باب الغنيمة نقصان من الأجر وفيمن مات ولم ينو الغزو وفيمن تمنى الشهادة
) باب الغنيمة نقصان من الأجر وفيمن مات ولم ينو الغزو وفيمن تمنى الشهادة 1906 [1375] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ، إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ ، وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً ، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ . وفي رواية : ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية ، أو سرية تخفق ، أو تصاب إلا تم أجورهم . ( 50 ) ومن باب: الغنيمة نقصان من الأجر قوله : ( ما من غازيةٍ تغزو في سبيل الله ، فيصيبون الغنيمة ، إلا تعجلوا ثلثي أجرهم ، ويبقى لهم الثلث ، وإن لم يصيبوا غنيمة تَمَّ لهم أجرُهم ) .
قوله : ( ما من غازية ) هو صفة لموصوفٍ محذوفٍ للعلم به . أي : ما من جماعةٍ ، أو سرية . و( تغزو ) بالتأنيث والإفراد: راجع إلى لفظ غازية .
و( يصيبون ) بالتذكير والجمع : راجع إلى معناها . وقد ذهب غيرُ واحدٍ : إلى أن هذا الحديث معارضٌ بحديث أبي هريرة ؛ الذي قال فيه : ( نائلا ما نال من أجر أو غنيمة ) ؛ على ما تقدم . وظاهِرُ هذا الحديث- أعني حديث عبد الله بن عمرو - أَنَّ له مجموعَ الأمرين ، وقد اجتمع لأهل بدرٍ سهمهم .
ولما صح عند هؤلاء هذا التعارض ، فمنهم من ردَّ هذا الحديث ، وضعفه ، وقال : في إسناده حُميد بن هانئ ، وليس بمشهور ، ورجحوا الحديث الأول عليه لشهرته . قلتُ : وهذا ليس بشيء ، فلا يُلتَفَتُ إليه ؛ لأن البخاري قد ذكر حميد بن هانئ هذا فقال : هو مصري ، سمع أبا عبد الرحمن الْحُبُلِي ، وعمرو بن مالك ، وسمع منه حيوة بن شُريح ، وابن وهب . ومنهم مَن رام الجمع بأن قال : إن الأولَ محمول على مجرد النية والإخلاص في الجهاد ، فذلك هو الذي ضمن الله له إمَّا الشهادة ، وإمَّا ردَّه إلى أهله مأجورًا غانِمًا .
ويحمل الثاني على ما إذا نوى الجهادَ ، ولكن مع نية المغنم ؛ فلما انقسمتْ نيته انحط أجرُه عن الأول . قال القاضي عياض : وأوضحُ من هذا عندي : أن أجرَ الغانم بما فتح الله تعالى عليه من الدنيا وحساب ذلك عليه ، وتمتّعه به في الدنيا ، وذهاب شظف عيشه في غزوه وبعده ؛ إذا قوبل بمن أخفق ولم يصب شيئا ، وبقي على شظف عيشه ، والصبر على حالته ، وجد أجر هذا وافيًا مُوفرًا بخلاف الأول . ومثله قوله في الحديث الآخر : ( فمنَّا من مضى لم يأكل من أجره شيئا ، ومنا من أينعت له ثمرته ، فهو يَهْدِبُها ) ، ويدل على صحة هذا التأويل قولُه : ( إلا تعجَّلوا ثلثي أجرهم ) .
قلتُ : ويحتملُ أن يقال : إن هذه التي أخفقتْ إنما يُزَادُ في أجرها لشدَّة ابتلائها ، وأسفها على ما فاتها من الظفر والغنيمة . والله تعالى أعلم . وقوله : ( تخفق ) ؛ أي: تخيب .
يقال: أخفق الصائد، إذا خاب، وكذلك كل طالب حاجةٍ إذا لم تحصل له .