باب الأمر بالوفاء ببيعة الأول ويضرب عنق الآخر
) باب الأمر بالوفاء ببيعة الأول ويضرب عنق الآخر ( 1842 ) [1422] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ ؛ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي ، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فتَكْثُرُ . قَالَوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ ، وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ . ( 10 ) ومن باب : الوفاء ببيعة الأول وضرب عنق الآخر قوله كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء عليهم السلام ، كلما هلك نبي خَلَفَهُ نبي ، إسرائيل هو يعقوب عليه السلام ، وبنوه أولاده وهم الأسباط ، وهم كالقبائل في أولاد إسماعيل ، قال ابن عباس : إسرا هو عبد ، و إيل هو الله تعالى ، فمعناه : عبد الله - وفيه لغات ، وقيل : هو عِبْرِيٌّ ، اسم واحد بمعنى يعقوب .
ويعني بهذا الكلام أنّ بني إسرائيل كانوا إذا ظهر فيهم فساد أو تحريفٌ في أحكام التوراة بعد موسى بعث الله تعالى لهم نبيا يقيم لهم أمرهم ويصلح لهم حالهم ، ويزيل ما غُيّرَ وبُدِّلَ من التوراة وأحكامها ، فلم يزل أمرهم كذلك إلى أن قتلوا يحيى وزكريا عليهما السلام ، فقطع الله تعالى ملكهم وَبَدَّدَ شملهم ببختنصَّر وغيره ، ثم جاءهم عيسى ثم محمد صلى الله عليهما وسلم فكذبوهما ، فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ؛ وهو في الدنيا ضَرْبُ الجزية ولزوم الصَّغار والذلة ، وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ . ولما كان نبينا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء بعثًا ، وكتابه لا يقبل التغيير أسلوبًا ونظمًا ، وقد تَوَلَّى الله تعالى كلامه صيانةً وحفظًا ، وجعل علماء أمته قائمين ببيان مشكله وحفظ حروفه وإقامة أحكامه وحدوده ، كما قال صلى الله عليه وسلم : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ؛ ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ، ولَمّا كان أمر هذه الأمة كذلك اكتفى بعلمائها عمَّا كان من توالي الأنبياء هنالك . وقوله وإنه لا نبي بعدي ، هذا النفي عامٌ في الأنبياء والرُّسل ؛ لأن الرَّسول نبي وزيادة ، وقد جاء نصًّا في كتاب الترمذي قوله لا نبي بعدي ولا رسول ، وقد قال الله تعالى : وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ومن أسمائه في الكتب القديمة وفيما أطلقته هذه الأمة : خاتم الأنبياء .
ومما سمى به نفسه : العاقب ، والمقفي ؛ فالعاقب : الذي يَعْقُبُ الأنبياءَ ، والْمُقَفَّي : الذي يقفوهم ؛ أي : يكون بعدهم . وعلى الجملة : هو أمرٌ مجمع عليه معلوم من دين هذه الأمة ، فمن ادَّعى أنَّ بَعْدَهُ نبي أو رسول فإن كان مُسِرًّا لذلك واطّلع عليه بالشهادة المعتبرة قُتل قِتْلة زنديق ، فإن صرَّح بذلك فهو مرتد يُستتاب ، فإن تاب وإلا قُتِل قِتْلة مُرتدٍّ فيسبى ماله . وقوله وستكون خلفاء فتكثر ، هذا منه صلى الله عليه وسلم إخبار عن غيب وقع على نحو ما أخبر به ووُجد كذلك في غير ما وقت ؛ فمن ذلك مبايعة الناس لابن الزبير بمكة ولمروان بالشام ولبني العباس بالعراق ولبني مروان بالأندلس ولبني عبيد بمصر ، ثم لبني عبد المؤمن بالمغرب .
وقوله فُوا ببيعة الأوّل فالأوّل دليل على وجوب الوفاء ببيعة الأول ، وسكت في هذا الحديث عمَّا يحكم به على الآخر ، وقد نصَّ عليه في الحديث الآتي حيث قال : فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر ، وفي رواية فاضربوه بالسيف كائنًا من كان ، وهذا الحكم مجمعٌ عليه عند تقارب الأقطار وإمكان استقلال واحد بأمور المسلمين وضبطها ، فأمَّا لو تباعدت الأقطار وخيف ضَيْعَةُ البعيد من المسلمين ولم يتمكن الواحد من ضبط أمور من بَعُدَ عنه فقد ذكر بعضُ الأصوليين أنهم يُقيمون لأنفسهم واليًا يدبرهم ويستقل بأمورهم ، وقد ذكر أنَّ ذلك مذهب الشافعي في الأم . قلت : ويمكن أن يقال إنهم يقيمون من يدبّر أمورهم على جهة النيابة عن الإمام الأعظم ، لا أنّهم يخلعون الإمام المتقدم حكمًا ويُوَلُّونَ هذا بنفسه مستقلاً ، هذا ما لا يوجد نصًّا عن أحدٍ ممن يُعتبر قوله . والذي يمكن أن يُفعل مثل هذا إذا تعذر الوصول إلى الإمام الأعظم أن يُقيموا لأنفسهم من يدبّرهم ممن يعترفُ للإمام بالسَّمع والطَّاعة ، فمتى أمكنهم الوصول إلى الإمام فالأمر له في إبقاء ذلك أو عَزْلِه .
ثم للإمام أن يفوض لأهل الأقاليم البعيدة التفويض العام ، ويجعل للوالي عليهم الاستقلال بالأمور كلِّها لتعذر المراجعة عليهم ، كما قد اتفق لأهل الأندلس وأقصى بلاد العجم . فأمَّا لو عُقِدتْ البيعةُ لإمامين معًا في وقتٍ واحدٍ في بلدين متقاربين فالإمامة لأرجحهما ، وهل قرابة أحدهما من الإمام المتوفى موجبة للرجحان أم لا ؟ اختلفوا فيه ؛ فمنهم من قال : يُقَدّم الأقعد فالأقعد به كولاية النكاح . ومنهم من لم يعتبر ذلك وفرَّق بين الولايتين ، والفرق واضحٌ ، فأمَّا لو تساويا من كل وجه فَيُقْرعُ بينهما .
والفرض في اثنين كل واحد منهما كامل أهلية الولاية باجتماع الشروط المعتبرة المنصوص عليها في كتب أئمتنا المتكلمين . وقوله أعطوهم حقهم يعني به السَّمع والطاعة والذَّبَّ عِرضًا ونفسًا والاحترام ، والنُّصرة له على مَنْ بغى عليه .