باب في قوله تعالى أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
122 [1355] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ . قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ، يَعْبُدُ اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ . وقوله : ( أي الناس أفضل ؟ ) أي : أيّ الناس المجاهدين؟ بدليل أنه أجابه بقوله : ( رجل مجاهِد بنفسه وماله ) .
ثم ذكر بعده مَن جاهد نفسه بالعُزْلة عن الناس ؛ إذ كل واحد من الرَّجُلَين مجاهد . فالأول للعدوِّ الخارجيِّ ، والآخر للداخليِّ ؛ الذي هو : النفس والشيطان ، فجاهدهما بقطع المألوفات ، والمستحسنات من الأهل ، والقرابات ، والأصدقاء ، والأوطان ، والشهوات المعتادات . وكل ذلك فرارا بدينه ، وخوفًا عليه .
وهذا هو الجهادُ الأكبر ؛ الذي من وصل إليه فقد ظفر بالكبريت الأحمر . غير أن العزلةَ إنما تكونُ مطلوبة إذا كفى المسلمون عدوَّهم ، وقام بالجهاد بعضهم . فأما مع تعيّن الجهاد ؛ فليس غيرُه بمراد ، ولذلك بدأ النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا الحديث ببيان أفضلية الجهاد على العزلة لما قدَّمناه في الباب الذي قبل هذا .