باب الذبح بما أنهر الدم والنهي عن السن والظفر
( 5 ) باب الذبح بما أنهر الدم والنهي عن السن والظفر 1968 - ( 20 - 22 ) [1961] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قال : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى . وفي رواية : فنذكي بالليط ؟ قَالَ: أَعْجِلْ، أَوْ أَرْنِي ، مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشِ . قَالَ: وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ ؛ فَاصْنَعُوا بِهِ هكذا . ( 5 ) ومن باب : الذبح بما أنهر الدَّم قولهم : ( إنا لاقو العدو غدًا ، وليست معنا مدى ؟ فنُذَكِّي باللِّيط ) وهو قطع القصب ، والشَّصير : قطعة العصا ، والظُّرَرُ : قطعة الحجر ، ويجمع : ظِرَّان ، كما قال امرؤ القيس : ج٥ / ص٣٦٨
فهذه كلُّها إذا قطع بها الودجان والحلقوم جازت الذبيحة ؛ غير أنه لا يذبح بها إلا عند عدم الشِّفار وما يتنزل منزلتها ؛ لما تقدَّم من الأمر بحدِّ الشِّفار ، وتحسين الذَّبح ، والنهي عن تعذيب البهائم . وقد نبَّه مالك على هذا لما ترجم على الذكاة بالشِّظاظ ما يجوز من الذكاة على الضرورة . ومعنى هذا السؤال : أنهم لما كانوا عازمين على قتال العدو صانوا ما عندهم من السِّيوف ، والأسنة ، وغير ذلك عن استعمالها في الذَّبح ؛ لأنَّ ذلك ربما يفسد الآلة ، أو يعيبها ، أو ينقص قطعها ، ولم تكن لهم سكاكين صغار مُعِدَّة للذَّبح ، فسألوا : هل يجوز لهم الذبح بغير محدَّد السِّلاح ؛ فأجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يقتضي الجواز .
وقد دخل في هذا العموم : أن كل آلة تقطع ذبحًا أو نحرًا فالذكاة بها مبيحة للذبيحة ، والحديد الْمُجْهِز أولى لما تقدَّم . ولا يستثنى من الآلات شيء إلا السنُّ ، والظُّفُر على ما يأتي . و( قوله : وذكر اسم الله ) ظاهر قوي في كون شرطًا في الإباحة ؛ لأنَّه قرنها بالذَّكاة المشترطة ، وعلَّق الإباحة عليهما ، فقد صار كل واحد منهما شرطًا ، أو جزء شرط في الإباحة .
وقد تقدَّم هذا . والرواية الصحيحة المشهورة : أنهر بالرَّاء . وذكر الخشني في شرحه هذا الحرف - بالزاي - .
والنَّهز : بمعنى : الدَّفع . وهذا توجيهٌ للتصحيف ، فلا يُلتفت إليه . ج٥ / ص٣٦٩و( قوله : ليس السِّنّ ، والظُّفُر ) ليس هنا للاستثناء ، بمعنى : إلا .
وظاهر هذا : أنه لا تجوز الذكاة بهما على حال ، سواء كانا متصلين بالمذكِّي ، أو منفصلين عنه . قال القاضي أبو الحسن : وهذا الظاهر من قول مالك من رواية ابن الموَّاز عنه . وروى ابن وهب عنه الجواز مطلقًا .
وقيل : بالفرق بين المتصل منهما ، فلا تجوز الذَّكاة به ، وبين المنفصل ؛ فتجوز الذكاة به ، قاله ابن حبيب . فالأول : تمسُّك بالعموم ، والثاني : نظرٌ للمعنى ؛ لأنَّه يحصل بهما الذبح . وهو ضعيف ؛ لأنَّه تعطيل للاستثناء المذكور في الحديث .
والثالث : تمسُّك بأن الظُّفُر المتصل خنق ، والسِّن المتصل نَهْشٌ . وربما جاء ذلك في بعض الحديث . والمنفصل ليس كذلك ، فجازت الذَّكاة به .
والصحيح : الأول ، وما عداه ، فليس عليه مُعوَّلٌ . و( قوله : وسأحدِّثُك ، أمَّا السِّنُّ : فعظمٌ . وأمَّا الظُّفُر : فمدى الحبش ) ظاهر هذا : أنَّه من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو تنبيه على تعليل منع التذكية بالسِّنُّ ، لكونه عظمًا ، فيلزم على هذا : تعدية المنع من السِّنِّ إلى كل عظم ، من حيث : إنَّه عظم ؛ متصلًا كان ، أو منفصلًا .
وإليه ذهب النخعي ، والحسن بن صالح ، والليث ، والشافعي . وفقهاء أصحاب الحديث منعوا الذكاة بالعظم ، والظُّفر كيف كانا ، وأجازوه بما عدا ذلك للحديث . وهو أحد أقوال مالك ، كما تقدَّم .
وروي عن مالك التفريق بين السِّن والعظم . فأجازها بالعظم ، وكرهها بالسنِّ ، وهو مشهور مذهبه . و( قوله : وأمَّا الظُّفُر فمدى الحبش ) يعني : أن الحبش يذبحون بأظفارهم ، ولا يستعملون السَّكاكين في الذَّبح ؛ فمَنَعَنا الشرع من ذلك ؛ لئلا نتشبَّه بهم .
فقيل : إنهم يغرزون أظفارهم في موضع الذبح ، فتنخنق الذبيحة . وعلى هذا : فيكون محل المنع إنَّما هو الظُّفر المتصل ، ويكون حجَّة لما صار إليه ابن حبيب من ذلك . وقد روى حديث رافع هذا غيرُ من ذكرناه ، وقال فيه : ( ما فرى الأوداج وذكر ج٥ / ص٣٧٠اسم الله عليه فكُلْه ) أي : ما قطع .
وظاهره : الاقتصار في الذكاة على الودجين خاصَّة . وقال بذلك قومٌ منهم : ابن عبَّاس ، وعطاء . وقد روي عن مالك : أنَّه قال فيما قطعت أوداجه : أنَّه قد تَمَّت ذكاته .
ومشهور مذهبه ومذهب أصحابه : اشتراط قطع الحلقوم ، والودجين ، وهو قول الليث . وحكى عنه البغداديون : أنه يشترط قطع أربع : الثلاثة المذكورة ، والمري . وهو قول أبي ثور .
ثمَّ اختلف أصحاب مالك في قطع أحد الودجين والحلقوم . هل هو ذكاة ، أو لا ؟ على قولين . وذهب الشافعي : إلى اشتراط الحلقوم والمري دون الودجين ، لكن في تمامها الودجان ، ولا يجزيان دون الحلقوم والمري .
والناس مجمعون : على أن الذَّبح مهما كان في الحلق تحت الغلصمة ؛ فقد تَمَّت الذكاة . واختلف فيما إذا ذبح فوقها وجازها إلى البدن ؛ هل ذلك ذكاة أم لا ؟ على قولين . وقد روي عن مالك : أنها لا تُؤكل ، وقد تمسك بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما أنهر الدَّم . .
) من يجيز نحر ما يذبح ، وذبح ما ينحر ، وأن النَّحر والذبح ذكاة للجميع لإنهاره الدَّم . وهو قول عامَّة السلف ، والعلماء ، وفقهاء الأمصار ، وأشهب من أصحابنا . ومالك كره أكله مرة ، وأخرى حرَّمه .
قال ابن المنذر : ولا نعلم أحدًا حرَّم أكل شيء من ذلك كُلِّه ، ولم يختلفوا : أن الذبح أولى في الغنم ، والنحر أولى في الإبل ، والتخيير في البقر . وقيل : الذبح أولى ؛ لأنَّه الذي ذكره الله تعالى . و( قوله : أَعْجِل وأَرني ) هذا الحرف وقع في كتاب البخاري ، ومسلم ، وأبي داود .
