[153] ( 1906 ) - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ ، إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ ، وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُثُ ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ . [154] - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ . ( 44 ) بَاب بَيَانِ قَدْرِ ثَوَابِ مَنْ غَزَا فَغَنِمَ وَمَنْ لَمْ يَغْنَمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ ، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْإِخْفَاقُ : أَنْ يَغْزُوَا فَلَا يَغْنَمُوا شَيْئًا ، وَكَذَلِكَ كُلُّ طَالِبِ حَاجَةٍ إِذَا لَمْ تَحْصُلْ فَقَدْ أَخْفَقَ ، وَمِنْهُ : أَخْفَقَ الصَّائِدُ ، إِذَا لَمْ يَقَعْ لَهُ صَيْدٌ . وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَالصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ ، أَنَّ الْغُزَاةَ إِذَا سَلِمُوا أَوْ غَنِمُوا يَكُونُ أَجْرُهُمْ أَقَلَّ مِنْ أَجْرِ مَنْ لَمْ يَسْلَمْ ، أَوْ سَلِمَ وَلَمْ يَغْنَمْ ، وَأَنَّ الْغَنِيمَةَ هِيَ فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنْ أَجْرِ غَزْوِهِمْ ، فَإِذَا حَصَلَتْ لَهُمْ فَقَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمُ الْمُتَرَتَّبَ عَلَى الْغَزْوِ ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْغَنِيمَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَجْرِ ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ كَقَوْلِهِ : ( مِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا ) أَيْ : يَجْتَنِيهَا ، فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَأْتِ حَدِيثٌ صَرِيحٌ صَحِيحٌ يُخَالِفُ هَذَا ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَقَدِ اخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَعْنَى هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بَعْدَ حِكَايَتِهِ فِي تَفْسِيرِهِ أَقْوَالًا فَاسِدَةً ؛ مِنْهَا : قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ ثَوَابُهُمْ بِالْغَنِيمَةِ ، كَمَا لَمْ يَنْقُصْ ثَوَابُ أَهْلِ بَدْرٍ وَهُمْ أَفْضَلُ الْمُجَاهِدِينَ ، وَهِيَ أَفْضَلُ غَنِيمَةٍ . قَالَ : وَزَعَمَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ أَنَّ أَبَا هَانِئٍ حُمَيْدَ بْنَ هَانِئٍ رَاوِيَهُ مَجْهُولٌ ، وَرَجَّحُوا الْحَدِيثَ السَّابِقَ ، فِي أَنَّ الْمُجَاهِدَ يَرْجِعُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ ، فَرَجَّحُوهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ لِشُهْرَتِهِ وَشُهْرَةِ رِجَالِهِ ، وَلِأَنَّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَهَذَا فِي مُسْلِمٍ خَاصَّةً ، وَهَذَا الْقَوْلٌ بَاطِلٌ مِنْ أَوْجُهٍ : فَإِنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، فَإِنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ رُجُوعُهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ الْغَنِيمَةَ تَنْقُصُ الْأَجْرَ أَمْ لَا وَلَا قَالَ : أَجْرُهُ كَأَجْرِ مَنْ لَمْ يَغْنَمْ ، فَهُوَ مُطْلَقٌ ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : أَبُو هَانِئٍ مَجْهُولٌ ؛ فَغَلَطٌ فَاحِشٌ ، بَلْ هُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ ، رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَحَيْوَةُ وَابْنُ وَهْبٍ وَخَلَائِقُ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَيَكْفِي فِي تَوْثِيقِهِ احْتِجَاجُ مُسْلِمٍ بِهِ فِي صَحِيحِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، فَلَيْسَ لَازِمًا فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ كَوْنُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَلَا فِي أَحَدِهِمَا . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : فِي غَنِيمَةِ بَدْرٍ ، فَلَيْسَ فِي غَنِيمَةِ بَدْرٍ نَصٌّ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَغْنَمُوا لَكَانَ أَجْرُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَجْرِهِمْ ، وَقَدْ غَنِمُوا فَقَطْ ، وَكَوْنُهُمْ مَغْفُورًا لَهُمْ ، مَرَضِيًّا عَنْهُمْ ، وَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، لَا يَلْزَمُ أَن لا تَكُونَ وَرَاءَ هَذَا مَرْتَبَةٌ أُخْرَى هِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ ، مَعَ أَنَّهُ شَدِيدُ الْفَضْلِ عَظِيمُ الْقَدْرِ . وَمِنَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ : لَعَلَّ الَّذِي تَعَجَّلَ ثُلُثَيْ أَجْرِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي غَنِيمَةٍ أُخِذَتْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا ، وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ ، إِذْ لَوْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ وَجْهِهَا لَمْ يَكُنْ ثُلُثُ الْأَجْرِ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الَّتِي أَخْفَقَتْ يَكُونُ لَهَا أَجْرٌ بِالْأَسَفِ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ ، فَيُضَاعَفُ ثَوَابُهَا كَمَا يُضَاعَفُ لِمَنْ أُصِيبَ فِي مَالِهِ وَأَهْلِهِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ فَاسِدٌ مُبَايِنٌ لِصَرِيحِ الْحَدِيثِ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ الْغَزْوِ وَالْغَنِيمَةِ مَعًا ، فَنَقَصَ ثَوَابُهُ ، وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ . وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب بَيَانِ قَدْرِ ثَوَابِ مَنْ غَزَا فَغَنِمَ وَمَنْ لَمْ يَغْنَمْ · ص 46 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الغنيمة نقصان من الأجر وفيمن مات ولم ينو الغزو وفيمن تمنى الشهادة · ص 747 ( 50 ) باب الغنيمة نقصان من الأجر وفيمن مات ولم ينو الغزو وفيمن تمنى الشهادة 1906 [1375] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ، إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ ، وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً ، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ. وفي رواية : ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية ، أو سرية تخفق ، أو تصاب إلا تم أجورهم . ( 50 ) ومن باب: الغنيمة نقصان من الأجر قوله : ( ما من غازيةٍ تغزو في سبيل الله ، فيصيبون الغنيمة ، إلا تعجلوا ثلثي أجرهم ، ويبقى لهم الثلث ، وإن لم يصيبوا غنيمة تَمَّ لهم أجرُهم ). قوله : ( ما من غازية ) هو صفة لموصوفٍ محذوفٍ للعلم به. أي : ما من جماعةٍ ، أو سرية . و( تغزو ) بالتأنيث والإفراد: راجع إلى لفظ غازية . و( يصيبون ) بالتذكير والجمع : راجع إلى معناها . وقد ذهب غيرُ واحدٍ : إلى أن هذا الحديث معارضٌ بحديث أبي هريرة ؛ الذي قال فيه : ( نائلا ما نال من أجر أو غنيمة ) ؛ على ما تقدم . وظاهِرُ هذا الحديث- أعني حديث عبد الله بن عمرو - أَنَّ له مجموعَ الأمرين ، وقد اجتمع لأهل بدرٍ سهمهم . ولما صح عند هؤلاء هذا التعارض ، فمنهم من ردَّ هذا الحديث ، وضعفه ، وقال : في إسناده حُميد بن هانئ ، وليس بمشهور ، ورجحوا الحديث الأول عليه لشهرته . قلتُ : وهذا ليس بشيء ، فلا يُلتَفَتُ إليه ؛ لأن البخاري قد ذكر حميد بن هانئ هذا فقال : هو مصري ، سمع أبا عبد الرحمن الْحُبُلِي ، وعمرو بن مالك ، وسمع منه حيوة بن شُريح ، وابن وهب . ومنهم مَن رام الجمع بأن قال : إن الأولَ محمول على مجرد النية والإخلاص في الجهاد ، فذلك هو الذي ضمن الله له إمَّا الشهادة ، وإمَّا ردَّه إلى أهله مأجورًا غانِمًا . ويحمل الثاني على ما إذا نوى الجهادَ ، ولكن مع نية المغنم ؛ فلما انقسمتْ نيته انحط أجرُه عن الأول . قال القاضي عياض : وأوضحُ من هذا عندي : أن أجرَ الغانم بما فتح الله تعالى عليه من الدنيا وحساب ذلك عليه ، وتمتّعه به في الدنيا ، وذهاب شظف عيشه في غزوه وبعده ؛ إذا قوبل بمن أخفق ولم يصب شيئا ، وبقي على شظف عيشه ، والصبر على حالته ، وجد أجر هذا وافيًا مُوفرًا بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث الآخر : ( فمنَّا من مضى لم يأكل من أجره شيئا ، ومنا من أينعت له ثمرته ، فهو يَهْدِبُها ) ، ويدل على صحة هذا التأويل قولُه : ( إلا تعجَّلوا ثلثي أجرهم ). قلتُ : ويحتملُ أن يقال : إن هذه التي أخفقتْ إنما يُزَادُ في أجرها لشدَّة ابتلائها ، وأسفها على ما فاتها من الظفر والغنيمة. والله تعالى أعلم. وقوله : ( تخفق ) ؛ أي: تخيب . يقال: أخفق الصائد، إذا خاب، وكذلك كل طالب حاجةٍ إذا لم تحصل له .