باب ما يختار في الأضحية
( 17 و 18 ) [1960] وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذبَحُهُمَا بِيَدِهِ، وسمى وكبر ، ووضع رجله عَلَى صِفَاحِهِمَا . وفي رواية : يقول : باسم الله والله أكبر . و( قوله : ضحَّى بكبشين أملحين أقرنين ) اختلف في الأملح .
فقال الأصمعي : هو الأبيض ؛ لون الملح ، ونحوه . قال ابن الأعرابي : هو النقي البياض . وقال غيرهما : الملحة من الألوان : بياض يخالطه سواد .
يقال : كبش أملح إذا كان شعره خليسًا . هذا الذي حكاه في الصحاح ، ولم يحك ما ذكر عن الأصمعي وابن الأعرابي . و( الْمُدية ) : السكِّين ، وتجمع : مُدى ، كغرفة وغرف .
و( الشحذ ) : الحد ، ومنه قوله : فيا حَجَر الشَّحذِ حتَّى متى تسن الحديدَ ولا تقطُع ؟ وفيه الأمر بحدِّ آلة الذبح ، كما قال في الحديث الآخر : ( إذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة ، وليحدَّ أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته . وهو من باب الرِّفق بالبهيمة بالإجهاز عليها ، وترك التعذيب ، فلو ذبح بسكين كالَّةٍ ، أو بشيء له حدٌّ ، وإن لم يكن مجهزًا بل مُعذِّبًا فقد أساء ، ولكنه إن أصاب سنة الذبح ؛ لم تحرم الذبيحة ، وبئس ما صنع ، إلا إذا لم يجد إلا تلك الآلة . وفيه من الفقه : استحباب العدد في الأضاحي ، ما لم يقصد المباهاة .
وأن المضحِّي يلي ذبح أضحيته بنفسه ؛ لأنَّه المخاطب بذلك ، ولأنه من باب التواضع . وكذلك الهدايا ، فلو استناب مسلمًا جاز . واختلف في الذمي ، فأجاز ذلك عطاء ابتداءً .
وهو أحد قولي مالك . وقال له في قول له آخر : لا يُجزئه ، وعليه إعادة الأضحية . وكره ذلك جماعة من السلف ، وعامة أئمة الأمصار ، إلا أنهم قالوا : يجزئه إذا فعل .
وفيه : استحباب إضجاع الذبيحة ، ولا تذبح قائمة ، ولا باركة . وكذلك مضى العمل بإضجاعها على الشِّق الأيسر ؛ لأنَّه أمكن من ذبحها . وفيه : استحباب وضع الرِّجل على جانب عنق الذبيحة .
وهو المعبر عنه بالصِّفاح . وصفحة كل شيء : جانبه وصفحه أيضًا ، وإنما يستحب ذلك لئلا تضطرب الذبيحة فتَزِلَّ يدُ الذابح عند الذبح . وقد روي نهي عن ذلك ، والصحيح : ما ذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وضعه رجله على صفاحهما .
وفيه من الفقه : التسمية ؛ فإنَّه قال : باسم الله ، والله أكبر . وقد اختلف في ذلك ، فقال أبو ثور : التسمية متعينة كالتكبير في الصلاة . وكافة العلماء على استحباب ذلك .
فلو قال ذكرًا آخر فيه اسم من أسماء الله وأراد به التسمية جاز ، وكذلك لو قال : الله أكبر - فقط - أو : لا إله إلا الله ، قاله ابن حبيب ، فلو لم يرد التسمية لم تُجزئ عن التسمية ، ولا تؤكل . قاله الشافعي ، ومحمد بن الحسن . وكره كافة العلماء من أصحابنا ، وغيرهم ؛ الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند التسمية في الذبح ، أو ذكره ، وقالوا : لا يذكر هنا إلا الله وحده .
وأجاز الشافعي الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الذبح . و( قوله : اللهم تقبَّل من محمدٍ ، وآل محمدٍ ، ومن أمة محمد ) هذا دليلٌ للجمهور على جواز قول المضحِّي : اللهم تقبل مني . على أبي حنيفة ؛ حيث كره أن يقول شيئًا من ذلك ، وكذلك عند الذبح .
