[121] ( 1887 ) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، ح ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعًا ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، ح ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَا : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ قَالَ : أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ ، تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلَاعَةً فَقَالَ : هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي ، وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا ، قَالُوا : يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى ، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا . ( 33 ) بَاب في بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَذَكَرَ إِسْنَادَهَ إِلَى مَسْرُوقٍ - قَالَ : سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ قالَ : أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ ) قَالَ الْمَازِرِيُّ : كَذَا جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَنْسُبُهُ فَيَقُولُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ فِي مُسْنَدِ ابْنِ مَسْعُودٍ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ) قُلْتُ : وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ بِلَادِنَا الْمُعْتَمَدَةِ ، وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ مَنْسُوبًا فِي مُعْظَمِهَا ، وَذَكَرَهُ خَلَفٌ الْوَاسِطِيُّ وَالْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي مُسْنَدِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ الصَّوَابُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعٌ لِقَوْلِهِ : إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشُّهَدَاءِ : ( أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ ) فِيهِ : بَيَانٌ أَنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ مَوْجُودَةٌ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَهِيَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا آدَمُ ، وَهِيَ الَّتِي يُنَعَّمُ فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي الْآخِرَةِ . هَذَا إِجْمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَة أَيْضًا وَغَيْرُهُمْ : إِنَّهَا لَيْسَتْ مَوْجُودَةً ، وَإِنَّمَا تُوجَدُ بَعْدَ الْبَعْثِ فِي الْقِيَامَةِ ، قَالُوا : وَالْجَنَّةُ الَّتِي أُخْرِجَ مِنْهَا آدَمُ غَيْرُهَا ، وَظَوَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ تَدُلُّ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ . وَفِيهِ إِثْبَاتُ مُجَازَاةِ الْأَمْوَاتِ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ قَبْلَ الْقِيَامَةِ . قَالَ الْقَاضِي : وَفِيهِ أَنَّ الْأَرْوَاحَ بَاقِيَةٌ لَا تَفْنَى ، فَيُنَعَّمُ الْمُحْسِنُ وَيُعَذَّبُ الْمُسِيءُ ، وَقَدْ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالْآثَارُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِطَائِفَةٍ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ قَالَتْ : تَفْنَى ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ هُنَا : ( أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ ) ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : ( إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ ) ، وَالنَّسَمَةُ تُطْلَقُ عَلَى ذَاتِ الْإِنْسَانِ جِسْمًا وَرُوحًا ، وَتُطْلَقُ عَلَى الرُّوحِ مُفْرَدَةً ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِهَا في هذا التَّفْسِيرِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بِالرُّوحِ ، وَلِعِلْمِنَا بِأَنَّ الْجِسْمَ يَفْنَى وَيَأْكُلُهُ التُّرَابُ ، وَلِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : ( حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) قَالَ الْقَاضِي : وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : ( نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ ) وَقَالَ هُنَا : ( الشُّهَدَاءُ ) لِأَنَّ هَذِهِ صِفَتُهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وَكَمَا فَسَّرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَإِنَّمَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَكَمَا قَالَ فِي آلِ فِرْعَوْنَ : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : بَلِ الْمُرَادُ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَذَابٍ ، فَيَدْخُلُونَهَا الْآنَ ، بِدَلِيلِ عُمُومِ الْحَدِيثِ ، وَقِيلَ : بَلْ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَفْنِيَةِ قُبُورِهِمْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ( فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ ) وَفِي غَيْرِ مُسْلِمٍ ( بِطَيْرٍ خُضْرٍ ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : ( بِحَوَاصِلِ طَيْرٍ ) وَفِي الْمُوَطَّأِ : ( إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ : ( فِي صُورَةِ طَيْرٍ أَبْيَضَ ) قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى هَذَا : الْأَشْبَهُ صِحَّةُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : طَيْرٌ ، أَوْ صُورَةُ طَيْرٍ ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ : ( تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ ) . قَالَ الْقَاضِي : وَاسْتَبْعَدَ بَعْضُهُمْ هَذَا ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ آخَرُونَ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنْكَرُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، بَلْ رِوَايَةُ طَيْرٍ ، أَوْ جَوْفِ طَيْرٍ ، أَصَحُّ مَعْنًى ، وَلَيْسَ لِلْأَقْيِسَةِ وَالْعُقُولِ فِي هَذَا حُكْمٌ ، وَكُلُّهُ مِنَ الْمُجَوَّزَاتِ ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الرُّوحَ إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الْمُؤْمِنِ أَوِ الشَّهِيدِ فِي قَنَادِيلَ ، أَوْ أَجْوَافِ طَيْرٍ ، أَوْ حَيْثُ يَشَاءُ كَانَ ذَلِكَ وَوَقَعَ ، وَلَمْ يَبْعُدْ ، لَا سِيَّمَا مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَرْوَاحَ أَجْسَامٌ . قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : إِنَّ هَذَا الْمُنَعَّمَ أَوِ الْمُعَذَّبَ مِنَ الْأَرْوَاحِ جُزْءٌ مِنَ الْجَسَدِ تَبْقَى فِيهِ الرُّوحُ ، وَهُوَ الَّذِي يَتَأَلَّمُ وَيُعَذَّبُ وَيَلْتَذُّ وَيُنَعَّمُ ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ : رَبِّ ارْجِعُونِ وَهُوَ الَّذِي يَسْرَحُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ ، فَغَيْرُ مُسْتَحِيلٍ أَنْ يُصَوَّرَ هَذَا الْجُزْءُ طَائِرًا ، أَوْ يُجْعَلَ فِي جَوْفِ طَائِرٍ ، وَفِي قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُرِيدُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الرُّوحِ : مَا هِيَ ؟ اخْتِلَافًا لَا يَكَادُ يُحْصَرُ ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ الْمَعَانِي وَعِلْمِ الْبَاطِنِ الْمُتَكَلِّمِينَ : لَا تُعْرَفُ حَقِيقَتُهُ ، وَلَا يَصِحُّ وَصْفُهُ ، وَهُوَ مِمَّا جَهِلَ الْعِبَادُ عِلْمَهُ ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَغَلَتِ الْفَلَاسِفَةُ فَقَالَتْ بِعَدَمِ الرُّوحِ ، وَقَالَ جُمْهُورُ الْأَطِبَّاءِ : هُوَ الْبُخَارُ اللَّطِيفُ السَّارِي فِي الْبَدَنِ ، وَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ شُيُوخِنَا : هُوَ الْحَيَاةُ ، وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ مُشَابِكَةٌ لِلْجِسْمِ يَحْيَى لِحَيَاتِهِ ، أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى الْعَادَةَ بِمَوْتِ الْجِسْمِ عِنْدَ فِرَاقِهِ . وَقِيلَ : هُوَ بَعْضُ الْجِسْمِ ، وَلِهَذَا وُصِفَ بِالْخُرُوجِ وَالْقَبْضِ وَبُلُوغِ الْحُلْقُومِ ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْأَجْسَامِ لَا الْمَعَانِي . وَقَالَ بَعْضُ مُقَدَّمِي أَئِمَّتِنَا : هُوَ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُتَصَوَّرٌ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ دَاخِلَ الْجِسْمِ . وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَغَيْرُهُمْ : إِنَّهُ النَّفَسُ الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الدَّمُ ، هَذَا مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا : أَنَّ الرُّوحَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ مُتَخَلِّلَةٌ فِي الْبَدَنِ ، فَإِذَا فَارَقَتْهُ مَاتَ . قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفُوا فِي النَّفْسِ وَالرُّوحِ فَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى ، وَهُمَا لَفْظَانِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ . وَقِيلَ : إِنَّ النَّفْسَ هِيَ النَّفَسُ الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ ، وَقِيلَ : هِيَ الدَّمُ ، وَقِيلَ : هِيَ الْحَيَاةُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ تَعَلَّقَ بِحَدِيثِنَا هَذَا وَشِبْهِهِ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ الْقَائِلِينَ بِالتَّنَاسُخِ وَانْتِقَالِ الْأَرْوَاحِ وَتَنْعِيمِهَا فِي الصُّوَرِ الْحِسَانِ الْمُرَفَّهَةِ ، وَتَعْذِيبِهَا فِي الصُّوَرِ الْقَبِيحَةِ الْمُسَخَّرَةِ ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا هُوَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ ، وَهَذَا ضَلَالٌ بَيِّنٌ ، وَإِبْطَالٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرَائِعُ مِنَ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ : ( حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ ) يَعْنِي : يَوْمَ يَجِيءُ بِجَمِيعِ الْخَلْقِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى : هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا . . . ) إِلَخْ ، هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي إِكْرَامِهِمْ وَتَنْعِيمِهِمْ ؛ إِذْ قَدْ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مَا لَا يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، ثُمَّ رَغَّبَهُمْ فِي سُؤَالِ الزِّيَادَةِ ، فَلَمْ يَجِدُوا مَزِيدًا عَلَى مَا أَعْطَاهُمْ ، فَسَأَلُوهُ - حِينَ رَأَوْه أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سُؤَالٍ - أَنْ يُرْجِعَ أَرْوَاحَهُمْ إِلَى أَجْسَادِهِمْ لِيُجَاهِدُوا ، ويَبْذُلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَسْتَلِذُّوا بِالْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب في بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ · ص 28 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب فضل القتل في سبيل الله تعالى · ص 715 1887 [1351] وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فقَالَ: أَمَا إِنَّا سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إن أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ في الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ عز وجل اطِّلَاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالَوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي؟ وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟! فَفَعَلَ بِهِمْ ذلك ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالَوا: يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا، حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا . 1899 [1352] وعَنْ جَابِرٍ قال : قَالَ رَجُلٌ يوم أحد: أَيْنَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ قُتِلْتُ؟ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ. فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ . 1900 [1353] وعَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّبِيتِ -قَبِيلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ- فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: عَمِلَ هَذَا يَسِيرًا وَأُجِرَ كَثِيرًا . وقول مسروق : ( سألنا عبد الله عن هذه الآية ) ؛ هو عبد الله بن مسعود ، وهكذا في رواية أبي بحر : ( سألنا عبد الله بن مسعود ) ، ومن قال فيه : عبد الله بن عمرو فقد أخطأ . وقول عبد الله : ( أما إنا سألنا عن ذلك فقال ) ؛ كذا صحَّت الرواية ، ولم يذكر فيها ( رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ) ، وهو المراد منها قطعًا . ألا ترى قوله : ( فقال ) ؛ وأسند الفعل إلى ضميره ، وإنما سكت عنه للعلم به ، فهو مرفوع ، وليس هذا المعنى الذي في هذا الحديث مما يتوصل إليه بعقل ولا قياس ، وإنما يُتوصل إليه بالوحي ، فلا يُقال : هو موقوف على عبد الله بن مسعود . وقد تضمَّن هذا الحديث تفسير قوله تعالى : بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وأن معنى حياة الشهداء : أن لأرواحهم من خصوص الكرامة ما ليس لغيرهم ، بأن جعلت في جوف طير ، كما في هذا الحديث ، أو في حواصل طير خضر ، كما في الحديث الآخر ، صيانة لتلك الأرواح ، ومبالغة في إكرامها ، لإطلاعها على ما في الجنة من المحاسن والنعم ، كما يطلع الراكب المظلل عليه بالهودج الشفاف ؛ الذي لا يحجب عما وراءه . ثم يدركون في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة ، وطيبها ، ونعيمها ، وسرورها ما يليق بالأرواح مما ترتزق وتنتعش به . وأما اللذات الجسمانية فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعدَّ الله تعالى لها ، ثم إن أرواحهم بعد سرحها في الجنة ترجع تلك الطير بهم إلى مواضع مكرَّمة مشرَّفة منوَّرة عبّر عنها بالقناديل ؛ لكثرة أنوارها ، وشدّتها . والله تعالى أعلم . وهذه الكرامات كلها مخصوصة بالشهداء كما دلت عليه الآية وهذا الحديث ، وأما حديث مالك الذي قال فيه : ( إنما نسمة المؤمن طائر يعلّق في ثمر الجنة ) ؛ فالمراد بالمؤمن هنا : الشهيد . والحديثان واحد في المعنى ، وهو من باب حمل المطلق على المقيد . وقد دل على صحة هذا قوله في الحديث الآخر : ( إذا مات الإنسان عرض عليه مقعده بالغداة والعشي من الجنة والنار ، فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ) ؛ فالمؤمن غير الشهيد هو الذي يُعرض عليه مقعده من الجنة وهو في موضعه من القبر أو الصور ، أو حيث شاء الله تعالى غير سارح في الجنة ، ولا داخل فيها ؛ وإنما يدرك منزلته فيها بخلاف الشهيد ؛ فإنه يباشر ذلك ويشاهده وهو فيها ، على ما تقدَّم ، وكذلك أرواح الكفار تشاهد ما أعد الله لها من العذاب عند عرض ذلك عليها ، كما قال تعالى في آل فرعون : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ وعند هذا العرض تدرك روح الكافر من الألم ، والتخويف ، والحزن ، والعذاب بالانتظار ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . فنسأل الله العافية . كما أنه يحصل للمؤمن عند عرض الجنة من الفرح ، والسرور ، والتنعم بانتظار المحبوب ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . فإذا أعيدت الأرواح إلى الأجساد استكمل كل فريق منهم ما أعد الله له . وبهذا الذي ذكرناه تلتئم الأحاديث ، وتتفق . والله الموفق . وقد حصل من مجموع الكتاب والسنة . أن الأرواح باقية بعد الموت ، وأنها متنعمة ، أو معذبة إلى يوم القيامة. وقد اختلف الناس في الأرواح قديمًا وحديثًا ما هي ؟ وعلى أي حال هي ؟ اختلافًا كثيرًا ، واضطربوا فيها اضطرابًا شديدًا ؛ الواقــف عليه يتحقق أن الكل منهم على غير بصيرة منها ؛ وإنما هي أقوال صادرة عن ظنون متقاربة ، ولا يشك في أنه مما انفرد الله تعالى بعلم حقيقته . وعلى هذا المعنى حمل أكثر المفسرين قوله تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا فليقطع العاقل طمعه من علم حقيقته ، ولينظر هل ورد في الأقوال الصادقة ما يدل على شيء من صفته؟ وعند تصفح ذلك ، واستقراء ما هنالك يحصل للباحث : أن الروح أمر ينفخ في الجسد ، ويقبض منه ، ويتوفى بالنوم والموت ، ويؤمن ، ويكفر ، ويعلم ، ويجهل ، ويفرح ، ويحزن ، ويتنعم ، ويتألم ، ويخرج ، ويدخل ، والإنسان يجد من ذاته بضرورته قابلاً للعلوم وأضدادها ، وللفكر وأضدادها ، ولغير ذلك من المعاني ، فيحصل من مجموع تلك الأمور على القطع : أن الروح ليس من قبيل الأعراض لاستحالة كل ما ذكر عليها ، فيلزم أن يكون الروح من قبيل ما يقوم بنفسه ، وأنه قابل للأعراض . وهل هو متحيز أو ليس بمتحيز ؟ ذهبت طوائف من الأوائل ، ومن نحا نحوهم من الإسلاميين ، إلى أنه قائم بنفسه غير متحيز . وذهب أكثر أهل الإسلام إلى أن ذلك من أوصاف الحق سبحانه وتعالى الخاصة به ، وأنه لا تصح مشاركته في ذلك لأدلة تذكر في علم الكلام ، وأن الروح قائم بنفسه متحيز ، فهو من قبيل الجواهر . ثم اختلف ، هل هو يقبل الانقسام فيكون جسمًا أو لا يقبله فيكون جوهرًا فردًا ؟ فذهبت طائفة من جلّة علماء أهل السنة إلى أنه جسم لطيف مشابك لجميع أجزاء البدن ، أجرى الله العادة ببقائه في الجسم ما دام حيًّا ، فإذا أراد الله تعالى إماتة الحيوان نزعه منه ، وأزال اتصاله بالحياة ، وأعقبها بالموت. وأطبق معظم المتكلمين من أهل السنة على أنه جزء فرد من أجزاء القلب ، أو غيره مما يكون في الإنسان ، أجرى الله العادة بحياة ذلك الجسم ما دام ذلك الجزء متصلاً به . والله تعالى أعلم ، وأحكم ، والتسليم أولى وأسلم . والذي اتفق أهل التحقيق عليه : أنه محدث مخترع ؛ لأنه متغير ، وكل متغير محدث على ما يُعرف في موضعه ، ولا يلتفت لقول من قال : إن الروح قديم ؛ إذ لا قديم إلا الله تعالى ، على ما يُعرف في موضعه ، ولا يلتفت أيضًا لقول التناسخية القائلين بأن الأرواح تنتقل إلى أجساد أخر ، فأهل السعادة ينقلون إلى أجساد حسنة مشرقة مرفهة ، فتتنعم بها ، كما جاء في هذه الأحاديث ، وأهل الشقاء تنقل أرواحهم إلى أجسام خسيسة قبيحة ، فتعذب فيها ، حتى إذا استوفت أمد عقابها رجعت إلى أحسن بنية ، وهكذا أبدًا . وهذا معنى الإعادة والثواب والعقاب عندهم . وهو قول مناقض لما جاءت به الشريعة ، ولما أجمعت الأمة عليه ، ومعتقده يكفر قطعًا ، فإنه أنكر ما علم قطعًا من إخبار الله تعالى ، وإخبار نبيه -صلى الله عليه وسلم- عن أمور الآخرة ، وعن تفاصيل أحوالها ، وأن الأمر ليس على شيء مما قالوه . فالتناسخ والقول به باطل ، محال عقلاً ، على ما يُعرف في علم الكلام . وقوله : ( فاطلع إليهم ربهم اطلاعة ) ؛ أي : تجلى لهم برفع حجبهم ، وكلمهم مشافهة بغير واسطة ، مبالغة في الإكرام ، وتتميمًا للإنعام . وقولهم : ( نريدُ أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادنا ) ؛ دليل على أن مُجرَّد الأرواح هي المتكلِّمة ، ويدلُ على: أن الروحَ ليس بِعَرَض خلافًا لمن ذهب إلى ذلك . وفيه ردٌّ على التناسخية ، وأن أجوافَ الطير ليست أجسادًا لها ، وإنما هي مُودعة فيها على سبيل الحفظ والصيانة والإكرام ، على ما قدََّمناه . وهذا كلُه يدلُّ على أن لمنزلة الشهادة من خصوص الإكرام ما ليس لغيرها من أعمال البِرّ ، كما قال في الحديث الآخر : ( ليس أحد له عند الله خير يتمنى أن يرجعَ إلى الدنيا إلا الشهيد ؛ لما يرى من فضل الشهادة ).