : الجشر قوم يخرجون إلى المرعى بدوابهم . قال الأصمعي : وهم يبيتون فيه ، فربما رأوا أنه سفر تُقْصر فيه الصلاة وليس كذلك ، ولذلك قال في حديث عثمان : " لا يغرَّنكم جَشَرُكُم من صلاتكم " ؛ يعني : لا تَقْصُروا صلاتكم فيه . وقول منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم " الصلاة جامعة " خبرٌ بمعنى الأمر ؛ كأنَّه قال : اجتمعوا للصلاة . وكأنَّهُ كان وقت صلاة ، فلمَّا جاؤوا صلّوا معه ، وسكت الراوي عن ذلك ، وإلاَّ فمن الْمُحال أن يناديَ منادي الصَّادق بالصلاةِ ولا صلاةَ . وقوله صلى الله عليه وسلم " إنَّه لم يكن نبي إلاَّ كان حقًّا عليه أن يدلّ أُمَّته على خير ما يَعْلَمُه لهم " ؛ أي حقًّا واجبا ؛ لأن ذلك من طريق النصيحة والاجتهاد في التبليغ والبيان . وقوله " وإن أمتكم هذه جُعِلَ عافيتها في أولها ، وسيصيب آخرها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها " ، يعني بأوّل الأمة زمانَه وزمانَ الخلفاءِ الثلاثة إلى قتل عثمان ، فهذه الأزمنة كانت أزمنة اتفاق هذه الأمة واستقامة أمرها وعافية دينها ، فلما قتل عثمان ماجت الفتن كموج البحر ، وتتابعت كقطع الليل المظلم ، ثم لم تزل ولا تزال متواليةً إلى يوم القيامة . وعلى هذا فأول آخر هذه الأمة - الْمَعْنِيُّ في هذا الحديث - مقتل عثمان ، وهو آخر بالنسبة إلى ما قبله من زمان الاستقامة والعافية ، وقد دلّ على هذا قوله " وأمور تنكرونها " ، والخطاب لأصحابه - فدلّ على أن منهم من يدرك أول ما سَمَّاه آخرًا ، وكذلك كان . وقوله " وتجيء الفتنةُ فَيَدْفِقُ بعضها بعضًا " ، الرواية " يدفق " بالتخفيف وفتح الياء ، هذه رواية الطبري عن الفارسي ، ومعنى " فيدفق " يدفع ، والدَّفْقُ الدَّفْعُ . ومنه الماء الدَّافِق . ويعني : أنها كموج البحر الذي يدفق بعضه بعضًا ، وشُبِّه المؤمنُ في هذه الفتن بالعائِم الغريق بين الأمواج ، فإذا أقبلت عليه موجة قال : هذه مهلكتي ! ثم تروح عنه تلك ، فتأتيه أخرى فيقول : هذه هذه ! إلى أن يغرق بالكلّية ، وهذا تشبيه واقع . ورواه أكثر الرُّواة " فيُرَقِّقُ " بالراء المفتوحة والقاف الأولى المكسورة ؛ أي : يُسَيبُ بعضها بعضًا ويشيرُ إليه ، كما قالوا في المثل : عن صَبُوحٍ تًرَقِّقُ ؟ و " يُزَحْزَح عن النار " : يُنَحَّى عنها ويُؤخّر منها . وقوله " وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه " ؛ أي : يجيء إلى الناس بحقوقهم من النصح والنيّة الحسنة بمثل الذي يحبُّ أن يُجَاءَ إليه به ، وهذا مِثْلُ قوله صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ، والنَّاسُ هنا الأئمة والأمراء ، فيجب عليه لهم من السمع والطاعة والنُّصرة والنَّصيحة مثل ما لو كان هو الأمير لكان يحب أن يُجاءَ له به . وقوله " ومن بايع إمامًا فأعطاه صَفْقَةَ يده وثمرةَ فؤاده " يدلّ على أن البيعة لا يكتفى فيها بمجرّد عقد اللسان فقط ، بل لا بد من الضرب باليد ، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ولكن ذلك للرجال فقط على ما يأتي ، ولا بُدَّ من التزام البيعة بالقلب وترك الغش والخديعة فإنها من أعظم العبادات ، فلا بُدَّ فيها من النية والنصيحة . و " الصفقة " أصلها الضرب بالكفِّ على الكفِّ أو بأصبعين على الكفّ ، وهو التصفيق ، وقد تقدَّم في كتاب الصلاة . واستحلاف عبد الرحمن زيادةٌ في الاستيثاق لا أنه كذَّبَهُ ولا اتّهمه ، وما ذكره عبد الرحمن عن معاوية إغْيَاءٌ في الكلام على حسب ظنه وتأويله ، وإلاَّ فمعاوية ـ رضي الله عنه ـ لم يُعْرفْ مِنْ حاله ولا من سيرته شيء مما قاله له ، وإنما هذا كما قالت طائفة من الأعراب : إنَّ ناسًا من الْمُصَّدِّقين يظلموننا - فسمّوا أخذ الصدقة ظُلْمًا حسب ما وقع لهم . وقول ابن عمرو " أطعه في طاعة الله ، واعصه في معصية الله " ، هذا كما قاله صلى الله عليه وسلم : " فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .