حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب في قوله تعالى أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

) باب في قوله تعالى : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الآية 1879 [1354] عن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَلَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنْ أُسْقِيَ الْحَاجَّ . وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَلَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ . وَقَالَ الآخَرُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ .

فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ وَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا . ( 41 ) ومن باب: قوله تعالى : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ( السقاية ) : مصدر كالسِعاية والحِماية ، وهو على الحذف ؛ أي : أجعلتم صاحبَ سقاية الحاج مثل مَن آمَنَ بالله ، وجاهَدَ في سبيله ؛ ويصح أن يقدَّر الحذفُ في : ( مَنْ آمَنَ ) ؛ أي : أجعلتم عمل سقي الحاج كعمل مَن آمن؟ . و ( الْحَاجِّ ) : اسم جنس الْحُجّاج .

و ( عِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) : معاهدته ، والقيام بمصالحه . وظاهِرُ هذه الآية أنَّها مبطلة قولَ من افتخر من المشركين بسقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام ، كما ذكره السُّدِّي . قال : افتخر عباسٌ بالسقاية ، وشيبة بالعمارة ، وعلي بالإسلام والجهاد ، فصدَّق اللهُ عليًّا وكذبهما ، وهذا واضح .

وأما حديث النعمان هذا فمشكل على مساق الآية ، فإنه يقتضي أنها إنما نزلت عند اختلافِ المسلمين في الأفضل من هذه الأعمال ، وحينئذ لا يصلحُ أن يكون قولُه تعالى : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ؛ نزل جوابًا لذلك ، فإن أولئك المسلمين لم يختلفوا في أن الإيمانَ مع الجهاد أفضل من مجرَّد السقاية والعمارة ، وإنَّما اختلفوا في أي الأعمال أفضل بعد الإسلام ، وقد نصّوا على ذلك في الحديث . وأيضًا : فلا يليقُ أن يقالَ لهم في هذا الذي اختلفوا فيه : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ كما قال في آخر الآية . وأيضًا : فإن الآيات التي قبل هذه الآية من قوله تعالى : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ تدلُ على أن الخطاب مع المشركين ، فتعيّن الإشكال ، فلينظر في التخلص منه .

ويمكن أن يتخلص منه بأن يقال : إن بعضَ الرُّواة تسامَحَ في قوله : فأنزل الله الآية . وإنما قرأ النبي -صلى الله عليه وسلم- على عُمَرَ الآيةَ حين سأله ، فظن الرَّاوي أنها نزلتْ حينئذ ، وإنما استدلَ بها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على أن الجهادَ أفضل مما قال أولئك الذين سمعهم عُمر ، فاستفتى لهم ، فتلا عليه ما كان قد أنزل عليه في المشركين ، لا أنها نزلت في هؤلاء . فيبقى أنْ يقال : فكيف يُستدلُ بما أنزل في المشركين في حالةٍ مخصوصة على مثل ذلك المعنى في المسلمين ، وهم مخالفون لهم في تلك الحال ؟ والجواب : أن هذا لا بُعْدَ فيه .

فقد تنتزعُ مما أنزل في المشركين أحكام تليقُ في المسلمين ، كما قد فعله عمر ، حيث قال : أما إنا لو شئنا لاتخذنا سلائق وشواء وتوضع صحفةٌ ، وترفع أخرى ، ولكنَّا سمعنا قوله تعالى : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا وهذه الآية نصٌّ في أنها للكفار ، ومع ذلك ففهم عمر منها الزجرَ عما يناسبُ أحوالهم بعض المناسبة ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ، فيمكن أن تكونَ هذه الآيةُ من هذا النوع ، والله تعالى أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث