[122] ( 1888 ) - حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ . قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللَّهَ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ . ( 34 ) بَاب فَضْلِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ قَوْلُهُ : ( أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ ) قَالَ الْقَاضِي : هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ ، وَتَقْدِيرُهُ : هَذَا مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ ، وَإِلَّا فَالْعُلَمَاءُ أَفْضَلُ ، وَكَذَا الصِّدِّيقُونَ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ ) فِيهِ : دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ الْعُزْلَةِ عَلَى الِاخْتِلَاطِ ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَشْهُورٌ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الِاخْتِلَاطَ أَفْضَلُ ، بِشَرْطِ رَجَاءِ السَّلَامَةِ مِنَ الْفِتَنِ ، وَمَذْهَبُ طَوَائِفَ أَنَّ الِاعْتِزَالَ أَفْضَلَ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاعْتِزَالِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ ، أَوْ هُوَ فِيمَنْ لَا يَسْلَمُ النَّاسُ مِنْهُ ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَيْهِمْ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْخُصُوصِ ، وَقَدْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَجَمَاهِيرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ مُخْتَلِطِينَ ، فَيُحَصِّلُونَ مَنَافِعَ الِاخْتِلَاطِ كَشُهُودِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْجَنَائِزِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَحِلَقِ الذِّكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَأَمَّا ( الشِّعْبُ ) : فَهُوَ مَا انْفَرَجَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْسَ الشِّعْبِ خُصُوصًا ؛ بَلِ الْمُرَادُ الِانْفِرَادُ وَالِاعْتِزَالُ ، وَذَكَرَ الشِّعْبَ مِثَالًا لِأَنَّهُ خَالٍ عَنِ النَّاسِ غَالِبًا . وَهَذَا الْحَدِيثُ نَحْوُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ حِينَ سُئِلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّجَاةِ فَقَالَ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب فَضْلِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ · ص 31 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في قوله تعالى أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ · ص 721 1888 - 122 [1355] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ، يَعْبُدُ اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ . وقوله : ( أي الناس أفضل ؟ ) أي : أيّ الناس المجاهدين؟ بدليل أنه أجابه بقوله : ( رجل مجاهِد بنفسه وماله ). ثم ذكر بعده مَن جاهد نفسه بالعُزْلة عن الناس ؛ إذ كل واحد من الرَّجُلَين مجاهد . فالأول للعدوِّ الخارجيِّ ، والآخر للداخليِّ ؛ الذي هو : النفس والشيطان ، فجاهدهما بقطع المألوفات ، والمستحسنات من الأهل ، والقرابات ، والأصدقاء ، والأوطان ، والشهوات المعتادات . وكل ذلك فرارا بدينه ، وخوفًا عليه. وهذا هو الجهادُ الأكبر ؛ الذي من وصل إليه فقد ظفر بالكبريت الأحمر . غير أن العزلةَ إنما تكونُ مطلوبة إذا كفى المسلمون عدوَّهم ، وقام بالجهاد بعضهم . فأما مع تعيّن الجهاد ؛ فليس غيرُه بمراد ، ولذلك بدأ النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا الحديث ببيان أفضلية الجهاد على العزلة لما قدَّمناه في الباب الذي قبل هذا .