باب من اشتد جوعه تعين عليه أن يرتاد ما يرد به جوعه
( 7 ) باب من اشتد جوعه تعين عليه أن يرتاد ما يرد به جوعه 2038 - [1923] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ: وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا . فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْنَ فُلَانٌ ؟ قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنْ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي .
قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ . وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ . فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلُوا مِنْ الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ .
ج٥ / ص٣٠٥( 7 ) ومن باب : من اشتد جوعه تعين عليه أن يرتاد لنفسه ( قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وعمر : ما أخرجكما من بيوتكما ؟ ) قالا : الجوع . قال : ( وأنا أخرجني الذي أخرجكما ) هذا يدلّ على شدَّة حالهم في أوَّل أمرهم . وسبب ذلك : أن أهل المدينة كانوا في شظف من العيش عندما قدم عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - مع المهاجرين ، وكان المهاجرون فرُّوا بأنفسهم ، وتركوا أموالهم ، وديارهم ، فقَدِموا فقراء على أهل شدَّة ، وحاجة ، مع أن الأنصار - رضي الله عنهم - واسوهم فيما كان عندهم ، وشركوهم فيما كان لهم ، ومنحوهم ، وهادوهم ، غير أن ذلك ما كان يسدُّ خلاَّتهم ، ولا يرفع فاقاتهم ، مع إيثارهم الضراء على السراء ، والفقر على الغنى .
ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن فتح الله عليهم وادي القرى ، وخيبر ، وغير ذلك ؛ فردُّوا لهم منائحهم ، واستغنوا بما فتح الله عليهم . ومع ذلك فلم يزل عيشهم شديدًا ، وجهدهم جهيدًا حتَّى لقوا الله تعالى مؤثرين بما عندهم ، صابرين على شدَّة عيشهم ، معرضين عن الدنيا وزهرتها ولذاتها . مقبلين على الآخرة ، ونعيمها ، وكراماتها ، فحماهم الله ما رغبوا عنه ، وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه .
حشرنا الله في زمرتهم ، واستعملنا بسنَّتهم . و( قوله : قوموا ) أمرٌ بالقيام لطلب العيش عند الحاجة . وهو دليل ما ج٥ / ص٣٠٦رسمناه في الترجمة ، وهذا الرجل الأنصاري هو : أبو الهيثم بن التَّيهان على ما جاء مفسَّرًا في رواية أخرى .
واسمه : مالك بن التَّيهان . قاله أبو عمر . و( قولها : يستعذب لنا ماء ) أي : يطلب الماء العذب .
وفيه دليلٌ على جواز الميل للمستطابات طبعًا من الماء وغيره . و( قول الرجل : الحمد لله ، ما أحدٌ اليوم أكرم أضيافًا منِّي ) قولٌ صدق ، ومقالٌ حق ؛ إذ لم تقل الأرض ، ولا أظلَّت السَّماء في ذلك الوقت أفضل من أضيافه ؛ فإنَّهم : محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وخليفتاه : أبو بكر ، وعمر . ولما تحقق الرجل عظيم هذه النعمة قابلها بغاية مقدور الشكر ، فقال : الحمد لله ! و( العِذق )- بكسر العين - : الكباسة ، وهي : العرجون .
و( العذق ) - بفتح العين - : النخلة . وإنما قدَّم لهم هذا العرجون ؛ لأنَّه الذي تيسَّر له بغير كلفة ، لا سيما مع تحققه حاجتهم ، ولأن فيه ألوانًا من التمر ، والبسر ، والرطب ، ولأن الابتداء بما يتفكه به من الحلاوة أولى من حيث إنه أقوى للمعدة ؛ لأنَّه أسرع هضمًا . و( المدية ) : السكين .
و( الحلوب )- بفتح الحاء - : الشاة التي تحلب لبنًا كثيرًا . وإنَّما نهاه عنها ؛ لأنَّ ذبحها تضييعٌ للبنها ، مع أن غير ذات اللبن تتنزل منزلتها عند الضيف ، ويحصل بها المقصود . ج٥ / ص٣٠٧و( قوله : فأكلوا من تلك الشاة ، ومن ذلك العذق ) دليلٌ على جواز جمع طعامين فأكثر على مائدة .
و( قوله : حتى شبعوا ، ورووا ) دليل على جواز الشبع من الحلال . وما جاء مما يدلُّ على كراهة الشبع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعن السلف : إنما ذلك في الشبع المثقل للمعدة ، المبطئ بصاحبه عن الصلوات ، والأذكار ، المضرُّ للإنسان بالتخم ، وغيرها ؛ الذي يفضي بصاحبه إلى البطر ، والأشر ، والنوم ، والكسل . فهذا هو المكروه .
وقد يلحق بالْمُحرَّم إذا كثرت آفاته ، وعمَّت بليَّاته . والقسطاس المستقيم ما قاله مَنْ عليه الصلاة والتسليم : ( ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ؛ فإنَّ كان ولا بدَّ : فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه ) . و( قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لتُسألُنَّ عن نعيم هذا اليوم ) أي : سؤال عرض لا سؤال مناقشة ، وسؤال إظهار التفضل والمنن ، لا سؤالا يقتضي المعاتبة ، والمحن .
و( النعيم ) : كل ما يتنعم به ؛ أي : يستطاب ، ويتلذذ به . وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا استخراجًا للشكر على النعم ، وتعظيمًا لذلك . والله تعالى أعلم .