[20] ( 1968 ) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا ، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى . قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْجِلْ أَوْ أَرانِي مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ ، وَسَأُحَدِّثُكَ ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ . قَالَ : وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ ، فَحَبَسَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا . [21] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ ، فَأَصَبْنَا غَنَمًا وَإِبِلًا ، فَعَجِلَ الْقَوْمُ ، فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ ، فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِئَتْ ، ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنْ الْغَنَمِ بِجَزُورٍ . وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ كَنَحْوِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . [22] وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبَايَةَ ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ ، ثُمَّ حَدَّثَنِيهِ عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا ، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى فَنُذَكِّي بِاللِّيطِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ ، وَقَالَ : فَنَدَّ عَلَيْنَا بَعِيرٌ مِنْهَا ، فَرَمَيْنَاهُ بِالنَّبْلِ حَتَّى وَهَصْنَاهُ . وَحَدَّثَنِيهِ الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ بِتَمَامِهِ ، وَقَالَ فِيهِ : وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ ؟ [23] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا ، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ : فَعَجِلَ الْقَوْمُ فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ ، فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِئَتْ ، وَذَكَرَ سَائِرَ الْقِصَّةِ . ( 4 ) باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائر العظام قَوْلُهُ : ( قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى قَالَ : أَعْجِلْ أَوْ أَرِنْ ) أَمَّا ( أَعْجِلْ ) فَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ ، وَأَمَّا ( أَرِنْ ) فَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ النُّونِ ، وَرُوِيَ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَكَسْرِ النُّونِ ، وَرُوِيَ ( أَرْنِي ) بِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَزِيَادَةِ يَاءٍ ، وَكَذَا وَقَعَ هُنَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : صَوَابُهُ ( أَأْرِنْ ) عَلَى وَزْنِ أَعْجِلْ ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ مِنَ النَّشَاطِ وَالْخِفَّةِ ، أَيْ أَعْجِلْ ذَبْحَهَا ؛ لِئَلَّا تَمُوتَ خَنْقًا ، قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ ( أَرِنْ ) عَلَى وَزْنِ ( أَطِعْ ) أَيْ أَهْلِكْهَا ذَبْحًا مِنْ أَرَانَ الْقَوْمُ إِذَا هَلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ . قَالَ : وَيَكُونُ ( أَرْنِ ) عَلَى وَزْنِ ( أَعْطِ ) بِمَعْنَى أَدِمِ الْحَزَّ وَلَا تَفْتُرْ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : رَنَوْتُ إِذَا أَدَمْتُ النَّظَرَ . وَفِي الصَّحِيحِ ( أَرْنِ ) بِمَعْنَى أَعْجِلْ ، وَأَنَّ هَذَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، هَلْ قَالَ أَرْنِ ، أَوْ قَالَ : أَعْجِلْ ؟ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَقَدْ رَدَّ بَعْضُهُمْ عَلَى الْخَطَّابِيِّ قَوْلَهُ : إِنَّهُ مِنْ أَرَانَ الْقَوْمَ إِذَا هَلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَتَعَدَّى ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ مُتَعَدٍّ عَلَى مَا فَسَّرَهُ ، وَرُدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ إِنَّهُ ( أَأْرَنَ ) إِذْ لَا تَجْتَمِعُ هَمْزَتَانِ إِحْدَاهُمَا سَاكِنَةٌ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي هَذَا ( أيرَنْ ) بِالْيَاءِ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ( أَرْنِي ) بِالْيَاءِ سَيَلَانُ الدَّمِ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : صَوَابُ اللَّفْظَةِ بِالْهَمْزَ ، وَالْمَشْهُورُ بِلَا هَمْزٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ ) أَمَّا السِّنُّ وَالظُّفُرُ فَمَنْصُوبَانِ بِالِاسْتِثْنَاءِ بِلَيْسَ ، وَأَمَّا أَنْهَرَهُ فَمَعْنَاهُ : أَسَالَهُ وَصَبَّهُ بِكَثْرَةٍ ، وَهُوَ مُشَبَّهٌ بِجَرْيِ الْمَاءِ فِي النَّهَرِ ، يُقَالُ : نَهَرَ الدَّمَ وَأَنْهَرْتُهُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ كُلِّهَا ، وَفِيهِ مَحْذُوفٌ أَيْ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَوْ مَعَهُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ : ( وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الذَّكَاةِ مَا يَقْطَعُ وَيُجْرِي الدَّمَ ، وَلَا يَكْفِي رَضُّهَا وَدَمْغُهَا بِمَا لَا يُجْرِي الدَّمَ . قَالَ الْقَاضِي : وَذَكَرَ الْخُشْنِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا أَنْهَزَ بِالزَّايِ ، وَالنَّهْزُ بِمَعْنَى الدَّفْعِ . قَالَ : وَهَذَا غَرِيبٌ وَالْمَشْهُورُ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : وَالْحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ الذَّبْحِ وَإِنْهَارِ الدَّمِ تَمَيُّزُ حَلَالِ اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ مِنْ حَرَامِهِمَا ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ لِبَقَاءِ دَمِهَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِجَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مُحَدَّدٍ يَقْطَعُ إِلَّا الظُّفُرَ وَالسِّنَّ وَسَائِرَ الْعِظَامِ ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ السَّيْفُ وَالسِّكِّينُ وَالسِّنَانُ وَالْحَجَرُ وَالْخَشَبُ وَالزُّجَاجُ وَالْقَصَبُ وَالْخَزَفُ وَالنُّحَاسُ وَسَائِرُ الْأَشْيَاءِ الْمُحَدَّدَةِ ، فَكُلُّهَا تَحْصُلُ بِهَا الذَّكَاةُ إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَالْعِظَامَ كُلَّهَا ، أَمَّا الظُّفْرُ فَيَدْخُلُ فِيهِ ظُفْرُ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ الْحَيَوَانَاتِ ، وَسَوَاءٌ الْمُتَّصِلُ وَالْمُنْفَصِلُ ، الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ ، فَكُلُّهُ لَا تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِهِ لِلْحَدِيثِ ، وَأَمَّا السِّنُّ فَيَدْخُلُ فِيهِ سِنُّ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ ، وَالْمُتَّصِلُ وَالْمُنْفَصِلُ ، وَيَلْحَقُ بِهِ سَائِرُ الْعِظَامِ مِنْ كُلِّ الْحَيَوَانِ الْمُتَّصِلِ مِنْهَا وَالْمُنْفَصِلِ ، الطَّاهِرِ وَالنَّجَسِ ، فَكُلُّهُ لَا تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِشَيْءٍ مِنْهُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَفَهِمْنَا الْعِظَامَ مِنْ بَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِلَّةَ فِي قَوْلِهِ : " أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ " أَيْ : نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ لِكَوْنِهِ عَظْمًا ، فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْعِلَّةَ كَوْنُهُ عَظْمًا ، فَكُلُّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَظْمِ لَا تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِهِ . وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي كُلِّ مَا تَضَمَّنَهُ عَلَى مَا شَرَحْتُهُ ، وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَفُقَهَاءُ الْحَدِيثِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ : لَا يَجُوزُ بِالسِّنِّ وَالْعَظْمِ الْمُتَّصِلَيْنِ ، وَيَجُوزُ بِالْمُنْفَصِلَيْنِ . وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَاتٌ أَشْهَرُهَا : جَوَازُهُ بِالْعَظْمِ دُونَ السِّنِّ كَيْفَ كَانَا ، وَالثَّانِيَةُ : كَمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ ، وَالثَّالِثَةُ : كَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالرَّابِعَةُ : حَكَاهَا عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ يَجُوزُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتَّى بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ ، وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ جَوَازُ الذَّكَاةِ بِعَظْمِ الْحِمَارِ دُونَ الْقِرْدِ ، وَهَذَا مَعَ مَا قَبْلَهُ بَاطِلَانِ مُنَابِذَانِ لِلسُّنَّةِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَمُوَافِقُوهُمْ : لَا تَحْصُلُ الذَّكَاةُ إِلَّا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ بِكَمَالِهِمَا ، وَيُسْتَحَبُّ قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ وَلَا يُشْتَرَطُ ، وَهَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَالْوَدَجَيْنِ وَأَسَالَ الدَّمَ حَصَلَتِ الذَّكَاةُ . قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي قَطْعِ بَعْضِ هَذَا ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ ، وَيُسْتَحَبُّ الْوَدَجَانِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يُشْتَرَطُ الْجَمِيعُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا قَطَعَ ثَلَاثَةً مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَجْزَأَهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ : يَجِبُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ ، وَعَنْهُ اشْتِرَاطُ قَطْعِ الْأَرْبَعَةِ ، كَمَا قَالَ اللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : إِحْدَاهَا كَأَبِي حَنِيفَةَ : وَالثَّانِيَةُ : إِنْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَاثْنَيْنِ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ حَلَّتْ وَإِلَّا فَلَا ، وَالثَّالِثَةُ : يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَأَحَدِ الْوَدَجَيْنِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِنْ قَطَعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ أَكْثَرَهُ حَلَّ ، وَإِلَّا فَلَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ ) دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذَبْحِ الْمَنْحُورِ وَنَحْرِ الْمَذْبُوحِ ، وَقَدْ جَوَّزَهُ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إِلَّا دَاوُدَ فَمَنَعَهُمَا ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِبَاحَةُ ذَبْحِ الْمَنْحُورِ دُونَ نَحْرِ الْمَذْبُوحِ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْإِبِلِ النَّحْرُ ، وَفِي الْغَنَمِ الذَّبْحُ ، وَالْبَقَرُ كَالْغَنَمِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ : يَتَخَيَّرُ بَيْنَ ذَبْحِهَا وَنَحْرِهَا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ ) مَعْنَاهُ فَلَا تَذْبَحُوا بِهِ ، فَإِنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِالدَّمِ ، وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعِظَامِ ؛ لِئَلَّا تتَنجسَ لِكَوْنِهَا زَادَ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ ) فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُمْ كُفَّارٌ ، وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنِ التَّشْبِيهِ بِالْكُفَّارِ وَهَذَا شِعَارٌ لَهُمْ . قَوْلُهُ : ( فَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا ) أَمَّا النَّهْبُ بِفَتْحِ النُّونِ فَهُوَ الْمَنْهُوبُ ، وَكَانَ هَذَا النَّهْبُ غَنِيمَةً . وَقَوْلُهُ : ( فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ ) أَيْ : شَرَدَ وَهَرَبَ نَافِرًا ، وَالْأَوَابِدُ : النُّفُورُ وَالتَّوَحُّشُ ، وَهُوَ جَمْعُ آبِدَةٍ بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُخَفَّفَةِ ، وَيُقَالُ مِنْهُ : أَبَدَتْ بِفَتْحِ الْبَاءِ تَأْبُدُ بِضَمِّهَا ، وَتَأْبِدُ بِكَسْرِهَا ، وَتَأَبَّدَتْ ، وَمَعْنَاهُ : نَفَرَتْ مِنَ الْإِنْسِ وَتَوَحَّشَتْ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِإِبَاحَةِ عَقْرِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَنِدُّ ، وَيُعْجَزُ عَنْ ذَبْحِهِ وَنَحْرِهِ . قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ : الْحَيَوَانُ الْمَأْكُولُ الَّذِي لَا تَحِلُّ مَيْتَتُهُ ضَرْبَانِ : مَقْدُورٌ عَلَى ذَبْحِهِ ، وَمُتَوَحِّشٌ . فَالْمَقْدُورُ عَلَيْهِ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَةِ كَمَا سَبَقَ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْإِنْسِيِّ وَالْوَحْشِيِّ إِذَا قَدَرَ عَلَى ذَبْحِهِ بِأَنْ أَمْسَكَ الصَّيْدَ ، أَوْ كَانَ مُتَأَنِّسًا فَلَا يَحِلُّ إِلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَةِ . وَأَمَّا الْمُتَوَحِّشُ كَالصَّيْدِ فَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ يُذْبَحُ مَا دَامَ مُتَوَحِّشًا ، فَإِذَا رَمَاهُ بِسَهْمٍ أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ جَارِحَةً فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْهُ ، وَمَاتَ بِهِ حَلَّ بِالْإِجْمَاعِ . وَأَمَّا إِذَا تَوَحَّشَ إِنْسِيٌّ بِأَنَ نَدَّ بَعِيرٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ فَرَسٌ ، أَوْ شَرَدَتْ شَاةٌ أَوْ غَيْرُهَا فَهُوَ كَالصَّيْدِ ، فَيَحِلُّ بِالرَّمْيِ إِلَى غَيْرِ مَذْبَحِهِ ، وَبِإِرْسَالِ الْكَلْبِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْجَوَارِحِ عَلَيْهِ ، وَكَذَا لَوْ تَرَدَّى بَعِيرٌ أَوْ غَيْرُهُ فِي بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ حُلْقُومِهِ وَمَرِيئِهِ فَهُوَ كَالْبَعِيرِ النَّادِّ فِي حِلِّهِ بِالرَّمْيِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا ، وَفِي حِلِّهِ بِإِرْسَالِ الْكَلْبِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا : لَا يَحِلُّ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّوَحُّشِ مُجَرَّدَ الْإِفْلَاتِ ، بَلْ مَتَى تَيَسَّرَ لُحُوقُهُ بَعْدُ ، وَلَوْ بِاسْتِعَانَةٍ بِمَنْ يُمْسِكُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ مُتَوَحِّشًا ، وَلَا يَحِلُّ حِينَئِذٍ إِلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْمَذْبَحِ ، وَإِنْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ فِي الْحَالِ جَازَ رَمْيُهُ ، وَلَا يُكَلَّفُ الصَّبْرَ إِلَى الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْجِرَاحَةُ فِي فَخِذِهِ أَوْ خَاصِرَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ بَدَنِهِ فَيَحِلُّ . هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا ، وَمِمَّنْ قَالَ بِإِبَاحَةِ عَقْرِ النَّادِّ كَمَا ذَكَرْنَا : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَطَاوُسٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَدَاوُدُ وَالْجُمْهُورُ ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَرَبِيعَةُ ، وَاللَّيْثُ ، وَمَالِكٌ : لَا يَحِلُّ إِلَّا بِذَكَاةٍ فِي حَلْقِهِ كَغَيْرِهِ . دَلِيلُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ رَافِعٍ الْمَذْكُورُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْحُلَيْفَةُ هَذِهِ مَكَانٌ مِنْ تِهَامَةَ بَيْنَ حَاذَّةَ وَذَاتِ عِرْقٍ ، وَلَيْسَتْ بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتِي هِيَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ " الْمُؤْتَلِفُ فِي أَسْمَاءِ الْأَمَاكِنِ " لَكِنَّهُ قَالَ : ( الْحُلَيْفَةُ ) مِنْ غَيْرِ لَفْظِ ( ذِي ) وَالَّذِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ( بِذِي الْحُلَيْفَةِ ) فَكَأَنَّهُ يُقَالُ بِالْوَجْهَيْنِ . قَوْلُهُ : ( فَأَصَبْنَا غَنَمًا وَإِبِلًا فَعَجِلَ الْقَوْمُ فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ ، فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِئَتْ ) مَعْنَى كُفِئَتْ أَيْ قُلِبَتْ وَأُرِيقَ مَا فِيهَا ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدِ انْتَهَوْا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَالْمَحِلِّ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ الْأَكْلُ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ، فَإِنَّ الْأَكْلَ مِنَ الْغَنَائِمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إِنَّمَا يُبَاحُ فِي دَارِ الْحَرْبِ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ الْمَالِكِيُّ : إِنَّمَا أُمِرُوا بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ عُقُوبَةً لَهُمْ لِاسْتِعْجَالِهِمْ فِي السَّيْرِ ، وَتَرْكِهِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ مُتَعَرِّضًا لِمَنْ يَقْصِدُهُ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ إِرَاقَةِ الْقُدُورِ إِنَّمَا هُوَ إِتْلَافٌ لِنَفْسِ الْمَرَقِ عُقُوبَةً لَهُمْ . وَأَمَّا نَفْسُ اللَّحْمِ فَلَمْ يُتْلِفُوهُ ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ جُمِعَ وَرُدَّ إِلَى الْمَغْنَمِ ، وَلَا يُظَنُّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِإِتْلَافِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لِلْغَانِمِينَ ، وَقَدْ نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ ، مَعَ أَنَّ الْجِنَايَةَ بِطَبْخِهِ لَمْ تَقَعْ مِنْ جَمِيعِ مُسْتَحِقِّي الْغَنِيمَةِ ؛ إِذْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ أَصْحَابُ الْخُمُسِ ، وَمِنَ الْغَانِمِينَ مَنْ لَمْ يَطْبُخْ . فَإِنْ قِيلَ : فَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ حَمَلُوا اللَّحْمَ إِلَى الْمَغْنَمِ ، قُلْنَا : وَلَمْ يُنْقَلْ أَيْضًا أَنَّهُمْ أَحْرَقُوهُ وَأَتْلَفُوهُ ، وَإِذَا لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَقْلٌ صَرِيحٌ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَهَذَا بِخِلَافِ إِكْفَاءِ قُدُورِ لَحْمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَإِنَّهُ أَتْلَفَ مَا فِيهَا مِنْ لَحْمٍ وَمَرَقٍ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ نَجِسَةً ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا : " إِنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجَسٌ " كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ ، وَأَمَّا هَذِهِ اللُّحُومُ فَكَانَتْ طَاهِرَةً مُنْتَفَعًا بِهَا بِلَا شَكٍّ ، فَلَا يُظَنُّ إِتْلَافُهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الْغَنَمِ بِجَزُورٍ ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ قِيمَةَ هَذِهِ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ ، فَكَانَتِ الْإِبِلُ نَفِيسَةً دُونَ الْغَنَمِ بِحَيْثُ كَانَتْ قِيمَةُ الْبَعِيرِ عَشْرَ شِيَاهٍ ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مُخَالِفًا لِقَاعِدَةِ الشَّرْعِ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ فِي إِقَامَةِ الْبَعِيرِ مَقَامَ سَبْعِ شِيَاهٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي قِيمَةِ الشِّيَاهِ وَالْإِبِلِ الْمُعْتَدِلَةِ ، وَأَمَّا هَذِهِ الْقِسْمَةُ فَكَانَتْ قَضِيَّةً اتَّفَقَ فِيهَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَفَاسَةِ الْإِبِلِ دُونَ الْغَنَمِ ، وَفِيهِ أَنَّ قِسْمَةَ الْغَنِيمَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا قِسْمَةُ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ . قَوْلُهُ : ( فَنُذَكِّي بِاللِّيطِ ) هُوَ بِلَامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ سَاكِنَةٍ ثُمَّ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ ، وَهِيَ قُشُورُ الْقَصَبِ ، وَلِيطُ كُلِّ شَيْءٍ قُشُورُهُ ، وَالْوَاحِدَةُ : لِيطَةٌ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ ؟ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ : " أَفَنَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ ؟ " فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا هَذَا وَهَذَا ، فَأَجَابَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَوَابٍ جَامِعٍ لِمَا سَأَلُوهُ وَلِغَيْرِهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا ، فَقَالَ : ( كُلُ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ ) . قَوْلُهُ : ( فَرَمَيْنَاهُ بِالنَّبْلِ حَتَّى وَهَصْنَاهُ ) هُوَ بِهَاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُخَفَّفَةٍ ثُمَّ صَادٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ ، وَمَعْنَاهُ : رَمَيْنَاهُ رَمْيًا شَدِيدًا ، وَقِيلَ : أَسْقَطْنَاهُ إِلَى الْأَرْضِ ، وَوَقَعَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ ( رَهَصْنَاهُ ) بِالرَّاءِ ، أَيْ : حَبَسْنَاهُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَائِرَ الْعِظَامِ · ص 106 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الذبح بما أنهر الدم والنهي عن السن والظفر · ص 367 ( 5 ) باب الذبح بما أنهر الدم والنهي عن السن والظفر 1968 - ( 20 - 22 ) [1961] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قال : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى . وفي رواية : فنذكي بالليط ؟ قَالَ: أَعْجِلْ، أَوْ أَرْنِي ، مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشِ. قَالَ: وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ ؛ فَاصْنَعُوا بِهِ هكذا . ( 5 ) ومن باب : الذبح بما أنهر الدَّم قولهم : ( إنا لاقو العدو غدًا ، وليست معنا مدى ؟ فنُذَكِّي باللِّيط ) وهو قطع القصب ، والشَّصير : قطعة العصا ، والظُّرَرُ : قطعة الحجر ، ويجمع : ظِرَّان ، كما قال امرؤ القيس : تَطايَرُ ظِرانُ الْحَصَى بمناسِمٍ ويقال عليها : المروة أيضًا ، وكذلك رواه أبو داود في هذا الحديث : أفنذكِّي بالمروة ؟ مكان ( اللَّيط ) . والشِّظاظ : فِلقة العود . فهذه كلُّها إذا قطع بها الودجان والحلقوم جازت الذبيحة ؛ غير أنه لا يذبح بها إلا عند عدم الشِّفار وما يتنزل منزلتها ؛ لما تقدَّم من الأمر بحدِّ الشِّفار ، وتحسين الذَّبح ، والنهي عن تعذيب البهائم . وقد نبَّه مالك على هذا لما ترجم على الذكاة بالشِّظاظ ما يجوز من الذكاة على الضرورة . ومعنى هذا السؤال : أنهم لما كانوا عازمين على قتال العدو صانوا ما عندهم من السِّيوف ، والأسنة ، وغير ذلك عن استعمالها في الذَّبح ؛ لأنَّ ذلك ربما يفسد الآلة ، أو يعيبها ، أو ينقص قطعها ، ولم تكن لهم سكاكين صغار مُعِدَّة للذَّبح ، فسألوا : هل يجوز لهم الذبح بغير محدَّد السِّلاح ؛ فأجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يقتضي الجواز . وقد دخل في هذا العموم : أن كل آلة تقطع ذبحًا أو نحرًا فالذكاة بها مبيحة للذبيحة ، والحديد الْمُجْهِز أولى لما تقدَّم . ولا يستثنى من الآلات شيء إلا السنُّ ، والظُّفُر على ما يأتي . و( قوله : وذكر اسم الله ) ظاهر قوي في كون شرطًا في الإباحة ؛ لأنَّه قرنها بالذَّكاة المشترطة ، وعلَّق الإباحة عليهما ، فقد صار كل واحد منهما شرطًا ، أو جزء شرط في الإباحة . وقد تقدَّم هذا . والرواية الصحيحة المشهورة : أنهر بالرَّاء . وذكر الخشني في شرحه هذا الحرف - بالزاي - . والنَّهز : بمعنى : الدَّفع . وهذا توجيهٌ للتصحيف ، فلا يُلتفت إليه . و( قوله : ليس السِّنّ ، والظُّفُر ) ليس هنا للاستثناء ، بمعنى : إلا . وظاهر هذا : أنه لا تجوز الذكاة بهما على حال ، سواء كانا متصلين بالمذكِّي ، أو منفصلين عنه . قال القاضي أبو الحسن : وهذا الظاهر من قول مالك من رواية ابن الموَّاز عنه . وروى ابن وهب عنه الجواز مطلقًا . وقيل : بالفرق بين المتصل منهما ، فلا تجوز الذَّكاة به ، وبين المنفصل ؛ فتجوز الذكاة به ، قاله ابن حبيب . فالأول : تمسُّك بالعموم ، والثاني : نظرٌ للمعنى ؛ لأنَّه يحصل بهما الذبح . وهو ضعيف ؛ لأنَّه تعطيل للاستثناء المذكور في الحديث . والثالث : تمسُّك بأن الظُّفُر المتصل خنق ، والسِّن المتصل نَهْشٌ . وربما جاء ذلك في بعض الحديث . والمنفصل ليس كذلك ، فجازت الذَّكاة به . والصحيح : الأول ، وما عداه ، فليس عليه مُعوَّلٌ . و( قوله : وسأحدِّثُك ، أمَّا السِّنُّ : فعظمٌ . وأمَّا الظُّفُر : فمدى الحبش ) ظاهر هذا : أنَّه من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو تنبيه على تعليل منع التذكية بالسِّنُّ ، لكونه عظمًا ، فيلزم على هذا : تعدية المنع من السِّنِّ إلى كل عظم ، من حيث : إنَّه عظم ؛ متصلًا كان ، أو منفصلًا . وإليه ذهب النخعي ، والحسن بن صالح ، والليث ، والشافعي . وفقهاء أصحاب الحديث منعوا الذكاة بالعظم ، والظُّفر كيف كانا ، وأجازوه بما عدا ذلك للحديث . وهو أحد أقوال مالك ، كما تقدَّم . وروي عن مالك التفريق بين السِّن والعظم . فأجازها بالعظم ، وكرهها