[ 34 ] 2182 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ الْهَمْدَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ : تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ ، وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ ، وَلَا مَمْلُوكٍ ، وَلَا شَيْءٍ غَيْرَ فَرَسِهِ قَالَتْ : فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ ، وَأَكْفِيهِ مَئُونَتَهُ ، وَأَسُوسُهُ وَأَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ ، وَأَعْلِفُهُ ، وَأَسْتَقِي الْمَاءَ ، وَأَخْرُزُ غَرْبَهُ ، وَأَعْجِنُ وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ ، وَكَانَ يَخْبِزُ لِي جَارَاتٌ لي مِنْ الْأَنْصَارِ وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ قَالَتْ : وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِي ، وَهِيَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ قَالَتْ : فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ : إِخْ إِخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ قَالَتْ : فَاسْتَحْيَيْتُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ قَالَتْ : حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَتْنِي . ( 14 ) بَاب جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ قَوْلُهُ ( عَنْ أَسْمَاءَ إِنَّهَا كَانَتْ تَعْلِفُ فَرَسَ زَوْجِهَا الزُّبَيْرِ ، وَتَكْفِيهِ مُؤْنَتَهُ ، وَتَسُوسُهُ ، وَتَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ ، وَتَعْلِفُهُ ، وَتَسْتَقِي الْمَاءَ ، وَتَعْجِنُ ) هَذَا كُلُّهُ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَالْمُرُوءاتِ الَّتِي أَطْبَقَ النَّاسُ عَلَيْهَا ، وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَخْدُمُ زَوْجَهَا بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْخَبْزِ وَالطَّبْخِ وَغَسْلِ الثِّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَكُلُّهُ تَبَرُّعٌ مِنَ الْمَرْأَةِ وَإِحْسَانٌ مِنْهَا إِلَى زَوْجِهَا وَحُسْنُ مُعَاشَرَةٍ وَفِعْلُ مَعْرُوفٍ مَعَهُ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ لَوِ امْتَنَعَتْ مِنْ جَمِيعِ هَذَا لَمْ تَأْثَمْ ، وَيَلْزَمُهُ هُوَ تَحْصِيلُ هَذِهِ الْأُمُورِ لَهَا ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ إِلْزَامُهَا بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا ، وَإِنَّمَا تَفْعَلُهُ الْمَرْأَةُ تَبَرُّعًا ، وَهِيَ عَادَةٌ جَمِيلَةٌ اسْتَمَرَّ عَلَيْهَا النِّسَاءُ مِنَ الزَّمَنِ الْأَوَّلِ إِلَى الْآنَ ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ شَيْئَانِ : تَمْكِينُهَا زَوْجَهَا مِنْ نَفْسِهَا ، وَمُلَازَمَةُ بَيْتِهِ . قَوْلُهَا : ( وَأَخْرُزُ غَرْبَهُ ) هُوَ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ، وَهُوَ الدَّلْوُ الْكَبِيرُ . قَوْلُهَا : ( وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِي ، وَهُوَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ : أَقَطَعَهُ إِذَا أَعْطَاهُ قَطِيعَةً ، وَهِيَ قِطْعَةُ أَرْضٍ ، سُمِّيَتْ قَطِيعَةً لِأَنَّهَا اقْتَطَعَهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْضِ . وَقَوْلُهُ : ( عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ ) أَيْ مِنْ مَسْكَنِهَا بِالْمَدِينَةِ ، وَأَمَّا الْفَرْسَخُ فَهُوَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ ، وَالْمِيلُ سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ ، وَالذِّرَاعُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا مُعْتَرِضَةٌ مُعْتَدِلَةٌ ، وَالْأُصْبُعُ سِتُّ شَعِيرَاتٍ مُعْتَرِضَاتٍ مُعْتَدِلَاتٍ . وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِجَوَازِ إِقْطَاعِ الْإِمَامِ . فَأَمَّا الْأَرْضُ الْمَمْلُوكَةُ لِبَيْتِ الْمَالِ فَلَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ إِلَّا بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ ، ثُمَّ تَارَةً يَقْطَعُ رَقَبَتَهَا ، وَيَمْلِكُهَا الْإِنْسَانُ يَرَى فِيهِ مَصْلَحَةً ، فَيَجُوزُ ، وَيَمْلِكُهَا كَمَا يَمْلِكُ مَا يُعْطِيهِ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَغَيْرِهَا إِذَا رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً ، وَتَارَةً يَقْطَعُهُ مَنْفَعَتُهَا ، فَيَسْتَحِقُّ الِانْتِفَاعَ بِهَا مُدَّةَ الْإِقْطَاعِ . وَأَمَّا الْمَوَاتُ فَيَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ إِحْيَاؤُهُ ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنِ الْإِمَامِ . هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُمْلَكُ الْمَوَاتَ بِالْإِحْيَاءِ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ . وَأَمَّا قَوْلُهَا : ( وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ ) فَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَلْتَقِطُهُ مِنَ النَّوَى السَّاقِطِ فِيهَا مِمَّا أَكَلَهُ النَّاسُ وَأَلْقَوْهُ قَالَ : فَفِيهِ جَوَازُ الْتِقَاطِ الْمَطْرُوحَاتِ رَغْبَةً عَنْهَا كَالنَّوَى ، وَالسَّنَابِلِ ، وَخِرَقِ الْمَزَابِلِ ، وَسُقَاطَتِهَا ، وَمَا يَطْرَحُهُ النَّاسُ مِنْ رَدِيءِ الْمَتَاعِ ، وَرَدِيءِ الْخُضَرِ ، وَغَيْرِهَا مِمَّا يُعْرَفُ أَنَّهُمْ تَرَكُوهُ رَغْبَةً عَنْهُ ، فَكُلُّ هَذَا يَحِلُّ الْتِقَاطُهُ ، وَيَمْلِكُهُ الْمُلْتَقِطُ ، وَقَدْ لَقَطَهُ الصَّالِحُونَ وَأَهْلُ الْوَرَعِ ، وَرَأَوْهُ مِنَ الْحَلَالِ الْمَحْضِ ، وَارْتَضَوْهُ لِأَكْلِهِمْ وَلِبَاسِهِمْ . قَوْلُهَا : ( فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَدَعَانِي وَقَالَ : إِخْ إِخْ لِيَحْمِلنِي خَلْفَهُ ، فَاسْتَحْيَيْتُ ، وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ ) أَمَّا لَفْظَةُ إِخْ إِخْ فَهِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِلْبَعِيرِ لِيَبْرُكَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الْإِرْدَافِ عَلَى الدَّابَّةِ إِذَا كَانَتْ مُطِيقَةً ، وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي مَوَاضِعِهَا . وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَرَحْمَتُهُمْ وَمُوَاسَاتُهُمْ فِيمَا أَمْكَنَهُ . وَفِيهِ جَوَازُ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَحْرَمًا إِذَا وُجِدَتْ فِي طَرِيقٍ قَدْ أَعْيَتْ ، لَا سِيَّمَا مَعَ جَمَاعَةِ رِجَالٍ صَالِحِينَ ، وَلَا شَكَّ فِي جَوَازِ مِثْلِ هَذَا . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هَذَا خَاصٌّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، فَقَدْ أَمَرَنَا بِالْمُبَاعَدَةِ مِنْ أَنْفَاسِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَكَانَتْ عَادَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَاعَدَتُهُنَّ لِتَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّتُهُ ، قَالَ : وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ خُصُوصِيَّةً لَهُ لِكَوْنِهَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ، وَأُخْتَ عَائِشَةَ ، وَامْرَأَةَ الزُّبَيْرِ ، فَكَانَتْ كَإِحْدَى أَهْلِهِ وَنِسَائِهِ ، مَعَ مَا خُصَّ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمْلَكُ لِإِرْبِهِ . وَأَمَّا إِرْدَافُ الْمَحَارِمِ فَجَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ بِكُلِّ حَالٍ . قَوْلُهَا : ( أَرْسَلَ إِلَيَّ بِخَادِمٍ ) أَيْ جَارِيَةٍ تَخْدُمُنِي ، يُقَالُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى خَادِمٌ بِلَا هَاءٍ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ · ص 337 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها وفرسه لا يغض من قدرها · ص 516 ( 18 ) باب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها وفرسه ؛ لا يغض من قدرها ( 2182 ) ( 34 ) - [2092] عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ : تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا شَيْءٍ غَيْرَ فَرَسِهِ ، قَالَتْ : فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ ، وَأَكْفِيهِ مَئُونَتَهُ ، وَأَسُوسُهُ ، وَأَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ ، وَأَعْلِفُهُ ، وَأَسْتَقِي الْمَاءَ ، وَأَخْرُزُ غَرْبَهُ ، وَأَعْجِنُ ، وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ ، فكَانَ يَخْبِزُ لِي جَارَاتٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ ، قَالَتْ : وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى ، مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ - الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَأْسِي ، وَهِيَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ ، قَالَتْ : فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي ، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ : إِخْ! إِخْ ، لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ ، قَالَتْ : فَاسْتَحْيَيْتُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ! لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ ، قَالَتْ : حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ ، بَعْدَ ذَلِكَ ، بِخَادِمٍ ، فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَتْنِي . ( 18 ) ومن باب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها ( قولها : تزوجني الزبير ، وما له في الأرض من مال ، ولا مملوك ، ولا شيء غير فرسه ) هذا يدلُّ على ما كانوا عليه من شدَّة الحال في أول الأمر ، وعلى أن المعتبر عندهم في الكفاءة إنَّما كان : الدين ، والفضل . لا المال ، والغنى ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( فعليك بذات الدين تربت يداك ) وإنما كان ذلك ؛ لأنَّ القوم كانت مقاصدهم في النكاح التعاون على الدِّين ، وتكثير أمة محمد خاتم النبيين ، ولأنهم علموا : أن المال ظِلٌ زائل ، وسحابٌ حائل ، وأن الفضل باقٍ إلى يوم التلاق . فأمَّا اليوم : فقد انعكست الحال ، وعدل الناس عن الواجب إلى المحال . وقولها : ( فكنت أعلف فرسه ، وأكفيه مؤونته . . . ) إلخ الكلام ؛ فيه ما يدلّ : على ما كانوا عليه من تبذُّل المرأة في خدمة زوجها وييته وفرسه ، وإن كانت شريفة . لكن هذا كله فعلته متبرعة بذلك مختارة له ، راغبة لما علمت فيه من الأجر ، والثواب ، وعونًا لزوجها على البرِّ والتقوى . ولا خلاف في حسن ذلك ، ولا في أن كل ذلك ليس بواجب عليها ؛ إذ لا يجب عليها أن تخرز الغِرب ، ولا أن تخدم الفرس ، ولا أن تنقل النوى ، وإنما اختلف في خدمة بيتها من عَجْنٍ ، وطبخ ، وكنس ، وفرش ؛ فالشريفة ذات القدر ؛ التي رفع في صداقها ، لا يجب عليها أن تفعل شيئًا من ذلك ، ولا يحكم عليها به ، ولا يجب عليها عند مالك أن تأمر الخدم بذلك ، ولا تنهاهم ، وليس عليها إلا أن تمكن من نفسها . وقال بعض شيوخنا عليها أن تأمرهم ، وتنهاهم بما يصلح حال زوجها ؛ إذ لا كلفة عليها في ذلك ، ولجريان العادة بمثله في الأشراف . وفي كتاب ابن حبيب : عليها في العسر الخدمة الباطنة ، كما هي على الدنية ، وأما من ليست كذلك فيجب عليها من خدمة بيتها : ما جرت العادة بأن مثلها تفعله . ومأخذ هذا الباب عندنا النظر إلى العوائد ؛ فإنَّ الإنسان إذا تزوَّج عند قومٍ ، فالغالب أنه يبحث عن عاداتهم ، ومناشئهم ، فيعلمها ، ولا يكاد يخفى عليه حالهم . فإذا تزوَّج ممن عادتهم أن لا تخدم نساؤهم أنفسهن ، وإنَّما يخدمن ، فقد دخل على أنه يبقيها على عادتها ، ويسير بها سيرة نسائها ، فلا يحكم له عليها بشيء من ذلك . بخلاف من جرت عادتها بأن مثلها لا تخدم ، وإنما تخدم نفسها ، فإنَّه يحكم له عليها بما ذكر من خدمة بيتها ، وكذلك في رضاع الولد . فأما من يجهل حالها ، ولا يعلم عادة نسائها : فالأصل : أنها تخدم نفسها ، فيحكم عليها بذلك ، وبرضاعة الولد إلى أن يتبين أنها شريفة لها الحال ، والقدر . هذا أصل مالك ، وتفريعه ، وقد خولف في ذلك ؛ فمن الناس من لا يرى على المرأة خدمة مطلقًا . ومنهم من يرى عليها الخدمة مطلقًا ، وهو أحوط . والأحسن