[141] ( 2039 ) - حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ ، حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ مِنْ رُقْعَةٍ عَارَضَ لِي بِهَا ، ثُمَّ قَرَأَهُ عَلَيَّ قَالَ : أَخْبَرَنَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا ، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي ، فَقُلْتُ لَهَا : هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا ، فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ . قَالَ : فَذَبَحْتُهَا ، وَطَحَنَتْ ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي ، فَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا ، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ . قَالَ : فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا ، وَطَحَنَتْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا ، فَتَعَالَ أَنْتَ فِي نَفَرٍ مَعَكَ ، فَصَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا فَحَيَّهَلًا بِكُمْ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَتَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ ، فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْدَمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي ، فَقَالَتْ : بِكَ وَبِكَ . فَقُلْتُ : قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لِي ، فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينَتَنَا ، فَبَصَقَ فِيهَا ، وَبَارَكَ ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا ، فَبَصَقَ فِيهَا ، وَبَارَكَ ، ثُمَّ قَالَ : ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا . وَهُمْ أَلْفٌ ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا ، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ ، وَإِنَّ عَجِينَتَنَا أَوْ كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ لَتُخْبَزُ كَمَا هُوَ . أَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي ، وَهُوَ حَدِيثُ طَعَامِ جَابِرٍ فَفِيهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْفَوَائِدِ وَجُمَلٌ مِنَ الْقَوَاعِدِ ، مِنْهَا : الدَّلِيلُ الظَّاهِرُ وَالْعِلْمُ الْبَاهِرُ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَحَادِيثُ آحَادٍ بِمِثْلِ هَذَا حَتَّى زَادَ مَجْمُوعُهَا عَلَى التَّوَاتُرِ ، وَحَصَلَ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ بِالْمَعْنَى الَّذِي اشْتَرَكَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآحَادُ ، وَهُوَ انْخِرَاقُ الْعَادَةِ بِمَا أَتَى بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ الْكَثْرَةَ الظَّاهِرَةَ ، وَنَبْعِ الْمَاءِ وَتَكْثِيرِهِ ، وَتَسْبِيحِ الطَّعَامِ وَحَنِينِ الْجِذْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ ، وَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ، كَالدَّلَائِلِ لِلْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ وَصَاحِبِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيِّ ، وَأَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيِّ الْإِمَامِ الْحَافِظِ وَغَيْرِهِمْ بِمَا هُوَ مَشْهُورٌ ، وَأَحْسَنُهَا كِتَابُ الْبَيْهَقِيِّ ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَلَيْنَا بِإِكْرَامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ ) هُوَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ . قَوْلُهُ : ( رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا ) هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالْمِيمِ أَيْ رَأَيْتُهُ ضَامِرَ الْبَطْنِ مِنَ الْجُوعِ . قَوْلُهُ : ( فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي ) أَيِ انْقَلَبْتُ وَرَجَعْتُ ، وَوَقَعَ فِي نُسَخٍ ( فَانْكَفَيْتُ ) وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ فِي اللُّغَةِ ، بَلِ الصَّوَابُ ( انْكَفَأْتُ بِالْهَمْزِ ) . قَوْلُهُ : ( فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا ) وَهُوَ وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ مَعْرُوفٍ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا ، الْكَسْرُ أَشْهَرُ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ . قَوْلُهُ : ( وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ ) هِيَ بِضَمِّ الْبَاءِ تَصْغِيرُ ( بَهِيمَةٍ ) ، وَهِيَ الصَّغِيرَةُ مِنْ أَوْلَادِ الضَّأْنِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَتُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، كَالشَّاةِ وَالسَّخْلَةِ الصَّغِيرَةِ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ ، وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا أَنَّ الدَّاجِنَ مَا أَلِفَ الْبُيُوتَ . قَوْلُهُ : ( فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ) فِيهِ : جَوَازُ الْمُسَارَرَةِ بِالْحَاجَةِ بِحَضْرَةِ الْجَمَاعَةِ ، وَإِنَّمَا نهي أَنْ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا فَحَيَّ هَلَا بِكُمْ ) أَمَّا ( السُّورُ ) فَبِضَمِّ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ ، وَهُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُدْعَى إِلَيْهِ ، وَقِيلَ : الطَّعَامُ مُطْلَقًا ، وَهِيَ لَفْظَةٌ فَارِسِيَّةٌ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَلْفَاظِ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ ، فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ . وَأَمَّا ( حَيَّ هَلًا ) بِتَنْوِينِ ( هَلَا ) وَقِيلَ : بِلَا تَنْوِينٍ عَلَى وَزْنِ عَلَا ، وَيُقَالُ : ( حَيْ هَلْ ) فَمَعْنَاهُ : عَلَيْكَ بِكَذَا أَوِ ادْعُ بِكَذَا ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : أَعْجِلْ بِهِ ، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : مَعْنَاهُ هَاتِ وَعَجِّلْ بِهِ . قَوْلُهُ : ( وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْدُمُ النَّاسَ ) إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُمْ فَجَاؤوا تَبَعًا لَهُ كَصَاحِبِ الطَّعَامِ إِذَا دَعَا طَائِفَةً يَمْشِي قُدَّامَهُمْ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَالِ لَا يَتَقَدَّمُهُمْ ، وَلَا يُمَكِّنُهُمْ مِنْ وَطْءِ عَقِبَيْهِ ، وَفَعَلَهُ هُنَا لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ : بِكَ وَبِكَ ) أَيْ ذَمَّتْهُ وَدَعَتْ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : بِكَ تَلْحَقُ الْفَضِيحَةُ ، وَبِكَ يَتَعَلَّقُ الذَّمُّ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : جَرَى هَذَا بِرَأْيِكَ وَسُوءِ نَظَرِكَ وَتَسَبُّبِكَ . قَوْلُهُ : ( قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لِي ) مَعْنَاهُ : أَنَّى أَخْبَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا عِنْدَنَا فَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمَصْلَحَةِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا ، وَبَارَكَ ، ثُمَّ قَالَ : ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ وَهِيَ ( ادْعِي ) وَقَعَتْ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ ، هَكَذَا ( ادْعِي ) بِعَيْنٍ ثُمَّ يَاءٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الظَّاهِرُ ؛ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمَرْأَةِ ، وَلِهَذَا قَالَ : فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ ) وَفِي بَعْضِهَا ( ادْعُونِي ) بِوَاوٍ وَنُونٍ ، وَفِي بَعْضِهَا ( ادْعُنِي ) وَهُمَا أَيْضًا صَحِيحَانِ ، وَتَقْدِيرُهُ : اطْلُبُوا ، وَاطْلُبْ لِي خَابِزَةً . وَقَوْلُهُ : ( عَمَدَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ . قَوْلُهُ : ( بَصَقَ ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( بَسَقَ ) وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ، وَالْمَشْهُورُ : بَصَقَ وَبَزَقَ ، وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ : بَسَقَ ، لَكِنَّهَا قَلِيلَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ ) أَيِ اغْرِفِي ، وَالْقَدَحُ : الْمِغْرَفَةُ ، يُقَالُ : قَدَحْتُ الْمَرَقَ أَقْدَحُهُ ـ بِفَتْحِ الدَّالِ ـ غَرَفْتُهُ . قَوْلُهُ : ( وَهُمْ أَلْفٌ ، فَأَقْسَمَ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا ، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَتَنَا لَتُخْبَزُ كَمَا هُوَ ) قَوْلُهُ : ( تَرْكُوهُ وَانْحَرَفُوا ) أَيْ شَبِعُوا وَانْصَرَفُوا ، وَقَوْلُهُ : ( تَغِطُّ ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ ، أَيْ تَغْلِي ، وَيُسْمَعُ غَلَيَانُهَا ، وَقَوْلُهُ : ( كَمَا هُوَ ) يَعُودُ إِلَى الْعَجِينِ . وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَمَيْنِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ : أَحَدَهُمَا : تَكْثِيرُ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ ، وَالثَّانِي : عِلْمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ هَذَا الطَّعَامَ الْقَلِيلَ الَّذِي يَكْفِي فِي الْعَادَةِ خَمْسَةَ أَنْفُسٍ أَوْ نَحْوَهُمْ سَيَكْثُرُ فَيَكْفِي أَلْفًا وَزِيَادَةً ، فَدَعَا لَهُ أَلْفًا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ صَاعُ شَعِيرٍ وَبُهَيْمَةٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب جَوَازِ اسْتِتْبَاعِهِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ بِرِضَاهُ بِذَلِكَ وَبِتَحَقُّقِهِ تَحَقُّقًا تَامًّا وَاسْتِحْبَابِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ · ص 186 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب جعل الله تعالى قليل الطعام كثيرا ببركة رسول الله · ص 307 ( 8 ) باب جعل الله تعالى قليل الطعام كثيرا ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر كثير من آداب الأكل 2039 - [1924] عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قال : لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي قد رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا. فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ، قَالَ: فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، فَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ، قَالَ: فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنَتْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ ونَفَر مَعَكَ. فَصَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا، فَحَيَّهَلًا بِكُمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ. فَجِئْتُ ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْدَمُ النَّاسَ ، حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لِي، فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينَتَنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهَا. وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيخْبَزُ كَمَا هُوَ . ( 8 ) ومن باب : جعل قليل الطعام كثيرًا ببركة النبي - صلى الله عليه وسلم - ( الخمص ) : الجوع ، وأصله : من خمص البطن ، وهو : ضموره ، ولما كان الجوع يضمر البطن سُمِّي به . و( البهيمة ) الصغيرة من الضأن ، تصغير : بهمة . والجمع : بهم . و( الدَّاجن ) : الملازم للبيت ، ودجن في كذا ؛ أي : أقام فيه . و( قوله : انكفأت إلى أهلي ) أي : انقلبت إليهم ، وانصرفت . و( الجراب ) : وعاء من جلد . و( قوله : إن جابرًا قد صنع لكم سورًا ) أي : اتخذ طعامًا لدعوة الناس . كلمة فارسية . قاله الطبري وغيره . وقال غيرهما : هو الطعام نفسه بالفارسية . و( قوله : حيَّهلا بكم ) أي : أقبلوا وهلمُّوا . قال الهروي : ( حي ) كلمة على حدة ، ومعناها : هلمّ ، و( هلا ) : كلمة على حدة ، فجُعِلا كلمة واحدة . قال غيره : وفيها لغات ، يقال : حي هل ، وهل ، وهلى ، وهلا ، وحي هل ، وحي هل - بسكونهما - . وحكى أبو عبيدة : حيهلك ، وهي التي يقال فيها : حي على بمعنى . وهي عند أبي عبيدة بمعنى : عليك بكذا ؛ أي : ادع به . و( قولها : بك وبك ) عتب عتبت عليه ، وكأنها قالت له : فعلت هذا برأيك ، وسوء نظرك . تعني : دعاءه للناس كلهم ، وظنَّت أنه لم يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدر الطعام . ويحتمل أن يكون معناه : بك تنزل الفضيحة ، وبك يقع الخجل . ويحتمل أن يكون دعاء ؛ أي : أوقع الله بك الفضيحة ، أو الخجل ، ونحو هذا . و( قوله : فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدم الناس ) هذا منه - صلى الله عليه وسلم - مخالفٌ للذي نقل من سيرته مع أصحابه : أنه كان لا يتقدمهم ، ولا يوطأ عقبه ؛ وإنما كان يمشي بين أصحابه ، أو يقدمهم . وإنَّما تقدمهم في هذا الموضع لأنه هو الذي دعاهم ، فكان دليلهم إلى الموضع الذي دعاهم إليه . و( قوله : وبارك فيها ) أي : دعا بالبركة ، فاستجيب له على الفور ، وظهرت معجزاته وبركاته لما أكل من الصاع الشعير والبهمة ذلك العدد الكثير ، ثم بقي الطعام على حاله كما كان أوَّل مرة . وعلى هذا : لو كانوا مائة ألف لكفاهم . وغطيط القدر : صوت فورانها .