واختلف الرواة في تقييده على أربعة أوجه : الأول : قيَّده النَّسفي ، وبعض رواة البخاري : أَرِنْ . بكسر الراء ، وسكون النون ؛ مثل : أَقِم . الثاني : قيَّده الأصيلي : أَرِني .
بكسر النون بعدها ياء المتكلم . الثالث : قيَّده بعض رواة مسلم كذلك إلا أنَّه سكَّن الراء . ج٥ / ص٣٧١الرابع : قيَّده في كتاب أبي داود بسكون الراء ، ونون مطلقة .
هذه التقييدات المنقولة . قال الخطابي : وطالما استثبتُّ فيه الرواة ، وسألت عنه أهل العلم ، فلم أجد عند أحد منهم ما يقطع بصحته . تنبيه : قال بعض علمائنا في الوجه الأول : هو بمعنى : قد أنشط وأسرع .
فهو بمعنى : أَعْجل . فكأنَّه يشير إلى أنَّه شكٌّ وقع من أحد الرواة في أي اللفظين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قلت : وهذه غفلة ؛ إذ لو كان من الأَرَنِ الذي بمعنى النشاط ؛ للزم أن يكون مفتوح الراء ؛ لأنَّ ماضيه : أَرِن ، ومضارعه : يأرن .
قال الفرَّاء : الأَرَن : النشاط . يقال : أَرِنَ البعير بالكسر ، يأرن بالفتح أرنًا : إذا مرح مرحًا ، فهو آرِنٌ ؛ أي : نشيط . وقياس الأمر من هذا أن تُجتَلَبَ له همزة الوصل مكسورة وتفتح الراء ، فيقال : اِئْرَنْ كـ ( ائذن ) ، من أَذِنَ يأذن .
ولم يُرْوَ كذلك . وأمَّا تقييد الأصيلي : فقال بعضهم : يكون بمعنى : أَرِني سيلان الدم . قلت : وعلى هذا فيبُعدُ أن تكون ( أو ) للشك ، بل للجمع بمعنى الواو على المذهب الكوفي ؛ فإنَّه طلب الاستعجال ، وأن يريه دم ما ذبح .
وما وقع في كتاب مسلم من تسكين الراء : هو تخفيفٌ للراء المكسورة وهي لغة معروفة ، قرأ بها ابن كثير . وأما ما وقع في كتاب أبي داود : فقيل : هو بمعنى : أَدِم الحزَّ ، ولا تفتر . من : رنوت ؛ أي : أدمت النظر .
قلت : ويلزم على هذا : أن تكون مضمومة النُّون ؛ لأنه أمرٌ من : رنا ، ج٥ / ص٣٧٢يرنو ، فتحذف الواو لبناء الأمر ، ويبقى ما قبلها مضمومًا على أصله ، ولم يحقَّق ضبطه كذلك . وقد ذكر الخطَّابي في هذه اللفظة أوجها محتملة لم يجئ بها تقييد عن مُعْتبر ، ولا صحَّت بها رواية ، رأيت الإضراب عنها لعدم فائدتها ، وبُعدها عن مقصود الحديث . وأثبت ما فيها رواية ، وأقربه معنى مَنْ جعله من رؤية العين ، وذلك أن اللِّيط والمروة ، وما أشبههما مما ليس بمحدَّد يخاف منه ألا يكون مُجهِزًا ، فإن لم يستعجل بالمرِّ لم يقطع ، وربما يموت الحيوان خنقًا ، فإذا استعجل في المرِّ ، ورأى أن الدَّم قد سال من موضع القطع فقد تحقَّق الذبح المبيح ، والله تعالى أعلم بما أراد رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
و( قوله : ما أنهر الدم ) أي : ما أساله وصبَّه بكثرة . ووزنه : أفعل ، من النهر . شبَّه خروج الدَّم بجري الماء في النهر .