بالسنِّ ، وهو مشهور مذهبه . و( قوله : وأمَّا الظُّفُر فمدى الحبش ) يعني : أن الحبش يذبحون بأظفارهم ، ولا يستعملون السَّكاكين في الذَّبح ؛ فمَنَعَنا الشرع من ذلك ؛ لئلا نتشبَّه بهم . فقيل : إنهم يغرزون أظفارهم في موضع الذبح ، فتنخنق الذبيحة . وعلى هذا : فيكون محل المنع إنَّما هو الظُّفر المتصل ، ويكون حجَّة لما صار إليه ابن حبيب من ذلك . وقد روى حديث رافع هذا غيرُ من ذكرناه ، وقال فيه : ( ما فرى الأوداج وذكر اسم الله عليه فكُلْه ) أي : ما قطع . وظاهره : الاقتصار في الذكاة على الودجين خاصَّة . وقال بذلك قومٌ منهم : ابن عبَّاس ، وعطاء . وقد روي عن مالك : أنَّه قال فيما قطعت أوداجه : أنَّه قد تَمَّت ذكاته . ومشهور مذهبه ومذهب أصحابه : اشتراط قطع الحلقوم ، والودجين ، وهو قول الليث . وحكى عنه البغداديون : أنه يشترط قطع أربع : الثلاثة المذكورة ، والمري . وهو قول أبي ثور . ثمَّ اختلف أصحاب مالك في قطع أحد الودجين والحلقوم . هل هو ذكاة ، أو لا ؟ على قولين . وذهب الشافعي : إلى اشتراط الحلقوم والمري دون الودجين ، لكن في تمامها الودجان ، ولا يجزيان دون الحلقوم والمري . والناس مجمعون : على أن الذَّبح مهما كان في الحلق تحت الغلصمة ؛ فقد تَمَّت الذكاة . واختلف فيما إذا ذبح فوقها وجازها إلى البدن ؛ هل ذلك ذكاة أم لا ؟ على قولين . وقد روي عن مالك : أنها لا تُؤكل ، وقد تمسك بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما أنهر الدَّم .. . ) من يجيز نحر ما يذبح ، وذبح ما ينحر ، وأن النَّحر والذبح ذكاة للجميع لإنهاره الدَّم . وهو قول عامَّة السلف ، والعلماء ، وفقهاء الأمصار ، وأشهب من أصحابنا . ومالك كره أكله مرة ، وأخرى حرَّمه . قال ابن المنذر : ولا نعلم أحدًا حرَّم أكل شيء من ذلك كُلِّه ، ولم يختلفوا : أن الذبح أولى في الغنم ، والنحر أولى في الإبل ، والتخيير في البقر . وقيل : الذبح أولى ؛ لأنَّه الذي ذكره الله تعالى . و( قوله : أَعْجِل وأَرني ) هذا الحرف وقع في كتاب البخاري ، ومسلم ، وأبي داود . واختلف الرواة في تقييده على أربعة أوجه : الأول : قيَّده النَّسفي ، وبعض رواة البخاري : أَرِنْ . بكسر الراء ، وسكون النون ؛ مثل : أَقِم . الثاني : قيَّده الأصيلي : أَرِني . بكسر النون بعدها ياء المتكلم . الثالث : قيَّده بعض رواة مسلم كذلك إلا أنَّه سكَّن الراء . الرابع : قيَّده في كتاب أبي داود بسكون الراء ، ونون مطلقة . هذه التقييدات المنقولة . قال الخطابي : وطالما استثبتُّ فيه الرواة ، وسألت عنه أهل العلم ، فلم أجد عند أحد منهم ما يقطع بصحته . تنبيه : قال بعض علمائنا في الوجه الأول : هو بمعنى : قد أنشط وأسرع . فهو بمعنى : أَعْجل . فكأنَّه يشير إلى أنَّه شكٌّ وقع من أحد الرواة في أي اللفظين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قلت : وهذه غفلة ؛ إذ لو كان من الأَرَنِ الذي بمعنى النشاط ؛ للزم أن يكون مفتوح الراء ؛ لأنَّ ماضيه : أَرِن ، ومضارعه : يأرن . قال الفرَّاء : الأَرَن : النشاط . يقال : أَرِنَ البعير بالكسر ، يأرن بالفتح أرنًا : إذا مرح مرحًا ، فهو آرِنٌ ؛ أي : نشيط . وقياس الأمر من هذا أن تُجتَلَبَ له همزة الوصل مكسورة وتفتح الراء ، فيقال : اِئْرَنْ كـ ( ائذن ) ، من أَذِنَ يأذن . ولم يُرْوَ كذلك . وأمَّا تقييد الأصيلي : فقال بعضهم : يكون بمعنى : أَرِني سيلان الدم . قلت : وعلى هذا فيبُعدُ أن تكون ( أو ) للشك ، بل للجمع بمعنى الواو على المذهب الكوفي ؛ فإنَّه طلب الاستعجال ، وأن يريه دم ما ذبح . وما وقع في كتاب مسلم من تسكين الراء : هو تخفيفٌ للراء المكسورة وهي لغة معروفة ، قرأ بها ابن كثير . وأما ما وقع في كتاب أبي داود : فقيل : هو بمعنى : أَدِم الحزَّ ، ولا تفتر . من : رنوت ؛ أي : أدمت النظر . قلت : ويلزم على هذا : أن تكون مضمومة النُّون ؛ لأنه أمرٌ من : رنا ، يرنو ، فتحذف الواو لبناء الأمر ، ويبقى ما قبلها مضمومًا على أصله ، ولم يحقَّق ضبطه كذلك . وقد ذكر الخطَّابي في هذه اللفظة أوجها محتملة لم يجئ بها تقييد عن مُعْتبر ، ولا صحَّت بها رواية ، رأيت الإضراب عنها لعدم فائدتها ، وبُعدها عن مقصود الحديث . وأثبت ما فيها رواية ، وأقربه معنى مَنْ جعله من رؤية العين ، وذلك أن اللِّيط والمروة ، وما أشبههما مما ليس بمحدَّد يخاف منه ألا يكون