[ 70 ] 2205 - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ، وَأَبُو الطَّاهِرِ قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو ، أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَادَ الْمُقَنَّعَ ثُمَّ قَالَ : لَا أَبْرَحُ حَتَّى تَحْتَجِمَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ فِيهِ شِفَاءً . [ 71 ] - حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ : جَاءَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي أَهْلِنَا وَرَجُلٌ يَشْتَكِي خُرَاجًا بِهِ ، أَوْ جِرَاحًا فَقَالَ : مَا تَشْتَكِي ؟ قَالَ : خُرَاجٌ بِي قَدْ شَقَّ عَلَيَّ فَقَالَ : يَا غُلَامُ ائْتِنِي بِحَجَّامٍ فَقَالَ لَهُ : مَا تَصْنَعُ بِالْحَجَّامِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ : أُرِيدُ أَنْ أُعَلِّقَ فِيهِ مِحْجَمًا ، قَالَ : وَاللَّهِ إِنَّ الذُّبَابَ لَيُصِيبُنِي أَوْ يُصِيبُنِي الثَّوْبُ فَيُؤْذِينِي وَيَشُقُّ عَلَيَّ ، فَلَمَّا رَأَى تَبَرُّمَهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ ، قَالَ : فَجَاءَ بِحَجَّامٍ فَشَرَطَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ . وأما الحديث الآخر وهو قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ ) . فَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الطِّبِّ عِنْدَ أَهْلِهِ ، لِأَنَّ الْأَمْرَاضَ الْامْتِلَائِيَّةَ دَمَوِيَّةٌ ، أَوْ صَفْرَاوِيَّةٌ ، أَوْ سَوْدَاوِيَّةٌ ، أَوْ بَلْغَمِيَّةٌ ، فَإِنْ كَانَتْ دَمَوِيَّةً فَشِفَاؤُهَا إِخْرَاجُ الدَّمِ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ فَشِفَاؤُهَا بِالْإِسْهَالِ بِالْمُسَهِّلِ اللَّائِقِ لِكُلِّ خَلْطٍ مِنْهَا ، فَكَأَنَّهُ نَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَسَلِ عَلَى الْمُسَهِّلَاتِ ، وَبِالْحِجَامَةِ عَلَى إِخْرَاجِ الدَّمِ بِهَا ، وَبِالْفَصْدِ ، وَوَضْعِ الْعَلَقِ ، وَغَيْرِهَا مِمَّا فِي مَعْنَاهَا ، وَذَكَرَ الْكَيَّ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ عَدَمِ نَفْعِ الْأَدْوِيَةِ الْمَشْرُوبَةِ وَنَحْوِهَا ، فَآخِرُ الطِّبِّ الْكَيُّ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ ) إِشَارَةٌ إِلَى تَأْخِيرِ الْعِلَاجِ بِالْكَيِّ حَتَّى يَضْطَرَّ إِلَيْهِ ، لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْأَلَمِ الشَّدِيدِ فِي دَفْعِ أَلَمٍ قَدْ يَكُونُ أَضْعَفَ مِنْ أَلَمِ الْكَيِّ . أَمَّا مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْمُلْحِدُ الْمَذْكُورُ فَنَقُولُ فِي إِبْطَالِهِ : إِنَّ عِلْمَ الطِّبِّ مِنْ أَكْثَرِ الْعُلُومِ احْتِيَاجًا إِلَى التَّفْصِيلِ ، حَتَّى إِنَّ الْمَرِيضَ يَكُونُ الشَّيْءُ دَوَاءَهُ فِي سَاعَةٍ ، ثُمَّ يَصِيرُ دَاءً لَهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تَلِيهَا بِعَارِضٍ يَعْرِضُ مِنْ غَضَبٍ يَحْمِي مِزَاجَهُ ، فَيُغَيِّرُ عِلَاجَهُ ، أَوْ هَوَاءٍ يَتَغَيَّرُ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تُحْصَى كَثْرَتُهُ . فَإِذَا وُجِدَ الشِّفَاءُ بِشَيْءٍ فِي حَالَةٍ بِالشَّخْصِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ الشِّفَاءُ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَجَمِيعِ الْأَشْخَاصِ . وَالْأَطِبَّاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْمَرَضَ الْوَاحِدَ يَخْتَلِفُ عِلَاجُهُ بِاخْتِلَافِ السِّنِّ وَالزَّمَانِ وَالْعَادَةِ وَالْغِذَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَالتَّدْبِيرِ الْمَأْلُوفِ ، وَقُوَّةِ الطِّبَاعِ . فَإِذَا عَرَفْتَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَاعْلَمْ أَنَّ الْإِسْهَالَ يَحْصُلُ مِنْ أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا الْإِسْهَالُ الْحَادِثُ مِنَ التُّخَمِ وَالْهَيْضَاتِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْأَطِبَّاءُ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى أَنَّ عِلَاجَهُ بِأَنْ يَتْرُكَ الطَّبِيعَةَ وَفِعْلَهَا ، وَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى مُعِينٍ عَلَى الْإِسْهَالِ أُعِينَتْ مَا دَامَتِ الْقُوَّةُ بَاقِيَةً ، فَأَمَّا حَبْسُهَا فَضَرَرٌ عِنْدَهُمْ ، وَاسْتِعْجَالُ مَرَضٍ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْإِسْهَالُ لِلشَّخْصِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ أَصَابَهُ مِنَ امْتِلَاءٍ أَوْ هَيْضَةٍ فَدَوَاؤُهُ تَرْكُ إِسْهَالِهِ عَلَى مَا هُوَ ، أَوْ تَقْوِيَتُهُ . فَأَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشُرْبِ الْعَسَلِ فَرَآهُ إِسْهَالًا . فَزَادَهُ عَسَلًا إِلَى أَنْ فَنِيَتِ الْمَادَّةُ فَوَقَفَ الْإِسْهَالُ ، وَيَكُونُ الْخَلْطُ الَّذِي كَانَ يُوَافِقُهُ شُرْبُ الْعَسَلِ ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْعَسَلَ جَارٍ عَلَى صِنَاعَةِ الطِّبِّ ، وَأَنَّ الْمُعْتَرِضَ عَلَيْهِ جَاهِلٌ لَهَا ، وَلَسْنَا نَقْصِدُ الِاسْتِظْهَارَ لِتَصْدِيقِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِ الْأَطِبَّاءِ ، بَلْ لَوْ كَذَّبُوهُ كَذَّبْنَاهُمْ وَكَفَّرْنَاهُمْ ، فَلَوْ أَوْجَدُوا الْمُشَاهَدَةَ بِصِحَّةِ دَعْوَاهُمْ تَأَوَّلْنَا كَلَامَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ ، وَخَرَّجْنَاهُ عَلَى مَا يَصِحُّ ، فَذَكَرْنَا هَذَا الْجَوَابَ وَمَا بَعْدَهُ عُدَّةً لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ إِنِ اعْتَضْدُوا بِمُشَاهَدَةٍ ، وَلِيَظْهَرَ بِهِ جَهْلُ الْمُعْتَرِضِ ، وَأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصِّنَاعَةَ الَّتِي اعْتَرَضَ بِهَا وَانْتَسَبَ إِلَيْهَا . وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ لِلْمَحْمُومِ ؛ فَإِنَّ الْمُعْتَرِضَ يَقُولُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ أَكْثَرَ مِنْ قَوْلِهِ : ( أَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ ) وَلَمْ يُبَيِّنْ صِفَتَهُ وَحَالَتَهُ وَالْأَطِبَّاءَ يُسَلِّمُونَ أَنَّ الْحُمَّى الصَّفْرَاوِيَّةَ يُبَرَّدُ صَاحِبُهَا بِسَقْيِ الْمَاءِ الْبَارِدِ الشَّدِيدِ الْبُرُودَةِ ، وَيَسْقُوهُ الثَّلْجَ ، وَيَغْسِلُونَ أَطْرَافَهُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ ، فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْحُمَّى وَالْعَسَلِ عَلَى نَحْوِ مَا قَالُوهُ ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ هُنَا فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُؤْتَى بِالْمَرْأَةِ الْمَوْعُوكَةِ ، فَتَصُبُّ الْمَاءَ فِي جَيْبِهَا ، وَتَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( أَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ ) فَهَذِهِ أَسْمَاءُ رَاوِيَةُ الْحَدِيثِ ، وَقُرْبُهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْلُومٌ تَأَوَّلَتْ الْحَدِيثَ عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَاهُ ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْمُلْحِدِ الْمُعْتَرِضِ إِلَّا اخْتِرَاعُهُ الْكَذِبَ وَاعْتِرَاضُهُ بِهِ ، فَلَا يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ . وَأَمَّا إِنْكَارُهُمُ الشِّفَاءَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ فَبَاطِلٌ ؛ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ قُدَمَاءِ الْأَطِبَّاءِ : إِنَّ ذَاتَ الْجَنْبِ إِذَا حَدَّثَتْ مِنَ الْبَلْغَمِ كَانَ الْقُسْطُ مِنْ عِلَاجِهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ جَالِينُوسُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَنْفَعُ مِنْ وَجَعِ الصَّدْرِ ، وَقَالَ بَعْضُ قُدَمَاءِ الْأَطِبَّاءِ : وَيُسْتَعْمَلُ حَيْثُ يُحْتَاجُ إِلَى إِسْخَانِ عُضْوٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ ، وَحَيْثُ يُحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَجْذِبَ الْخَلْطَ مِنْ بَاطِنِ الْبَدَنِ إِلَى ظَاهِرِهِ ، وَهَكَذَا قَالَهُ ابْنُ سِينَا وَغَيْرُهُ ، وَهَذَا يُبْطِلُ مَا زَعَمَهُ هَذَا الْمُعْتَرِضُ الْمُلْحِدُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِيهِ سَبْعَةُ أَشْفِيَةٍ ) فَقَدْ أَطْبَقَ الْأَطِبَّاءُ فِي كُتُبِهِمْ عَلَى أَنَّهُ يُدِرُّ الطَّمْثَ وَالْبَوْلَ ، وَيَنْفَعُ مِنَ السُّمُومِ ، وَيُحَرِّكُ شَهْوَةَ الْجِمَاعِ ، وَيَقْتُلُ الدُّودَ وَحُبَّ الْقَرْعِ فِي الْأَمْعَاءِ إِذَا شُرِبَ بِعَسَلٍ ، وَيُذْهِبُ الْكَلَفَ إِذَا طُلِيَ عَلَيْهِ ، وَيَنْفَعُ مِنْ بَرْدِ الْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ ، وَيَرُدُّهُمَا ، وَمِنْ حُمَّى الْوَرْدِ وَالرِّبْعِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ صِنْفَانِ بَحْرِيٌّ وَهِنْدِيٌّ ، وَالْبَحْرِيُّ هُوَ الْقُسْطُ الْأَبْيَضُ ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ صِنْفَيْنِ ، وَنَصَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْبَحْرِيَّ أَفْضَلُ مِنَ الْهِنْدِيِّ ، وَهُوَ أَقَلُّ حَرَارَةً مِنْهُ ، وَقِيلَ : هُمَا حَارَّانِ يَابِسَانِ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ ، وَالْهِنْدِيُّ أَشَدُّ حَرًّا فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنَ الْحَرَارَةِ . وَقَالَ ابْنُ سِينَا : الْقُسْطُ حَارٌّ فِي الثَّالِثَةِ يَابِسٌ فِي الثَّانِيَةِ . فَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ الْمَنَافِعِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْقُسْطِ ، فَصَارَ مَمْدُوحًا شَرْعًا وَطِبًّا ، وَإِنَّمَا عَدَدْنَا مَنَافِعَ الْقُسْطِ مِنْ كُتُبِ الْأَطِبَّاءِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ مِنْهَا عَدَدًا مُجْمَلًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامُ ) فَيُحْمَلُ أَيْضًا عَلَى الْعِلَلِ الْبَارِدَةِ عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ فِي الْقُسْطِ ، وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ يَصِفُ بِحَسَبِ مَا شَاهَدَهُ مِنْ غَالِبِ أَحْوَالِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ كَلَامَ الْمَازِرِيِّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَذَكَرَ الْأَطِبَّاءُ فِي مَنْفَعَةِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ الَّتِي هِيَ الشُّونِيزُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً ، وَخَوَاصَّ عَجِيبَةً ، يَصْدُقُهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ؛ فَذَكَرَ جَالِينُوسُ أَنَّهَا تَحِلُّ النَّفْخَ ، وَتُقِلُّ دِيدَانَ الْبَطْنِ إِذَا أُكِلَ أَوْ وُضِعَ عَلَى الْبَطْنِ ، وَتَنْفِي الزُّكَامَ إِذَا قُلِيَ وَصُرَّ فِي خِرْقَةٍ وَشُمَّ ، وَتُزِيلُ الْعِلَّةَ الَّتِي تَقَشَّرَ مِنْهَا الْجِلْدُ ، وَتُقَلِّعُ الثَّآلِيلَ الْمُتَعَلِّقَةَ وَالْمُنَكَّسَةَ وَالْخِيلَانَ ، وَتُدِرُّ الطَّمْثَ الْمُنْحَبِسَ إِذَا كَانَ انْحِبَاسُهُ مِنْ أَخْلَاطٍ غَلِيظَةٍ لَزِجَةٍ ، وَيَنْفَعُ الصُّدَاعَ إِذَا طُلِيَ بِهِ الْجَبِينُ ، وَتَقْلَعُ الْبُثُورَ وَالْجَرَبَ ، وَتُحَلِّلُ الْأَوْرَامَ الْبَلْغَمِيَّةَ إِذَا تُضُمِّدَ بِهِ مَعَ الْخَلِّ ، وَتَنْفَعُ مِنَ الْمَاءِ الْعَارِضِ فِي الْعَيْنِ إِذَا اسْتُعِطَ بِهِ مَسْحُوقًا بِدُهْنِ الْأَرَلْيَا ، وَتَنْفَعُ مِنَ انْتِصَابِ النَّفْسِ ، وَيُتَمَضْمَضُ بِهِ مِنْ وَجَعِ الْأَسْنَانِ ، وَتُدِرُّ الْبَوْلَ وَاللَّبَنَ ، وَتَنْفَعُ مِنْ نَهْشَةِ الرَّتِيلَا ، وَإِذَا بُخِّرَ بِهِ طَرَدَ الْهَوَامَّ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ غَيْرُ جَالِينُوسَ ؛ خَاصِّيَّتُهُ إِذْهَابُ حُمَّى الْبَلْغَمِ وَالسَّوْدَاءِ ، وَتَقْتُلُ حَبَّ الْقَرْعِ ، وَإِذَا عُلِّقَ فِي عُنُقِ الْمَزْكُومِ نَفَعَهُ ، وَيَنْفَعُ مِنْ حُمَّى الرِّبْعِ . قَالَ : وَلَا يَبْعُدُ مَنْفَعَةُ الْحَارِّ مِنْ أَدْوَاءٍ حَارَّةٍ بِخَوَاصَّ فِيهَا ، فَقَدْ نَجِدُ ذَلِكَ فِي أَدْوِيَةٍ كَثِيرَةٍ ، فَيَكُونُ الشُّونِيزُ مِنْهَا لِعُمُومِ الْحَدِيثِ ، وَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ أَحْيَانًا مُنْفَرِدًا ، وَأَحْيَانًا مُرَكَّبًا . قَالَ الْقَاضِي : وَفِي جُمْلَةِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا حَوَاهُ مِنْ عُلُومِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، وَصِحَّةِ عِلْمِ الطِّبِّ ، وَجَوَازِ التَّطَبُّبِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَاسْتِحْبَابِهِ بِالْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ مِنَ الْحِجَامَةِ ، وَشُرْبِ الْأَدْوِيَةِ ، وَالسَّعُوطِ ، وَاللَّدُودِ ، وَقَطْعِ الْعُرُوقِ ، وَالرُّقَى . قَالَ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنْزَلَ الدَّوَاءَ الَّذِي أَنْزَلَ الدَّاءَ ) هَذَا إِعْلَامٌ لَهُمْ ، وَإِذْنٌ فِيهِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِإِنْزَالِهِ إِنْزَالَ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِمُبَاشَرَةِ مَخْلُوقَاتِ الْأَرْضِ مِنْ دَاءٍ وَدَوَاءٍ . وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( شَرْطَةُ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةُ عَسَلٍ أَوْ لَذْعَةٌ بِنَارٍ ) أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى جَمِيعِ ضُرُوبِ الْمُعَافَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَادَ الْمُقَنَّعَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ . قَوْلُهُ : ( يَشْتَكِي خُرَاجًا ) هُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ . قَوْلُهُ : ( أُعَلِّقُ فِيهِ مِحْجَمًا ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ ، وَهِيَ الْآلَةُ الَّتِي تَمُصُّ وَيُجْمَعُ بِهَا مَوْضِعُ الْحِجَامَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( شَرْطَةُ مِحْجَمٍ ) فَالْمُرَادُ بِالْمِحْجَمِ هُنَا الْحَدِيدَةُ الَّتِي يُشْرَطُ بِهَا مَوْضِعُ الْحِجَامَةِ لِيَخْرُجَ الدَّمُ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا رَأَى تَبَرُّمَهُ ) أَيْ : تَضَجُّرَهُ وَسَآمَتَهُ مِنْهُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي · ص 360 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب لكل داء دواء والتداوي بالحجامة · ص 593 ( 2205 ) ( 70 و 71 ) - [2144] وعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ : جَاءَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي أَهْلِنَا وَرَجُلٌ يَشْتَكِي خُرَاجًا بِهِ أَوْ جِرَاحًا ، فَقَالَ : مَا تَشْتَكِي ؟ قَالَ : خُرَاجٌ بِي قَدْ شَقَّ عَلَيَّ ! فَقَالَ : يَا غُلَامُ ، ائْتِنِي بِحَجَّامٍ ! فَقَالَ لَهُ : مَا تَصْنَعُ بِالْحَجَّامِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ : إني أُرِيدُ أَنْ أُعَلِّقَ فِيهِ مِحْجَمًا . قَالَ : وَاللَّهِ إِنَّ الذُّبَابَ لَيُصِيبُنِي ، أَوْ يُصِيبُنِي الثَّوْبُ فَيُؤْذِينِي وَيَشُقُّ عَلَيَّ ! فَلَمَّا رَأَى تَبَرُّمَهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ ! قَالَ : فَجَاءَ بِحَجَّامٍ فَشَرَطَهُ ، فَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ . وفي رواية قَالَ : لَا أَبْرَحُ حَتَّى تَحْتَجِمَ ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ فِيهِ شِفَاءً . وقوله صلى الله عليه وسلم " إن كان في أدويتكم خيرٌ ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعةٍ بنار " ؛ يعني بالخير الشِّفاء ، والمحجم : هو الوعاء الذي يجمع به موضع الحجامة ويجتمع فيه الدَّم ، وهو جمع واحده محجمة ، وهي بكسر الميم ، وقد يقال على الحديدة التي يشرط بها وهي المعنية هنا . وجاء هذا الحديث هنا بصيغة الاشتراط من غير تحقيق الأخبار ، وقد جاء في البخاري من حديث ابن عباس مرفوعًا " الشِّفاء في ثلاث " وذكرها ، فحقَّق الخبر . قال بعض علمائنا : أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع ضروب المعاناة القياسيِّة ، وذلك أن العلل منها ما يكون مفهوم السبب ومنها ما لا يكون كذلك ، فالأول كغلبة أحد الأخلاط التي هي الدم والبلغم والصفراء والسَّوداء ، فمعالجة ذلك باستفراغ ذلك الامتلاء بما يليق به من تلك الأمور المذكورات في الحديث ، فمنها ما يستفرغ بإخراج الدَّم بالشَّرط وفي معناه الفصد والبطُّ والعلق ، ومنها ما يستفرغ بالعسل وما في معناه من الأدوية المسهِّلة ، ومنها ما يستفرغ بالكي فإنه يجفف رطوبات موضع المرض وهو آخر الطبِّ . وأما ما كان من العلل عن ضعف قوة من القوى فعلاجه بما يقوي تلك القوة من الأشربة ، ومن أنفعها في ذلك العسل إذا استعمل على وجهه ، وأما ما كان من العلل غير مفهوم السبب فكالسِّحر والعين ونظرة الجن فعلاجه بالرُّقى والكلام الحسن وأنواع من الخواص مغيبة السِّرِّ ، ولهذا القسم أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما روي عنه أنه زاد في هذا الحديث " أو آية من كتاب الله " زيادة على ما ذكر فيما تقدَّم منه . قلت : هذا معنى ما قاله علماؤنا ، ويمكن أن يقال : إن هذه المذكورات في هذا الحديث إنما خصَّت بالذكر لأنَّها كانت أغلب أدويتهم وأنفع لهم من غيرها بحكم اعتيادهم لها ومناسبتها لغالب أمراضهم ، ولا يلزم أن تكون كذلك في حق غيرهم ممن يخالفهم في بلادهم وعاداتهم وأهويتهم ، ومن المعلوم بالمشاهدة اختلاف العلاجات والأدوية بحسب اختلاف البلاد والعادات وإن اتحدت أسباب الأمراض ، والله تعالى أعلم . وقوله " وما أحبُّ أن أكتوي " ، وفي لفظ البخاري " وأنا أنهى أمتي عن الكي " - إنما كان ذلك لشدَّة ألم الكي فإنَّه يُربي على ألم المرض ، ولذلك لا يرجع إليه إلا عند العجز عن الشفاء بغيره من الأدوية . وأيضًا : فلأنَّه يشبه التعذيب بعذاب الله الذي نُهي عنه ، وقد تقدَّم القول في هذا في الإيمان .