[125] - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالُوا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَارَنَا ، فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ ، وَشِيبَ لَهُ مِنْ بِئْرٍ فِي الدَّارِ ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ شِمَالِهِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ ، فَأَعْطَاهُ أَعْرَابِيًّا عَنْ يَمِينِهِ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ ) الْمُرَادُ بِأُمَّهَاتِهِ أُمُّهُ أُمُّ سُلَيْمٍ وَخَالَتُهُ أُمُّ حَرَامٍ ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ مَحَارِمِهِ ، فَاسْتَعْمَلَ لَفْظَ الْأُمَّهَاتِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ يُجَوِّزُ إِطْلَاقَ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ . وَقَوْلُهُ : ( كُنَّ أُمَّهَاتِي ) عَلَى لُغَةِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ ، وَهِيَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الِاسْتِعْمَالِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاحُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ " وَنَظَائِرُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ ) هِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ ، وَهِيَ الَّتِي تُعْلَفُ فِي الْبُيُوتِ ، يُقَالُ : دَجَنَتْ تَدْجُنُ دُجُونًا ، وَيُطْلَقُ الدَّاجِنُ أَيْضًا عَلَى كُلِّ مَا يَأْلَفُ الْبَيْتَ مِنْ طَيْرٍ وَغَيْرِهِ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ ) ضُبِطَ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ ، وَهُمَا صَحِيحَانِ النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ : أَعْطِ الْأَيْمَنَ ، وَالرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ الْأَيْمَنُ أَحَقُّ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ . وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، ( الْأَيْمَنُونَ ) وَهُوَ يُرَجِّحُ الرَّفْعَ . وَقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ ، إِنَّمَا قَالَهُ لِلتَّذْكِيرِ بِأَبِي بَكْرٍ مَخَافَةً مِنْ نِسْيَانِهِ ، وَإِعْلَامًا لِذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي عَلَى الْيَمِينِ بِجَلَالَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب اسْتِحْبَابِ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينِ الْمُبْتَدِئِ · ص 174 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب النهي عن التنفس في الإناء وفي مناولة الشراب الأيمن فالأيمن · ص 290 2029 - ( 124 - 126 ) [1907] وعَنْ أَنَس بن مالك قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَارَنَا ، فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ، وَشِيبَ لَهُ مِنْ بِئْرٍ فِي الدَّارِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ شِمَالِهِ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ، فَأَعْطَاهُ أَعْرَابِيًّا عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ . وفي رواية : فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ وَتَرَكَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ ، قَالَ أَنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ. و( قول أنس : وكن أُمَّهاتي ) هذا على لغة قوله - صلى الله عليه وسلم - : يتعاقبون فيكم ملائكة . و( يَحْثُثْنَنِي ) أي : يَحْضُضْنَنِي . حثَّ ، وحضَّ ، ورغَّب بمعنى واحد . و( شِيبَ ) أي : خلط بالماء ومزج ليبرد . وإنما بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأعرابي لأنه كان عن يمينه ، فبيَّن : أن ذلك سُنَّة ، ولذلك قال : الأيمن فالأيمن أي : أعط الأيمن ، وابدأ به . وقيل أيضًا : إنه قصد استئلافه ، فإنَّه كان من كبراء قومه ، فلذلك جلس عن يمينه . والأول أظهر ، ولا يبعد قصد المعنى الثاني . و( قول أنس : فهي سُنَّة ، فهي سُنَّة ) يعني : مناولة الشراب الأيمن فالأيمن . وهل تجري هذه السُّنَّة في غير الشراب ، كالمأكول ، والملبوس ، وغيرهما من جميع الأشياء ؟ قال المهلَّب وغيره : نعم . وقال مالك : إن ذلك في الشراب خاصة . قال أبو عمر : ولا يصحُّ ذلك عن مالك . قال القاضي عياض : ويشبه أن يكون معنى قول مالك : إن ذلك في الشراب خاصة : أنه فيه جاءت السنة بتقديم الأيمن فالأيمن ، وغيره إنما هو من باب الاجتهاد والقياس . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : الأيمنون الأيمنون ) هذا مبتدأ ، وخبره محذوف ؛ أي : الأيمنون أولى . والغلام الذي كان عن يمين النبي - صلى الله عليه وسلم - هو عبد الله بن عباس ، وإنما استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - الغلام ، ولم يستأذن الأعرابي في الحديث الآخر ، وبدأ به قبل أبي بكر لما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - من حال الغلام : أن ذلك الاستئذان لا يخجله ولا ينفره لرياضته ، وحسن خلقه ، ولِينه بخلاف الأعرابي ؛ فإنَّ الجفاء والنُّفرة غالبة على الأعراب ، فخاف عليه أن يصدر منه سوء أدب . والله تعالى أعلم .