باب جعل الله تعالى قليل الطعام كثيرا ببركة رسول الله
( 8 ) باب جعل الله تعالى قليل الطعام كثيرا ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر كثير من آداب الأكل 2039 - [1924] عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قال : لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي قد رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا . فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ، قَالَ: فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، فَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ، قَالَ: فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنَتْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ ونَفَر مَعَكَ . فَصَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا، فَحَيَّهَلًا بِكُمْ .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ . فَجِئْتُ ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْدَمُ النَّاسَ ، حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لِي، فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينَتَنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهَا . وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيخْبَزُ كَمَا هُوَ .
ج٥ / ص٣٠٨( 8 ) ومن باب : جعل قليل الطعام كثيرًا ببركة النبي - صلى الله عليه وسلم - ( الخمص ) : الجوع ، وأصله : من خمص البطن ، وهو : ضموره ، ولما كان الجوع يضمر البطن سُمِّي به . و( البهيمة ) الصغيرة من الضأن ، تصغير : بهمة . والجمع : بهم .
و( الدَّاجن ) : الملازم للبيت ، ودجن في كذا ؛ أي : أقام فيه . و( قوله : انكفأت إلى أهلي ) أي : انقلبت إليهم ، وانصرفت . و( الجراب ) : وعاء من جلد .
و( قوله : إن جابرًا قد صنع لكم سورًا ) أي : اتخذ طعامًا لدعوة الناس . كلمة فارسية . قاله الطبري وغيره .
وقال غيرهما : هو الطعام نفسه بالفارسية . و( قوله : حيَّهلا بكم ) أي : أقبلوا وهلمُّوا . قال الهروي : ( حي ) كلمة على ج٥ / ص٣٠٩حدة ، ومعناها : هلمّ ، و( هلا ) : كلمة على حدة ، فجُعِلا كلمة واحدة .
قال غيره : وفيها لغات ، يقال : حي هل ، وهل ، وهلى ، وهلا ، وحي هل ، وحي هل - بسكونهما - . وحكى أبو عبيدة : حيهلك ، وهي التي يقال فيها : حي على بمعنى . وهي عند أبي عبيدة بمعنى : عليك بكذا ؛ أي : ادع به .
و( قولها : بك وبك ) عتب عتبت عليه ، وكأنها قالت له : فعلت هذا برأيك ، وسوء نظرك . تعني : دعاءه للناس كلهم ، وظنَّت أنه لم يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدر الطعام . ويحتمل أن يكون معناه : بك تنزل الفضيحة ، وبك يقع الخجل .
ويحتمل أن يكون دعاء ؛ أي : أوقع الله بك الفضيحة ، أو الخجل ، ونحو هذا . و( قوله : فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدم الناس ) هذا منه - صلى الله عليه وسلم - مخالفٌ للذي نقل من سيرته مع أصحابه : أنه كان لا يتقدمهم ، ولا يوطأ عقبه ؛ وإنما كان يمشي بين أصحابه ، أو يقدمهم . وإنَّما تقدمهم في هذا الموضع لأنه هو الذي دعاهم ، فكان دليلهم إلى الموضع الذي دعاهم إليه .
و( قوله : وبارك فيها ) أي : دعا بالبركة ، فاستجيب له على الفور ، وظهرت معجزاته وبركاته لما أكل من الصاع الشعير والبهمة ذلك العدد الكثير ، ثم بقي الطعام على حاله كما كان أوَّل مرة . وعلى هذا : لو كانوا مائة ألف لكفاهم . وغطيط القدر : صوت فورانها .