باب الأمر بالوفاء ببيعة الأول ويضرب عنق الآخر
( 1844 ) ( 46 ) [1423] وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو قَالَ: كُنَّا مَعَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا ، فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ ، إِذْ نَادَى مُنَادِي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً ! فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا ، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا ، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُدفِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي ! ثُمَّ تَنْكَشِفُ ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ ! فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ، وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ . قال عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة : فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ : أَنْشُدُكَ اللَّهَ ، آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ وَقَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي ! فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ وَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا ، وَاللَّهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ، قَالَ: فَسَكَتَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ: أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ . وقوله " ومنا من ينتضل " ؛ أي : يرمي بالسهام تَدرُّبا ومداومةً - والمناضلةُ : المراماة بالسهام .
وقوله " ومنَّا من هو في جشره " ، قال أبو عبيد : الجشر قوم يخرجون إلى المرعى بدوابهم . قال الأصمعي : وهم يبيتون فيه ، فربما رأوا أنه سفر تُقْصر فيه الصلاة وليس كذلك ، ولذلك قال في حديث عثمان : " لا يغرَّنكم جَشَرُكُم من صلاتكم " ؛ يعني : لا تَقْصُروا صلاتكم فيه . وقول منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم " الصلاة جامعة " خبرٌ بمعنى الأمر ؛ كأنَّه قال : ج٤ / ص٥١اجتمعوا للصلاة .
وكأنَّهُ كان وقت صلاة ، فلمَّا جاؤوا صلّوا معه ، وسكت الراوي عن ذلك ، وإلاَّ فمن الْمُحال أن يناديَ منادي الصَّادق بالصلاةِ ولا صلاةَ . وقوله صلى الله عليه وسلم " إنَّه لم يكن نبي إلاَّ كان حقًّا عليه أن يدلّ أُمَّته على خير ما يَعْلَمُه لهم " ؛ أي حقًّا واجبا ؛ لأن ذلك من طريق النصيحة والاجتهاد في التبليغ والبيان . وقوله " وإن أمتكم هذه جُعِلَ عافيتها في أولها ، وسيصيب آخرها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها " ، يعني بأوّل الأمة زمانَه وزمانَ الخلفاءِ الثلاثة إلى قتل عثمان ، فهذه الأزمنة كانت أزمنة اتفاق هذه الأمة واستقامة أمرها وعافية دينها ، فلما قتل عثمان ماجت الفتن كموج البحر ، وتتابعت كقطع الليل المظلم ، ثم لم تزل ولا تزال متواليةً إلى يوم القيامة .
وعلى هذا فأول آخر هذه الأمة - الْمَعْنِيُّ في هذا الحديث - مقتل عثمان ، وهو آخر بالنسبة إلى ما قبله من زمان الاستقامة والعافية ، وقد دلّ على هذا قوله " وأمور تنكرونها " ، والخطاب لأصحابه - فدلّ على أن منهم من يدرك أول ما سَمَّاه آخرًا ، وكذلك كان . وقوله " وتجيء الفتنةُ فَيَدْفِقُ بعضها بعضًا " ، الرواية " يدفق " بالتخفيف وفتح الياء ، هذه رواية الطبري عن الفارسي ، ومعنى " فيدفق " يدفع ، والدَّفْقُ الدَّفْعُ . ج٤ / ص٥٢ومنه الماء الدَّافِق .
ويعني : أنها كموج البحر الذي يدفق بعضه بعضًا ، وشُبِّه المؤمنُ في هذه الفتن بالعائِم الغريق بين الأمواج ، فإذا أقبلت عليه موجة قال : هذه مهلكتي ! ثم تروح عنه تلك ، فتأتيه أخرى فيقول : هذه هذه ! إلى أن يغرق بالكلّية ، وهذا تشبيه واقع . ورواه أكثر الرُّواة " فيُرَقِّقُ " بالراء المفتوحة والقاف الأولى المكسورة ؛ أي : يُسَيبُ بعضها بعضًا ويشيرُ إليه ، كما قالوا في المثل : عن صَبُوحٍ تًرَقِّقُ ؟ و " يُزَحْزَح عن النار " : يُنَحَّى عنها ويُؤخّر منها . وقوله " وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه " ؛ أي : يجيء إلى الناس بحقوقهم من النصح والنيّة الحسنة بمثل الذي يحبُّ أن يُجَاءَ إليه به ، وهذا مِثْلُ قوله صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ، والنَّاسُ هنا الأئمة والأمراء ، فيجب عليه لهم من السمع والطاعة والنُّصرة والنَّصيحة مثل ما لو كان هو الأمير لكان يحب أن يُجاءَ له به .
وقوله " ومن بايع إمامًا فأعطاه صَفْقَةَ يده وثمرةَ فؤاده " يدلّ على أن البيعة لا يكتفى فيها بمجرّد عقد اللسان فقط ، بل لا بد من الضرب باليد ، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ولكن ج٤ / ص٥٣ذلك للرجال فقط على ما يأتي ، ولا بُدَّ من التزام البيعة بالقلب وترك الغش والخديعة فإنها من أعظم العبادات ، فلا بُدَّ فيها من النية والنصيحة . و " الصفقة " أصلها الضرب بالكفِّ على الكفِّ أو بأصبعين على الكفّ ، وهو التصفيق ، وقد تقدَّم في كتاب الصلاة . واستحلاف عبد الرحمن زيادةٌ في الاستيثاق لا أنه كذَّبَهُ ولا اتّهمه ، وما ذكره عبد الرحمن عن معاوية إغْيَاءٌ في الكلام على حسب ظنه وتأويله ، وإلاَّ فمعاوية ـ رضي الله عنه ـ لم يُعْرفْ مِنْ حاله ولا من سيرته شيء مما قاله له ، وإنما هذا كما قالت طائفة من الأعراب : إنَّ ناسًا من الْمُصَّدِّقين يظلموننا - فسمّوا أخذ الصدقة ظُلْمًا حسب ما وقع لهم .
وقول ابن عمرو " أطعه في طاعة الله ، واعصه في معصية الله " ، هذا كما قاله صلى الله عليه وسلم : " فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .