39 - كتاب السلام [ 1 ] 2160 - حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ح . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ . كِتَابُ السَّلَامِ ( 1 ) بَابُ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ هَذَا أَدَبٌ مِنْ آدَابِ السَّلَامِ . وَاعْلَمْ أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ سُنَّةٌ ، وَرَدُّهُ وَاجِبٌ ، فَإِنْ كَانَ الْمُسَلِّمُ جَمَاعَةً فَهُوَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّهِمْ ، إِذَا سَلَّمَ بَعْضُهُمْ حَصَلَتْ سُنَّةُ السَّلَامِ فِي حَقِّ جَمِيعِهِمْ ، فَإِنْ كَانَ الْمُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الرَّدُّ ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً كَانَ الرَّدُّ فَرْضَ كِفَايَةٍ فِي حَقِّهِمْ ، فَإِذَا رَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْجَمِيعُ بِالسَّلَامِ ، وَأَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعُ . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعُ . وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ سُنَّةٌ ، وَأَنَّ رَدَّهُ فَرْضٌ ، وَأَقَلُّ السَّلَامِ أَنْ يَقُولَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا فَأَقَلُّهُ السَّلَامُ عَلَيْكَ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ لِيَتَنَاوَلَهُ وَمَلَكَيْهِ ، وَأَكْمَلُ مِنْهُ أَنْ يَزِيدَ وَرَحْمَة اللَّهِ ، وَأَيْضًا وَبَرَكَاتُهُ ، وَلَوْ قَالَ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَجْزَأَهُ . وَاسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ لِزِيَادَةِ : وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ سَلَامِ الْمَلَائِكَةِ بَعْدَ ذِكْرِ السَّلَامِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَبِقَوْلِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ فِي التَّشَهُّدِ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ . وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَدِي : عَلَيْكُمُ السَّلَامُ ، فَإِنْ قَالَهُ اسْتَحَقَّ الْجَوَابَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ ، وَقِيلَ : لَا يَسْتَحِقُّهُ ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ ؛ فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا صِفَةُ الرَّدِّ فَالْأَفْضَلُ وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَقُولَ : وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، فَيَأْتِي بِالْوَاوِ ، فَلَوْ حَذَفَهَا جَازَ ، وَكَانَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى : وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ ، أَوْ عَلَى : عَلَيْكُمُ السَّلَامُ أَجْزَأَهُ ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى : عَلَيْكُمْ لَمْ يَجْزِهِ ، بِلَا خِلَافٍ ، وَلَوْ قَالَ : وَعَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ فَفِي إِجْزَائِهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا . قَالُوا : وَإِذَا قَالَ الْمُبْتَدِي : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، أَوِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَالَ الْمُجِيبُ مِثْلُهُ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، أَوِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، كَانَ جَوَابًا وَأَجْزَأَهُ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ وَلَكِنْ بِالْأَلْفِ وَاللَّامِ أَفْضَلُ . وَأَقَلُّ السَّلَامِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا أَنْ يُسْمِعَ صَاحِبَهُ ، وَلَا يُجْزِئُهُ دُونَ ذَلِكَ ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الرَّدِّ عَلَى الْفَوْرِ ، وَلَوْ أَتَاهُ سَلَامٌ مِنْ غَائِبٍ مَعَ رَسُولٍ أَوْ فِي وَرَقَةٍ وَجَبَ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ ، وَقَدْ جَمَعْتُ فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ نَحْوَ كُرَّاسَتَيْنِ فِي الْفَوَائِدِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسَّلَامِ ، وَهَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ مِنْ تَسْلِيمِ الرَّاكِبِ عَلَى الْمَاشِي ، وَالْقَائِمِ عَلَى الْقَاعِدِ ، وَالْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِيرِ ، وَفِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ : وَالصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ ، كُلُّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ ، فَلَوْ عَكَسُوا جَازَ ، وَكَانَ خِلَافَ الْأَفْضَلِ . وَأَمَّا مَعْنَى السَّلَامِ فَقِيلَ : هُوَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى ، فَقَوْلِهِ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيِ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكَ ، وَمَعْنَاهُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَيْ أَنْتَ فِي حِفْظِهِ كَمَا يُقَالُ : اللَّهُ مَعَكَ ، وَاللَّهُ يَصْحَبُكَ . وَقِيلَ : السَّلَامُ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ ، أَيِ السَّلَامَةُ مُلَازِمَةٌ لَكَ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ · ص 315 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب نظرة الفجأة وتسليم الراكب على الماشي وحق الطريق · ص 483 ( 2160 ) - [2069] وعن أَبي هُرَيْرَةَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يُسلِّم الراكب على الماشي ، والماشي على القاعد ، والقليل على الكثير ) قد تقدَّم الأمر بالسلام ، وبإفشائه في كتاب الإيمان ، ولا خلاف بين العلماء في أن الابتداء بالسلام سُنَّة ، وأن الرد واجب ، قاله أبو محمد عبد الوهاب . وقال أبو عمر بن عبد البر : أجمع العلماء : على أنَّ الابتداء بالسَّلام سُنَّة والردُّ فريضة . غير أن أبا عبد الله المازري قال : الابتداء بالسَّلام سُنَّة والردُّ واجب في المشهور ؛ فإذا ردَّ واحدٌ من الجماعة أجزأ عنهم ، ثمَّ إن الناس في الابتداء بالسَّلام إما أن تتساوى أحوالهم ، أو تتفاوت . فإن تساوت فخيرهم الذي يبدأ صاحبه بالسلام : كالماشي على الماشي ، والراكب على الراكب ، غير أن الأولى مبادرة ذوي المراتب الدينية ، كأهل العلم ، والفضل احترامًا لهم ، وتوقيرًا ، وأما ذوي المراتب الدنيوية المحضة فإنَّ سلَّموا يردَّ عليهم ، وإن ظهر عليهم إعجاب ، أو كبر فلا يُسلَّم عليهم ؛ لأنَّ ذلك معونة لهم على المعصية ، وإن لم يظهر ذلك عليهم جاز أن يُبدؤوا بالسَّلام ، وابتداؤهم هم بالسلام أولى بهم ؛ لأنَّ ذلك يدلّ على تواضعهم ، وإن تفاوتت فالحكم فيها على ما يقتضيه هذا الحديث ، فيبدأ الراكب بالسَّلام على الماشي لعلوِّ مرتبته ؛ لأنَّ ذلك أبعد له من الزهو . وأمَّا الماشي : فقد قيل فيه مثل ذلك ، وفيه بُعد ؛ إذ الماشي لا يزهى بمشيه غالبًا . وقيل : هو معلل : بأن القاعد قد يقع له خوف من الماشي ؛ فإذا بدأه بالسَّلام أمن من ذلك ، وهذا أيضًا بعيد ؛ إذ لا خصوصية للخوف بالقاعد ، فقد يخاف الماشي من القاعد ، وأشبه من هذا أن يقال : إن القاعد على حال وقار وثبوت وسكون ، فله مزيَّة على الماشي بذلك ؛ لأنَّ حاله على العكس من ذلك . وأما ابتداء القليل بالسَّلام على الكثير فمراعاة لشرفية جمع المسلمين وأكثريتهم . وقد زاد البخاري في هذا الحديث : ( ويسلم الصغير على الكبير ) وهذه المعاني التي تكلَّف العلماء إبرازها هي حكم تناسب المصالح المحسِّنة والمكمِّلة ، ولا نقول : إنها نصبت نصب العلل الواجبة الاعتبار ، حتى لا يجوز أن يعدل عنها ، فنقول : إن ابتداء القاعد للماشي غير جائز ، وكذلك ابتداء الماشي الراكب ، بل يجوز ذلك ؛ لأنَّه مُظهر للسَّلام ، ومفشٍ له كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : ( أفشوا السَّلام بينكم ) ، وبقوله : ( إذا لقيت أخاك فسلم عليه ) وإذا تقرر هذا فكل واحد من الماشي والقاعد مأمور بأن يسلِّم على أخيه إذا لقيه ، غير أن مراعاة تلك المراتب أولى ، والله أعلم . ثم هذا السَّلام المأمور به ، وهو أن يقول : السَّلام عليكم ، أو : سلامٌ عليكم ؛ إذ قد جاء اللفظان في الكتاب والسنة . والسلام في الأصل بمعنى : السلامة ، كاللذاذ واللذاذة ، كما قال تعالى : فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ أي : فسلامةٌ ؛ فعلى هذا يكون معنى قول المسلم ( سلام عليك ) أي : سلامةٌ لك مني وأمان ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : ( السلام أمان لذمتنا ، وتحيَّة لملتنا ) والسَّلام أيضًا : اسم من أسماء الله تعالى ، كما قال تعالى : السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ ومعناه في حق الله تعالى : أنه المنزه عن النقائص والآفات التي تجوز على خلقه . وعلى هذا : فيكون معنى قول المسلم : السلام عليك ؛ أي : الله مطلع عليك ، وناظر إليك ، فكأنَّه يذكره باطلاع الله تعالى ، ويخوفه به ليأمن منه ، ويُسلِّمُه من شرِّه ، فإذا دخلت الألف واللام على المعنى الأول كان معناه : السلامة كلها لك مني ، وإذا أدخلت على اسم الله تعالى : كانت تفخيمًا وتعظيمًا ؛ أي : الله العظيم السليم من النقائص ، والآفات ، المسلِّم لمن استجار به من جميع المخلوقات . ويقال في السَّلام : سِلْمٌ - بكسر السين - قال الشاعر : وقفنا فقُلنا إيهِ سِلْمًا فسلَّمَت كما انْكَلَّ بالبَرْقِ الغَمَامُ اللَّوائِحُ ولا يقل المبتدئ : عليك السَّلام ، لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فيما رواه النِّسائي ، وأبو داود من حديث جابر بن سليم قال : لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : عليك السَّلام ، يا رسول الله ! فقال : ( عليك السلام تحية الميت ، السلام عليك - ثلاثا - ) أي : هكذا فقل . و ( قوله : عليك السَّلام تحيَّة الْمَيِّت ) يعني أنه الأكثر في عادة الشعراء ، كما قال : عليك سلام الله قيسُ بن عاصمٍ ورَحْمَتُه ما شاء أن يَتَرحَّما لا أن ذلك اللفظ هو المشروع في حق الموتى ؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - قد سلَّم على الموتى ، كما سلَّم على الأحياء ، فقال : ( السَّلام عليكم دار قومٍ مؤمنين ) ويتأكد تقديم لفظ السَّلام إذا تنزلنا على أن اسم السَّلام من أسماء الله تعالى ، فإنَّ أسماءه تعالى أحقُّ بالتقديم . وأما الرادُّ : فالواجب عليه أن يردَّ ما سمعه ، والمندوب أن يزيد إن بقَّى له المبتدئ ما يزيد ، فلو انتهى المبتدئ بالسلام إلى غايته ؛ التي هي : السَّلام عليك ورحمة الله وبركاته ؛ لم يزد الرادُّ على ذلك شيئًا ؛ لأنَّ السلام انتهى إلى البركة ، كما قال عبد الله بن عباس . وقد أنكر عبد الله بن عمر على من زاد على ذلك شيئًا ، وهذا كلُّه مستفادٌ من قوله تعالى : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا أي : يحاسب على الأقوال كما يحاسب على الأفعال .