وقد استحسنه بعض أصحابنا ، واستحب بعضهم أن يقول ذلك بنص الآية : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وكره مالك قولهم : اللهم منك ، وإليك ، وقال : هذه بدعة . وأجاز ذلك ابن حبيب من أصحابنا ، والحسن . قلت : وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال : ذبح النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الذبح كبشين أقرنين موجئين ، أملحين ، فلما وجههما قال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وقرأ إلى قوله : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ اللهم منك وإليك عن محمد وأمته ، باسم الله ، والله أكبر ، ثم ذبح .
فهذا الحديث حجَّة للحسن وابن حبيب . وأما مالك : فلعل هذا الحديث لم يبلغه ، أو لم يصحّ عنده ، أو رأى : أن العمل يُخالفه . وعلى هذا يدلّ قوله : إنَّه بدعة .
وفيه من الفقه ما يدلّ على جواز تشريك الرجل أهل بيته في أضحيته ، وأن ذلك يجزئ عنهم . وكافة علماء الأمصار على جواز ذلك . مع استحباب مالك أن يكون لكل واحدٍ من أهل البيت أضحية واحدة ، وكان أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري يكرهون ذلك .
وقال الطحاوي : لا يجزئ . وزعم : أن الحديث في ذلك من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - منسوخ ، أو مخصوص . وممن قال بالمنع : عبد الله بن المبارك .
قلت : وهذه المسألة فيها نظر ، وذلك : أن الأصل أن كل واحد مخاطب بأضحية ، وهذا متفق عليه ، فكيف يسقط عنهم بفعل أحدهم ؟ ! وقوله : ( اللهم تقبَّل من محمد وآل محمد ) ليس نصًّا في إجزاء ذلك عن أهل بيته ، بل هو دعاء لمن ضحَّى بالقبول . ويدلُّ عليه قوله : ( ومن أمة محمد ) ، وقد اتَّفق الكل : على أن أضحية النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تجزئ عن أمته ، ولو سُلِّم ذلك لكان يلزم عليه أن تجزئ أضحية النبي - صلى الله عليه وسلم - عن آل النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كانوا ، وإن لم يكونوا في بيته ، ثم يلزم عليه ألا يدخل أزواجه فيهم ؛ فإنَّهم ليسوا آلًا له على الحقيقة اللغوية . وقد تقدَّم القول على آل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الزكاة .
والذي يظهر لي : أن الحجَّة للجمهور على ذلك : ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحَّى عن نسائه ببقرة ، وروي : بالبقر . وأيضًا فلم يرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر كل واحدة من نسائه بأضحية ، ولو كان ذلك ؛ لنقل ، لتكرار سِنِي الضحايا عليهن معه ، ولكثرتهن . فالعادة تقتضي أن ذلك لو كان ؛ لنقل كما نقل غير ذلك من جزئيات أحوالهن ، فدلَّ ذلك على أنَّه كان يكتفي بما يضحِّي عنه وعنهن .
والله تعالى أعلم . وقد روى الترمذي عن عطاء بن يسار ، قال : سألت أبا أيوب الأنصاري : كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : كان الرجل يضحِّي بالشاة عنه وعن أهل بيته ، فيأكلون ، ويطعمون ، حتى تباهى الناس فيها كما ترى . قال : هذا حديث حسن صحيح .
قال القاضي : وضبطُ من يصحُّ أن يُدخله الرجل في الأضحية عندنا بثلاث صفات : أحدها : أن يكونوا من قرابته ، وحكم الزوجين ، وأمِّ الولد حكمهم عند مالك والكافة . وأباه الشافعي في أم الولد ، وقال : لا أجيز لها ، ولا للمكاتب ، والمدبر ، والعبد أن يضحُّوا . والثاني : أن يكونوا في نفقته ، وجبت عليه ، أو تطوّع بها .
والثالث : أن يكونوا في بيته ، ومساكنته غير نائين عنه ، فإن انخرم شيء من هذه الشروط لم يصح اشتراكهم في ضحيَّته . قال : ولا يجوز عند جميعهم شركة جماعة في ضحية يشترونها ، ويذبحونها عن أنفسهم ، أو في هدي إذا كانوا أكثر من سبعة . واختلفوا فيما دونها .
فمذهب الليث ، ومالك : أن الشركة لا تجوز بوجهٍ فيها ؛ كانت بدنة ، أو بقرة ، أو شاة ، أَهْدُوا أو ضحُّوا . وذهب جمهور العلماء من الحجازيين ، والكوفيين ، والشاميين : إلى جواز إشراك السبعة فما دون ذلك في البقرة ، والبدنة ، في الهدي والضحيَّة ، ولا تجزئ شاة إلا عن واحد . وقد حصل من مجموع حديث عائشة وأنس وجابر أن الأولى في الأضحية نهاية الكمال في الخلق والصّفة .