مُجهِزًا ، فإن لم يستعجل بالمرِّ لم يقطع ، وربما يموت الحيوان خنقًا ، فإذا استعجل في المرِّ ، ورأى أن الدَّم قد سال من موضع القطع فقد تحقَّق الذبح المبيح ، والله تعالى أعلم بما أراد رسوله - صلى الله عليه وسلم - . و( قوله : ما أنهر الدم ) أي : ما أساله وصبَّه بكثرة . ووزنه : أفعل ، من النهر . شبَّه خروج الدَّم بجري الماء في النهر . و( ما ) موصولة في موضع رفع بالابتداء ، وخبرها : ( كُلْه ) ، ودخلت الفاء على الخبر هنا كما دخلت في قوله تعالى : وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ولا يلتفت لقول من تخيَّل أن ما أنهر الدَّم مفعوله بـ : أرني ؛ لأنَّه يبقى فعله : ( فكله ) ضائعًا . فتأمله . و( قوله : وأصبنا نهب إبل ، وغنم ، فندَّ منها بعيرٌ فرماه رجل بسهم ، فحبسه ) النهب : الغنيمة ، ومنه قول عباس بن مرداس : أتجعل نهبي ونهب العبيد ؛ أي : حظي من الغنيمة . و( ندَّ ) : نفر وشذَّ عن الإبل . و( قوله : إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش ، فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا ) الأوابد : جمع آبدة ، وهي التي نفرت من الإنس ، وتوحَّشت . ويقال : أبدت البقرة ، تأبد ، وتَأْبُد ، وتأبَّدت الديار : توحَّشت ، وخلت من سُكَّانها . فالأوابد : الوحش . قال امرؤ القيس : وقد أغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُناتِها بِمُنجَرِدٍ قيدِ الأوابدِ هَيْكَلِ وظاهر هذا الحديث أن ما ند من الإنسي ، ولم يقدر عليه جاز أن يُذَكَّى بما يُذكَّى به الطير . وبه قال أبو حنيفة ، والشافعي ، وقال مالك : لا يُؤكل إلا بذكاة الإنسي بالنحر ، أو الذبح استصحابًا لمشروعية أصل ذكاته ، ولأنه وإن كان قد لحق بالوحش في الامتناع ؛ فلم يلحق بها لا في النوع ، ولا في الحكم . ألا ترى : أن ملك مالكه باقٍ عليه ، واعتذر أصحابنا عن هذا الحديث بمنع ظهور ما ادُّعي ظهوره من ذلك ؛ إذ لم يقل فيه : إن السهم قتله . وإنَّما قال : حبسه . ثم بعد أن حبسه فقد حصل مقدورًا عليه . فلا يؤكل إلا بالذبح أو النحر ، ولا فرق بين أن يكون وحشيًّا ، أو إنسيًّا . و( قوله : فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا ) نقول بموجبه : أي : نرميه ، ونحبسه ، فإنَّ أدركناه حيًّا ذكَّيناه ، وإن تلف بالرَّمي ، فهل نأكله أم لا ؟ ليس في الحديث تعيين أحدهما ، فلحق بالمجملات ، فلا ينهض حجَّة ، وحينئذ يبقى متمسك مالك واضح الحجَّة ، والله تعالى أعلم . وقد استدل المخالف بما رواه الترمذي ، وأبو داود عن أبي العشراء ، عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله ! أما تكون الذَّكاة إلا في الحلق واللَّبَّة ؟ قال : ( لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك ) . قال يزيد بن هارون : هذا في الضرورة . وقال أبو داود : لا يصلح هذا إلا في المتردية ، والنافرة ، والمستوحش . وقد حمل ابن حبيب هذا الحديث على ما سقط في مهواة ، فلا يوصل إلى ذكاته إلا بالطعن في غير موضع الذكاة . وهو قول انفرد به عن مالك ، وجميع أصحابه . وقد ألزمه بعض الأصحاب مذهب المخالف ، فيجيز ذلك في النادِّ ، والمستوحش ، وهذا إلزام صحيح ؛ إذ كل واحد منهما غير مقدور على ذكاته في الحلق واللَّبَّة . وقد اعتذر أصحابنا عن هذا الحديث : بأنَّه ليس بصحيح ؛ لأنَّ الترمذي قال فيه : حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث حمَّاد بن سلمة ، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث . واختلفوا في اسم أبي العشراء . فقال بعضهم : اسمه : أسامة بن قِهْطِم . ويقال : اسمه : يسار بن بَزْرٍ ، ويقال : بَلْز ، ويقال : اسمه عُطارد . نُسب إلى جدِّه ، فهذا سند مجهولٌ ، ولو سُلِّمت صحته لما كان فيه حجَّة ؛ إذ مقتضاه جواز الذَّكاة في أي عضو كان مطلقًا ؛ في المقدور على تذكيته وفي غيره . ولا قائل به في المقدور عليه ، فظاهره ليس بمراد قطعًا . وقول يزيد وأبي داود تأويل لهما غير متفق عليه ، فلا يكون فيه حجَّة . والله تعالى أعلم . وقوله في "الأم" : ( فرميناه بالنبل حتى وهضناه ) كذا الرواية في كتاب مسلم بالواو . ومعناه : رميناه ، وشدخناه حتى أسقطناه بالأرض . وفي غير كتاب مسلم : ( رهصناه ) بالرَّاء . ومعناه : حبسناه بالرمي ، وأوثقناه . يقال : رهصني فلان بحقه ؛ أي : أخذني به أخذًا شديدًا .