و( ما ) موصولة في موضع رفع بالابتداء ، وخبرها : ( كُلْه ) ، ودخلت الفاء على الخبر هنا كما دخلت في قوله تعالى : وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ولا يلتفت لقول من تخيَّل أن ما أنهر الدَّم مفعوله بـ : أرني ؛ لأنَّه يبقى فعله : ( فكله ) ضائعًا . فتأمله . و( قوله : وأصبنا نهب إبل ، وغنم ، فندَّ منها بعيرٌ فرماه رجل بسهم ، فحبسه ) النهب : الغنيمة ، ومنه قول عباس بن مرداس :
و( ندَّ ) :
فالأوابد : الوحش . قال امرؤ القيس :
ألا ترى : أن ملك مالكه باقٍ عليه ، واعتذر أصحابنا عن هذا الحديث بمنع ظهور ما ادُّعي ظهوره من ذلك ؛ إذ لم يقل فيه : إن السهم قتله . وإنَّما قال : حبسه . ثم بعد أن حبسه فقد حصل مقدورًا عليه .
فلا يؤكل إلا بالذبح أو النحر ، ولا فرق بين أن يكون وحشيًّا ، أو إنسيًّا . و( قوله : فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا ) نقول بموجبه : أي : نرميه ، ونحبسه ، فإنَّ أدركناه حيًّا ذكَّيناه ، وإن تلف بالرَّمي ، فهل نأكله أم لا ؟ ليس في الحديث تعيين أحدهما ، فلحق بالمجملات ، فلا ينهض حجَّة ، وحينئذ يبقى متمسك مالك واضح الحجَّة ، والله تعالى أعلم . وقد استدل المخالف بما رواه الترمذي ، وأبو داود عن أبي العشراء ، عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله ! أما تكون ج٥ / ص٣٧٤الذَّكاة إلا في الحلق واللَّبَّة ؟ قال : ( لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك ) .
قال يزيد بن هارون : هذا في الضرورة . وقال أبو داود : لا يصلح هذا إلا في المتردية ، والنافرة ، والمستوحش . وقد حمل ابن حبيب هذا الحديث على ما سقط في مهواة ، فلا يوصل إلى ذكاته إلا بالطعن في غير موضع الذكاة .
وهو قول انفرد به عن مالك ، وجميع أصحابه . وقد ألزمه بعض الأصحاب مذهب المخالف ، فيجيز ذلك في النادِّ ، والمستوحش ، وهذا إلزام صحيح ؛ إذ كل واحد منهما غير مقدور على ذكاته في الحلق واللَّبَّة . وقد اعتذر أصحابنا عن هذا الحديث : بأنَّه ليس بصحيح ؛ لأنَّ الترمذي قال فيه : حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث حمَّاد بن سلمة ، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث .
واختلفوا في اسم أبي العشراء . فقال بعضهم : اسمه : أسامة بن قِهْطِم . ويقال : اسمه : يسار بن بَزْرٍ ، ويقال : بَلْز ، ويقال : اسمه عُطارد .
نُسب إلى جدِّه ، فهذا سند مجهولٌ ، ولو سُلِّمت صحته لما كان فيه حجَّة ؛ إذ مقتضاه جواز الذَّكاة في أي عضو كان مطلقًا ؛ في المقدور على تذكيته وفي غيره . ولا قائل به في المقدور عليه ، فظاهره ليس بمراد قطعًا . وقول يزيد وأبي داود تأويل لهما غير متفق عليه ، فلا يكون فيه حجَّة .
والله تعالى أعلم . وقوله في "الأم" : ( فرميناه بالنبل حتى وهضناه ) كذا الرواية في كتاب مسلم بالواو . ومعناه : رميناه ، وشدخناه حتى أسقطناه بالأرض .
وفي غير كتاب مسلم : ( رهصناه ) بالرَّاء . ومعناه : حبسناه بالرمي ، وأوثقناه . يقال : رهصني فلان بحقه ؛ أي : أخذني به أخذًا شديدًا .