[ 11 ] - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَب ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ تَبُوكَ ، فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْرُصُوهَا فَخَرَصْنَاهَا ، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ وَقَالَ : أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَتَهُبُّ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ ، فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ ، وَجَاءَ رَسُولُ ابْنِ الْعَلْمَاءِ صَاحِبِ أَيْلَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا ، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى ، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا ؟ فَقَالَتْ : عَشَرَةَ أَوْسُقٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي مُسْرِعٌ فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِيَ ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ ، فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : هَذِهِ طَابَةُ ، وَهَذَا أُحُدٌ وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ خَيْرَ دُورِ الْأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ ، فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيَّرَ دُورَ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَنَا آخِرًا ، فَأَدْرَكَ سَعْدٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ خَيَّرْتَ دُورَ الْأَنْصَارِ فَجَعَلْتَنَا آخِرًا ؟ فَقَالَ : أَوَلَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ الْخِيَارِ ؟ [ 12 ] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ ح . وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ : وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ : فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَحْرِهِمْ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ : فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيقَةِ : ( اخْرُصُوهَا ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا ، وَالضَّمُّ أَشْهَرُ ؛ أَيِ احْزِرُوا كَمْ يَجِيءُ مِنْ تَمْرِهَا . فِيهِ اسْتِحْبَابُ امْتِحَانِ الْعَالِمِ أَصْحَابَهُ بِمِثْلِ هَذَا التَّمْرِينِ . وَالْحَدِيقَةُ الْبُسْتَانُ مِنَ النَّخْلِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ حَائِطٌ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ ، فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ ، فَقَامَ رَجُلٌ ، فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ ) هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةُ الظَّاهِرَةُ مِنْ إِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَغِيبِ ، وَخَوْفِ الضَّرَرِ مِنَ الْقِيَامِ وَقْتَ الرِّيحِ ، وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ ، وَالرَّحْمَةِ لَهُمْ ، وَالِاعْتِنَاءِ بِمَصَالِحِهِمْ ، وَتَحْذِيرِهِمْ مَا يَضُرُّهُمْ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا . وَإِنَّمَا أَمَرَ بِشَدِّ عَقْلِ الْجِمَالِ لِئَلَّا يَنْفَلِتَ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَيَحْتَاجُ صَاحِبُهُ إِلَى الْقِيَامِ فِي طَلَبِهِ ، فَيَلْحَقُهُ ضَرَرُ الرِّيحِ ، وَجَبَلَا طَيِّئٍ مَشْهُورَانِ ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا : أَجَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ ، وَبِالْهَمْزِ ، وَالْآخَرُ سَلْمَى بِفَتْحِ السِّينِ . وَطَيِّئٍ بِيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ عَلَى وَزْنِ سَيِّدٍ ، وَهُوَ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ ، وَهُوَ طَيِّئُ بْنُ أُدَرَ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأِ بْنِ حِمْيَرَ . قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ : وَطَيٌّ يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ لُغَتَانِ . قَوْلُهُ : ( وَجَاءَ رَسُولُ ابْنِ الْعَلْمَاءِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَبِالْمَدِّ . قَوْلُهُ : ( وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ ) فِيهِ قَبُولُ هَدِيَّةِ الْكَافِرِ ، وَسَبَقَ بَيَانُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَا يُعَارِضُهُ فِي الظَّاهِرِ ، وَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا . وَهَذِهِ الْبَغْلَةُ هِيَ دُلْدُلُ بَغْلَةُ رَسُولِ اللَّهِ الْمَعْرُوفَةُ ، لَكِنْ ظَاهِرُ لَفْظِهِ هُنَا أَنَّهُ أَهْدَاهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَقَدْ كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْبَغْلَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَحَضَرَ عَلَيْهَا غَزَاةَ حُنَيْنٍ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَكَانَتْ حُنَيْنٌ عَقِبَ فَتْحِ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ . قَالَ الْقَاضِي : وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةٌ غَيْرُهَا . قَالَ : فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ أَهْدَاهَا لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَقَدْ عَطَفَ الْإِهْدَاءَ عَلَى الْمَجِيءِ بِالْوَاوِ ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَهَذَا أُحُدٌ وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ) سَبَقَ شَرْحُهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ ) قَالَ الْقَاضِي : الْمُرَادُ أَهْلُ الدُّورِ ، وَالْمُرَادُ الْقَبَائِلُ ، وَإِنَّمَا فَضَّلَ بَنِي النَّجَّارِ لِسَبْقِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ ، وَآثَارِهِمُ الْجَمِيلَةِ فِي الدِّينِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ دَارِ بَنِي عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ : ( بَنِي عَبْدِ الْحَارِثِ ) ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي . قَالَ : وَهُوَ خَطَأٌ مِنَ الرُّوَاةِ ، وَصَوَابُهُ ( بَنِي الْحَارِثِ ) بِحَذْفِ لَفْظَةِ ( عَبْدِ ) . قَوْلُهُ : ( وَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَحْرِهِمْ ) أَيْ بِبَلَدِهِمْ ، وَالْبِحَارُ الْقُرَى .