التفصيل الذي صار إليه مالك ، والله تعالى أعلم . و ( الغرب ) : الدلو العظيمة . وقولها : ( كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رأسي ) قيل : إن هذه الأرض المقطعة من موات البقيع ، أقطعه من ذلك حُضْرَ فرسه ، فأجراه ، ثم رمى بسوطه رغبة في الزيادة فأعطاه ذلك كله . وفي البخاري عن عروة أنه - صلى الله عليه وسلم - أقطع الزبير أرضًا من أموال بني النضير ، وليست هذه الأرض التي كانت أسماء تنقل منها النوى على رأسها ، لقولها : وهي على ثلثي فرسخ ، فالأشبه أنها الأرض التي بالبقيع كما تقدَّم في القول الأول . ففيه من الفقه ما يدل على جواز إقطاع الإمام الأرض لمن يراه من أهل الفضل ، والحاجة ، والمنفعة العامة ، كالعلماء ، والمجاهدين ، وغيرهم ، لكن تكون تلك الأرض المقطعة من موات الأرض أو من الأرض الموقوفة لمصالح المسلمين كما قدمناه في الجهاد . وفيه ما يدلُّ على جواز الاستزادة من الحلال ، وإظهار الرَّغبة فيه ، كما فعل الزبير - رضي الله عنه - ؛ حيث أجرى فرسه ، فلما وقف رمى بسوطه رغبة في الزيادة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبصر ذلك كله ، ولم ينكره عليه . وليس إقطاع الإمام تمليكًا للرقبة ، وإنما هو اختصاص بالمنفعة ، لكن لو أحيا الموات المقطع لكان للمحيي ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من أحيا أرضًا ميتة فهي له ) . وقولها : ( فلقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من أصحابه ، فدعاني ، ثم قال : إخ ، إخ ) تعني به : أنه نوَّخ ناقته ليُرْكبها عليها . و ( إخ ) - بكسر الهمزة ، وسكون الخاء - وهو صوت تُنَوَّخ به الإبل . وظاهر هذا المساق يدلّ على أنه - صلى الله عليه وسلم - عرض عليها الركوب ، فلم تركب ؛ لأنَّها استحيت ، كما قالت . وعلى هذا فلا يحتاج إلى اعتذار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ركوبها معه ، فإنَّه يحتمل أنها لو اختارت الركوب تركها راكبة وحدها ، ولا يكون فيه من حيث هذا اللفظ دليل على جواز ركوب اثنين على بعير ، فتأمله . وقولها : ( وعرفت غيرتك ) تعني : ما جبل عليه من الغيرة ، وإلا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يغار لأجله ، كما قال عمر - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ( وعليك أغار يا رسول الله ! ) حين أخبره أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى قصرًا من قصور الجنَّة فيه امرأة من نساء الجنة فقال : ( لمن أنت ؟ ) فقالت : لعمر بن الخطاب . قال - صلى الله عليه وسلم - : ( فذكرت غيرتك ) فتوقع النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريك الغيرة بحكم الجبلَّة ، وإن لم يغر لأجله . وقول الزبير : ( والله ! لحملك النوى على رأسك أشدُّ علي من ركوبك معه ) هذا يدلّ على أن الزبير لم يكلفها شيئًا من ذلك ، وإنما فعلت هي ذلك لحاجتها إلى ذلك ، وتخفيفًا عن زوجها ؛ على عادة أهل الدين والفضل الذين لا التفات عندهم لشيء من زينة الدنيا ، ولا من أحوال أهلها ، فإنَّهم كانوا لا يعيبون على أنفسهم إلا ما عابه الشرع ، فكانوا أبعد الناس منه ، وأخرج هذا القول من الزبير فرط الاستحياء المجبول عليه أهل الفضل . ويعني بذلك : أن الحياء الذي لحقه من تبذلها بحمل النوى على رأسها أشدُّ عليه من الغيرة التي كانت تلحقه عليها لو ركبت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - ليس ممن يغار على الحريم لأجله . والله تعالى أعلم . وقولها : ( حتى أرسل إلي أبو بكر - رضي الله عنه - بعد ذلك بخادم ، فكفتني سياسة الفرس ، فكأنما أعتقتني ) دليلٌ على مكارم أخلاق القوم ، فإنَّ أبا بكر - رضي الله عنه - علم ما كانت عليه ابنته من الضرر والمشقة ، ولم يطالب صهره بشيء من ذلك ، وكان مترقبًا لإزالة ذلك ، فلما تمكَّن منه أزاله مِن عنده . و ( الخادم ) يقال على الذكر والأنثى . و ( أعتقتني ) روي بتاء بعد القاف ، ويكون فيه ضمير يعود على الخادمة . وبغير تاء ، وضميره يعود إلى أبي بكر - رضي الله عنه - . وصحَّ ذلك لأنها لما استراحت من خدمة الفرس ، والقيام عليه بسبب الجارية التي بعث بها إليها أبو بكر صحَّ أن ينسب العتق لكل واحد منهما .