35 - كِتَاب الْأَضَاحِيِّ [1] ( 1960 ) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ ، ح ، وَحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، حَدَّثَنِي جُنْدَبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : شَهِدْتُ الْأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ صَلَّى وَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحْمَ أَضَاحِيَّ قَدْ ذُبِحَتْ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، فَقَالَ : مَنْ كَانَ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ نُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى ، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ . كِتَابُ الْأَضَاحِي ( 1 ) بَابُ وَقْتِهَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : فِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ : أُضْحِيَةٌ ، وَإِضْحِيَةٌ ، بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا ، وَجَمْعُهَا أَضَاحِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا ، وَاللُّغَةُ الثَّالِثَةُ : ضَحِيَّةٌ ، وَجَمْعُهَا : ضَحَايَا ، وَالرَّابِعَةُ : أَضْحَاةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَالْجَمْعُ : أَضْحَى ، كَأَرْطَاةٍ وَأَرْطَى ، وَبِهَا سُمِّيَ يَوْمُ الْأَضْحَى ، قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِي الضُّحَى ، وَهُوَ ارْتِفَاعُ النَّهَارِ . وَفِي الْأَضْحَى لُغَتَانِ : التَّذْكِيرُ لُغَةُ قَيْسٍ ، وَالتَّأْنِيثُ لُغَةُ تَمِيمٍ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلِ أَنْ يُصَلِّيَ ، أَوْ نُصَلِّيَ ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى ، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( عَلَى اسْمِ اللَّهِ ) قَالَ الْكُتَّابُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : إِذَا قِيلَ بِاسْمِ اللَّهِ ، تَعَيَّنَ كَتْبُهُ بِالْأَلِفِ ، وَإِنَّمَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ إِذَا كُتِبَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِكَمَالِهَا . وَقَوْلُهُ : ( قَبْلِ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ نُصَلِّيَ ) الْأَوَّلُ بِالْيَاءِ وَالثَّانِي بِالنُّونِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى الْمُوسِرِ . فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ : هِيَ سُنَّةٌ فِي حَقِّهِ إِنْ تَرَكَهَا بِلَا عُذْرٍ لَمْ يَأْثَمْ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَبِلَالٌ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَلْقَمَةُ ، وَالْأَسْوَدُ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَدَاوُدُ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ رَبِيعَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَاللَّيْثُ : هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُوسِرِ ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ : وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُوسِرِ إِلَّا الْحَاجَّ بِمِنًى ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُقِيمِ بِالْأَمْصَارِ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُوجِبُهَا عَلَى مُقِيمٍ يَمْلِكُ نِصَابًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَذْبَحَهَا بَعْدَ صَلَاتِهِ مَعَ الْإِمَامِ ، وَحِينَئِذٍ تجْزِيهِ بِالْإِجْمَاعِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَدَاوُدُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَآخَرُونَ : يَدْخُلُ وَقْتُهَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، وَمَضَى قَدْرُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَخُطْبَتَيْنِ ، فَإِنْ ذَبَحَ بَعْدَ هَذَا الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ ، سَوَاءٌ صَلَّى الْإِمَامُ أَمْ لَا ، وَسَوَاءٌ صَلَّى الضُّحَى أَمْ لَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَالْبَوَادِي وَالْمُسَافِرِينَ ، وَسَوَاءٌ ذَبَحَ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ أَمْ لَا . وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَدْخُلُ وَقْتُهَا فِي حَقِّ أَهْلِ الْقُرَى وَالْبَوَادِي إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي ، وَلَا يَدْخُلُ فِي حَقِّ أَهْلِ الْأَمْصَارِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ وَيَخْطُبَ ، فَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ ذَبْحُهَا إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَخُطْبَتِهِ وَذَبْحِهِ . وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَجُوزُ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ ، وَيَجُوزُ بَعْدَهَا قَبْلَ ذَبْحِ الْإِمَامِ ، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُ أَهْلُ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى ، وَنَحْوُهُ عَنِ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يَجُوزُ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَبْلَ خُطْبَتِهِ وَفِي أَثْنَائِهَا . وَقَالَ رَبِيعَةُ فِيمَنْ لَا إِمَامَ لَهُ : إِنْ ذَبَحَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَا يُجْزِيهِ ، وَبَعْدَ طُلُوعِهَا يُجْزِيهِ . وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَجُوزُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَهُ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الْأَسَدِيُّ فَقِيهُ أَهْلِ الشَّامِ ، وَمَكْحُولٌ وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ : تَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ وَيَوْمَيْنِ بَعْدَهُ ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : تَجُوزُ لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ يَوْمَ النَّحْرِ خَاصَّةً ، وَلِأَهْلِ الْقُرَى يَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : لَا تَجُوزُ لِأَحَدٍ إِلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ خَاصَّةً . وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا تَجُوزُ فِي جَمِيعِ ذِي الْحِجَّةِ . وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّضْحِيَةِ فِي لَيَالِي أَيَّامِ الذَّبْحِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَجُوزُ لَيْلًا مَعَ الْكَرَاهَةِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْجُمْهُورُ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ ، وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ : لَا تُجْزِيهِ فِي اللَّيْلِ ، بَلْ تَكُونُ شَاةَ لَحْمٍ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب وَقْتِ الأضحية · ص 94 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في التسمية على الأضحية وفي وقتها · ص 346 ( 28 ) كتاب الأضاحي ( 1 ) باب في التسمية على الأضحية وفي وقتها وأن من ذبح قبله أعاد 1960 - ( 1 و 2 ) [1953] عن جُنْدَب بْن سُفْيَانَ قَالَ: شَهِدْتُ الْأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَما أَنْ صَلَّى وَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، سَلَّمَ ؛ فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحْمَ أَضَاحِيَّ قَدْ ذُبِحَتْ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ. فَقَالَ: مَنْ كَانَ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ - أَوْ : نُصَلِّيَ - فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ . ( 28 ) كتاب الضحايا ( 1 و 2 و 3 ) ومن باب : التسمية على الأضحية ، وفي وقتها ، وأين تذبح ؟ قال الأصمعي : في الأضحية أربع لغات : أضحيَّةٌ ، وإضحيَّة ، والجمع : أضاحي . وضحيَّة - على وزن فعيلة - والجمع ضحايا . وأضحاةٌ ، والجمع أضحى ، كما يقال : أرطاةٌ ، وأرطى . وبها سَمَّي يوم الأضحى ، وفي الصحاح : ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ، ثم بعده : الضحى ، وهو حين تشرق الشمس ، مقصورة ، مؤنثة ، وتذكَّر . فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة ، ومن ذَكَّر ذهب إلى أنه اسم على فعل ، مثل : نُغَرٍ ، وصُرَدٍ ، قال : وهو ظرف غير متمكِّن ، مثل : سحر . تقول : لقيته ضحًى وضحى ؛ إذا أردت به ضحى يومك لم تنوِّنه . قلت : قياسه : ضحى على سحر قد أخذ عليه فيه ابن بري . وهي مؤاخذة صحيحة ؛ لأنَّ الظروف التي لا تنصرف إذا عينت هي : سحر - كما ذكر - وغدوة ، وبكرة لا غير ، فسحر : إذا أريد به يوم بعينه لم ينصرف للتعريف ، والعدل . وفي : غدوة وبكرة للتعريف والتأنيث . فأمَّا بكير ، وعشاء ، وعتمة ، وضحوة ، وعشية ، وضحى ونحوها فإنها منصرفة على كل حال . فإنَّ أريد بها وقت بعينه كانت نكرات اللفظ معرَّفة بالمعنى على غير وجه التعريف . وهكذا ذكره الحسن بن خروف ، وغيره . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ) هذا اللفظ بظاهره يفيد حكمين : أحدهما : وجوب الأضحية من حيث إنه أمر بالإعادة . وثانيهما : وقت الذبح : عند الفراغ من صلاة الإمام . وقد اختلف في الحكمين ، فلنذكرهما . فأما الأول : فالجمهور من السلف والخلف على أنها سنة مؤكدة . وهو مشهور مذهب مالك ؛ متمسِّكين في ذلك بمداومة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - على فعلها ، وأنه لم يرد نصٌّ في وجوبها ، بل ولا ظاهر صحيح ، سليم عن القوادح . وقد روى الترمذي عن ابن عمر : أنه قال : أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة عشر سنين يضحي . وسُئل ابن عمر عن الأضحية : أواجبة هي ؟ فقال : ضحَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وضحى المسلمون . قال الترمذي : إنهما حديثان حسنان . قال : والعمل على هذا عند أهل العلم : أن الأضحية ليست بواجبة ، ولكنها سنة من سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما روي عن بعض السلف مِنْ تركه الأضحية مع تمكنه ، فذلك محمول على أنهم إنما تركوها مخافة أن يعتقد : أنها واجبة . وقال ابن عبد الحكم : سألت مالكًا عن الأضحية : أواجبة هي ؟ فقال : إنها سنة . ثم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أمرت بالأضحى ، وهي لكم سنة ) . قلت : فأفتى ، واستدلَّ ؛ وهذا يدلّ على صحة هذا الحديث عند مالك ؛ إذ قد استدلَّ به ، ولا يجوز الاستدلال بما لا يصح . وقد ذهب إلى وجوب الأضحية طائفة ، منهم : الأوزاعي ، والليث ، وأبو حنيفة ؛ غير أنه اشترط في الوجوب أن يملك المضحي نصابًا . وقد روي القول بالوجوب عن مالك ، وبعض أصحابه . وقد تُمُسِّك القائلون بالوجوب بقوله تعالى : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ، وبما رواه أبو داود وغيره من حديث مخنف بن سلم ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يا أيها الناس ! إن على كلِّ بيت في كلِّ عام أضحية ، وعتيرة . أتدرون ما العتيرة ؟ هذه التي يقول الناس : الرَّجبيَّة ) ، وبظاهر الأمر بالإعادة في الحديث المتقدِّم . قلت : ولا حجَّة في شيء من ذلك . أما الآية : فلأنها محتملة لأمور متعددة ، ولذلك اختلفت أقوال العلماء فيها . فقيل : معناهما : صلِّ الصلوات المعهودة ، وضع يمينك على شمالك ، وضعهما على نحرك . قاله علي - رضي الله عنه - . وقال أبو الأحوص : ارفع يديك في التكبير إلى نحرك . وقيل : استقبل القبلة بنحرك في الصلاة . وقال مجاهد : صلِّ بالمزدلفة ، وانحر الْهَدْي . وقال عطاء : صل العيد ، وانحر الأضحية . ونحوه قال مالك . وقال ابن جبير : ادع لربك ، وارفع يديك إلى نحرك عند الدعاء . وقال عطاء : استو بين السجدتين حتى يبدو نحرك . قلت : وهذه الأقوال كلها ؛ الآية قابلة لها ؛ على أن الأظهر منها قول من قال : إن المراد بها : صلِّ الصلوات المعهودة ، وانحر الهدايا الواجبة ؛ تمسُّكًا بالعُرْف المستعمل في ذينك اللفظين ، والله أعلم . وعند هذا ظهر : أن لا حجَّة في الآية . وأما قوله : ( على أهل كل بيت أضحية ، وعتيرة ) : فليس بصحيح . قيل : هو حديث ضعيف على ما قاله أبو محمد عبد الحق وغيره ، ولو سُلِّمت صحته فلا حجة فيه لوجهين : أحدهما : أنه ليس صريحا في الوجوب ، بل قد يقال مثله في المندوب ، كما قال في السواك : ( وعليكم بالسواك ) ، وليس السواك واجبًا في الجمعة بالاتفاق ، وإنما يحمل ذلك على أن من أراد تحصيل الأجر الكثير ، وإقامة السُّنَّة ، فعليه بالأضحية والسواك. وهذا نحو قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا بشره شيئًا ) . والثاني : عطف العتيرة على الأضحية . والعتيرة ليست بواجبةً باتفاق على ما ذكره المازري . وقال أبو داود : العتيرة منسوخة . وهذا من قول أبي داود يدل على أن العتيرة كانت مشروعة في أول الإسلام ، ثم نسخت ، وكذلك قال ابن دريد ، قال : العتيرة شاة كانت تذبح في رجب في الجاهلية يُتقرَّب بها ، وكان ذلك في صدر الإسلام أيضًا . والعَتْر : الذبح . قال غيره : وهي فعيلة بمعنى مفعولة ، كذبيحة : بمعنى مذبوحة . يقال : عتر الرجل يعتر عترًا ، بالفتح : إذا ذبح العتيرة . ويقال : هذه أيام ترجيب ، وتعتار . قلت : وظاهر قول أبي داود في العتيرة : إنها منسوخة : أنها لم تبق لها مشروعية على جهة الوجوب ، ولا الجواز . قال القاضي أبو الفضل : وعامة أهل العلم على تركها للنهي عنها ، إلا ابن سيرين فإنَّه كان يذبح العتيرة في رجب ، ولم يره منسوخًا ؛ يعني : الجواز . وأما الوجوب فمتفق على تركه على ما حكاه المازري . فإن قيل : لا نسلِّم أنَّ نسخ وجوب العتيرة يلزم منه نفي وجوب الأضحية ؛ لأنَّ الحديث تضمن أمرين : أحدهما : الأضحية - ولم يقل أحدٌ : إنها منسوخة - ، - والعتيرة - وهي المنسوخة ، فلا يلزم من نسخِها نسخُها . فالجواب : إنهما وإن كانا أمرين متغايرين ، لكنهما قد اجتمعا في مفيد الوجوب ، وهو : على ؛ الذي استدللتم بها على الوجوب ؛ لأنَّه لما عطف العتيرة على الأضحية بالواو من غير إعادة : على . علمنا : أن العتيرة دخلت مع الأضحية في معنى : على . وهو معنى واحدٌ ، فإذا رفع ذلك المعنى عن العتيرة ارتفع عن الأضحية ؛ لضرورة الاتحاد . وهذا حكم حروف العطف المشَرِّكة في المعنى إذا عطف بها المفردات . فإنك إذا قلت : قام زيد وعمرو ؛ استحال أن يرفع القيام عن عمرو ، ويبقى لزيد ، فلو أعاد العامل لصحَّ أن يرفع حكم أحدهما ويثبت حكم الآخر ؛ لأنَّه يكون من باب عطف الجمل ، ويجوز عطف الجمل المختلفة بعضها على بعض . وقد أشبعنا القول في هذا في الأصول . وهو أصل حسن يجب الاعتناء به . وأما الاستدلال بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اذبح مكانها أخرى ) : فقد عضدوه بما جاء في بعض طرق هذا الحديث ، في قوله : ( أعد نسكًا ) ، وقوله : ضحِّ بها - يعني : الجذعة من المعز - ولا تجزي عن أحد بعدك ) ، ولا حجَّة في شيء من ذلك واضحة ؛ لأنَّ المقصود بيان كيفية مشروعية الأضحية لمن أراد أن يفعلها ، أو من التزمها فأوقعها على غير الوجه المشروع غلطًا ، أو جهلًا ، فبين له النبي - صلى الله عليه وسلم - وجه تدارك ما فرط فيه . وهذا هو المعني بقوله : ( لا تجزي ) أي : لا يحصل لك مقصود القربة ، ولا الثواب . وهذا كما يقال في صلاة النفل : لا تجزي إلا بطهارة ، وستر عورة ؛ أي : لا تصح في نفسها ؛ إذ لا يحصل مقصود القربة إلا بتمام شروطها . وهذا واضح جدًّا . وقد استدلَّ بعض من رأى الوجوب : أن الأضحية من شريعة إبراهيم - عليه السلام - وقد أُمِرنا باتِّباعه ، لقوله تعالى : مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وهذا ترد عليه أسئلة كثيرة ، قد ذكرناها في الأصول ، فلا حجة فيه ؛ لأنَّا نقول بموجب ذلك ، ونسألهم : هل كانت الأضحية واجبة في شرعه ، أو سُنَّة ؟ وليس هناك ما يدلّ على شيء من ذلك ، فإنَّ استدلوا بقصة الذبيح ؛ فتلك قضية خاصة ، أو منسوخة ، ولا حجة في شيء منها . والله تعالى أعلم . وأما وقت ذبحها : فهو عند مالك بعد صلاة الإمام ، وذبحه ، إلا أن يؤخر تأخيرًا يتعدَّى فيه فيسقط الاقتداء به معتمدًا في ذلك على حديث جابر المذكور في الأصل . وهو نصٌّ في ذلك . وعند أبي حنيفة : الفراغ من الصلاة دون مراعاة ذبح الإمام . ويشهد له حديث البراء ؛ فإنَّه قال فيه : ( من ذبح بعد الصلاة فقد تمَّ نسكه ) . فعلَّق الذبح على الصلاة ، ولم يذكر الذبح للإمام . وعند الشافعي : وقتها دخول وقت الصلاة ، ومقدار ما توقع فيه . فاعتبر الوقت دون الصلاة ، وهو خروج عن ظواهر هذه الأحاديث ، غير أنه لما صحَّ عنده : أن الأضحية مخاطب بها أهل البوادي ، ومن لا إمام له ، ومن لا يخاطب بصلاة عيد : ظهر له أن حكمها متعلِّق بمقدار وقت الصلاة لأهل المصر وغيرهم . والله تعالى أعلم . وأما على مذهب مالك : فردَّ مطلق حديث البراء إلى مقيد حديث جابر ؛ لأنَّه قد اتحد الموجب والموجب . وقد قلنا في أصول الفقه : إن هذا النوع متفق عليه عند الأصوليين . وأما قبل الصلاة : فقال القاضي عياض : أجمع المسلمون : أن الذبح لأهل المصر لا يجوز قبلها ؛ وإنما اختلفوا إذا ذبح بعدها وقبل ذبح الإمام . واختلفت فيه الآثار . وأما أهل البوادي ، ومن لا إمام له ، أو إذا لم يبرز الإمام أضحيته : فمشهور مذهب مالك يتحرى وقت ذبح الإمام ، أو أقرب الأئمة إليه . وقال ربيعة وعطاء فيمن لا إمام له : إن ذبح قبل طلوع الشمس لم يُجزِه ، ويجزيه إن ذبح بعده . وقال أهل الرأي : يجزيهم من بعد الفجر . وكأن هؤلاء تمسكوا في ذلك بقوله : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فأضاف النحر إلى اليوم ، وهل اليوم من بعد طلوع الفجر أو من طلوع الشمس ؟ هذا سبب اختلافهم . وهذا لا تعويل عليه هنا ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عيَّن للأضحية وقتًا من اليوم بفعله ، وقوله ؛ فإنه ذبح بعدما صلَّى ، وقال : ( إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلِّي ، ثم ننحر ، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ، ومن لم يفعل فإنما هو لحم قدَّمه لأهله ، ليس من النُّسك في شيء ) . وهذا اللفظ عام يتناول كل مضحٍّ ، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث جابر من ذبح قبله أن يعيد أضحية أخرى ، ونهى أن يذبح قبل ذبحه . فإذًا : أحسن المسالك ما ذهب إليه مالك . هذا القول في مبدأ زمان الذبح . فأما منتهاه : فهو عند مالك : يوم النَّحر ، ويومان بعده . وعند الشافعي : وثلاثة بعده . وعند غيرهما : يوم النحر خاصَّة . وقاله سليمان بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، ورويا حديثًا مرسلًا . ومعتمد أصحابنا قوله تعالى : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ الآية قالوا : والمعلومات : جمع قلَّة ، لكن المتيقن منه الثلاثة ، فإنَّه أقل الجمع على ما تقرر في الأصول . وما بعد الثلاثة غير متيقن ، فلا يعمل به ، فإنَّ تعيين عدد بعد ذلك تحكم ؛ إذ لم يعينه الشرع . وأما القول الثالث : فلا وجه له - في علمي - غير التمسك بإضافة النحر إلى اليوم الأول خاصة ، وهو ضعيف مع قوله : فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ واختلف في ليالي أيام النحر : هل تدخل مع الأيام فيجوز فيها الذبح أو لا ؟ فروي عن مالك في المشهور : أنها لا تدخل . فلا يجوز الذبح بالليل ، وعليه جمهور أصحابه . وقال أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : الليالي داخلة في الأيام ، ويجزي الذبح فيها ، وروي عن مالك ، وأشهب نحوه . ولأشهب تفريق بين الهدي والضحية ، فأجاز الهدي ليلًا ، ولم يجز الضحية ليلًا . وقد تمسَّك مالك بأصل وضع الأيام ؛ فإنَّه الحقيقة في الكلام . وقد روي في ذلك نهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث عطاء بن يسار مرسلًا ، ولا يصح ؛ لأنَّه من حديث مُبَشِّر بن عبيد ، وهو متروك . و( قوله : ومن لم يذبح فليذبح باسم الله ) فيه دليل : على وجوب التسمية عند الذبح ، وقد ذكر الخلاف فيه في الصيد . وكونه - صلى الله عليه وسلم - صلَّى يوم الأضحى ثم خطب : دليل واضح على من أجاز تقديم الخطبة على الصلاة . وقد تقدَّم ذلك في كتاب الإيمان .