وهو متفق عليه ، وأن الوجاء ليس منقصا ؛ لأنَّه وإن كان نقصان عضو ، فإنَّه يصلح اللَّحم ويُطَيِّبُه . وقد قلنا : إن الطيب في الأضحية : هو المقصود الأول . وأما العيوب الْمُنْقِّصة ، فقال القاضي : أجمعوا أنَّ العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء ؛ من : المرض ، والعجف ، والعور ، والعرج ، لا تجزئ بها الضحيَّة .
وكذلك ما هو من نوعها أشنع ، كالعمى ، وقطع الرِّجل . واختلف فيما عدا ذلك . فذهب قومٌ : إلى أنها تجزئ بكل عيب غير هذه الأربعة ؛ إذ لم ينصَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على غيرها ، وهو موضع بيان .
وبه قال بعض أئمتنا البغداديين . وذهب الجمهور إلى اعتبار ما كان نقصًا وعيبًا ، ثم اختلفوا في أعيانها على ما ترتَّب في كتب الفقه . قال : ولم يخرج البخاري ، ولا مسلم حديث عيوب الضحايا ؛ لأنَّه مما تفرَّد به عبيد بن فيروز عن البراء ، ولا يُعرف إلا بهذا الحديث .
وقد أدخله مالك في الموطأ لما صحبه عنده العمل من المسلمين ، ولاتفاقهم على قبوله . قلت : يعني القاضي : حديث البراء الذي خرَّجه مالك عن عمرو بن الحارث المصري عن عبيد بن فيروز ، عن البراء بن عازب : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل : ماذا يُتَّقى من الضحايا ؟ فأشار بيده وقال : ( أربع . . ) ، وذكر الحديث .
وهذا الحديث صحيح ، وانفراد الثقة به لا يضرُّه ، وإنَّما لم يخرِّجه البخاري ولا مسلم ؛ لأنَّه ليس على ما شرطاه في كتابيهما ، وقد خرَّجه النسائي ، والترمذي ، وقال : حديث حسن ، صحيح ، غريب ، لا نعرفه إلا من حديث عبيد بن فيروز . وكذلك خرَّج النسائي أيضًا حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من طرق قال فيه : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستشرف العين والأذن ، وألا نضحِّي بعوراء ، ولا مقابلة ، ولا مدابرة ، ولا شَرْقاء ، ولا خَرْقاء . وفي أخرى : ولا بتراء .
وفي أخرى : ولا جدعاء . وصححه الترمذي . وقوله : أمرنا أن نستشرف العين والأذن .
أي : نرفع نظرنا إلى ذلك ، ونختار السالم من عيوب ذينك . ثم فسَّر ذلك بقوله : ولا نضحِّي بعوراء ، وبما بعده . و( المقابلة ) هي : التي يقطع بعض أذنها ، ويُترك مُعلَّقًا على وجهها .
و( المدابرة ) : أن يُترك معلَّقًا إلى خلفها . و( الشرقاء ) هي : المشقوقة الأذن طولًا . و( الخرقاء ) : التي خرق من غير شق .
و( الجدعاء ) : المقطوعة الأذن . وظاهر عطف هذه العيوب على العوراء - وهي لا تجزئ باتفاق - ألا تجزئ الأضحية مع شيء من هذه العيوب . وهو أصل الظاهرية ، لكن لما كانت العوراء مقيَّدة بالبيِّن عَوَرُها ، كما قال في حديث البراء ؛ تحققنا : أن المنهي عنه من هذه العيوب ما تفاحش منها ، ولا شكَّ أن ما أذهب الأُذن من هذه الأمور ، أو جلها ، لا تجزئ به ، وما لم يكن كذلك ، فقال أصحابنا في المقطوع بعض أذنها : إن زاد القطع على الثلث منع الإجزاء ، وإن نقص عنه أجزأت .
واختلف في الثلث . هل يجزئ أو لا ؟ على قولين . وكذلك القول في البتراء ، والنظر في آحاد العيوب ، وتفصيل الخلاف يستدعي تطويلًا ، فلنقتصر على ما ذكرناه .