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 441 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب من شواهد نبوته صلى الله عليه وسلم وبركته · ص 57 ( 1392 ) [ 2198 ] وعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْرُصُوهَا ، فَخَرَصْنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، وَقَالَ : أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَتَهُبُّ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ ، فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ، فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ ، وَجَاءَ رَسُولُ ابْنِ الْعَلْمَاءِ صَاحِبِ أَيْلَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في رواية : ببحرهم - وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا : كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟ فَقَالَتْ : عَشَرَةَ أَوْسُقٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي مُسْرِعٌ فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِيَ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ ، فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : هَذِهِ طَابَةُ وَهَذَا أُحُدٌ ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ خَيْرَ دُورِ الْأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ ، فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيَّرَ دُورَ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَنَا آخِرًا، فَأَدْرَكَ سَعْدٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَيَّرْتَ دُورَ الْأَنْصَارِ فَجَعَلْتَنَا آخِرًا ، فَقَالَ : أَوَلَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ الْخِيَارِ ؟! . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأصحابه حين مرَّ على حديقة المرأة : " اخرصوها " ) دليلٌ على جواز الخرص إذا احتيج إليه ، وأنه طريق معتبر شرعًا . وخروج ثمرة هذه الحديقة على مقدار ما خرصه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دليل على صحة حدسه ، وقوة إدراكه ، وإصابته وجه الصواب فيما كان يحاوله ، ولا يعارض هذا بحديث إبار النخل ، فإنَّ الله تعالى قد أجرى عادة ثابتة متكررة في إبار النخل لم يعلمها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " ما أرى هذا يغني شيئًا " ) يعني الإبار ، وصدق ، فإنَّ الله تعالى هو الذي يمسك الثمرة ويطيبها إذا شاء ، لا الإبار ، ولا غيره ، بخلاف الوصول إلى المقادير بالخرص ، فإنَّ الغالب فيه من الممارسين له التقريب لا التحقيق . وقد أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمقدار ذلك على التحقيق ، فوجد كما أخبر ، فإنَّ كان هذا منه عن حدس وتخمين ، كان دليلاً على أنه قد خصَّ من ذلك بشيء لم يصل إليه غيره ، وإن كان ذلك بالوحي ، كان ذلك من شواهد نبوته ـ صلى الله عليه وسلم ـ . و ( قوله : " ستهبُّ عليكم ريحٌ شديدةٌ " ) من المعجزات الغيبية ، وهي من الكثرة بحيث لا تحصى ، يحصل بمجموعها العلم القطعي بأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعلم كثيرًا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، أو من ارتضاه من الرسل فأطلعه الله عليه ، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أطلعه الله عليه ، فهو رسول من أفضل الرسل . و ( قوله : " فلا يقم فيها أحدٌ ، ومن كان له بعير فليشد عقاله " ) دليل على الأخذ بالحزم ، والحذر في النفوس ، والأموال ، ومن أهمل شيئًا من الأسباب المعتادة ، زاعمًا أنه متوكل ، فقد غلط ، فإنَّ التوكل لا يناقض التحرز ، بل حقيقته لا تتم إلا لمن جمع بين الاجتهاد في العمل على سنة الله ، وبين التفويض إلى الله تعالى ، كما فعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وابن العَلماء : هو بفتح العين المهملة وسكون اللام ، والمد ، وهو تأنيث الأعلم ، وهو المشقوق الشفة العليا ، والأفلح : هو المشقوق الشفة السفلى . وصاحب أيلة ، يعني به : ملكها . وأيلة : بلد معروف بالشام ، وإليه تنسب عقبة أيلة . و ( قوله : " وأهدى له بغلة بيضاء " ) هذه البغلة قبلها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبقيت عنده زمانًا طويلاً ، ولم تكن له بغلة غيرها ، وكانت تسمَّى : الدُّلْدُل ، وفيه دليل على قبول هدية الكتابي ، وقد تقدَّم القول فيه ، وفي قوله : " هذا جبل يحبنا ونحبه " ، وفي " طابة " . و ( قوله : " فكتب له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ببحرهم ، وأهدى له بردًا " ) البحر هنا ، يراد به البلد ، والبحار : القرى ، وقد تقدم . وكأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقطعه بعض تلك البلاد ، كما قد أقطع تميمًا الداري ـ رضي الله عنه ـ بلد الخليل ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل فتحه . ويظهر من حال ابن العَلماء أنه استشعر ، أو علم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سيظهر ، ويغلب على ما تحت يده هو من البلاد ، فسأله أن يقطعه بعضها . والله أعلم . وأما إهداؤه البرد ، فمكافأة ، ومواصلة ، واستئلاف ليدخل في دين الإسلام ، وكأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يحضره في ذلك الوقت إلا ذلك البرد ، والله أعلم . و ( قوله : " إن خير دور الأنصار : دار بني النجار ، ثم دار بني عبد الأشهل . . . " الحديث إلى آخره ) يدلُّ على جواز تفضيل بعض المعينين على بعض من غير الأنبياء ، وإن سمع ذلك المفضول ، وقد تقدَّم القول في تفضيل الأنبياء . و " الدُّور " : جمع دار ، وهو في الأصل : المحلة والمنزل ، وعبر به هنا عن القبائل ، وهذا نحو قوله : أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ببناء المساجد في الدور ، أي : في القبائل والمحلات . وفيه ما يدلّ على جواز المدح إذا قصد به الإخبار بالحق ، ودعت إلى ذلك حاجة ، وأمنت الفتنة على الممدوح . وفيه دليل على جواز المنافسة في الخير ، والدين ، والثواب ، كما قال سعد : " يا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرًا " . طلب أن يلحقهم بالطبقة الأولى . فأجابه بأن قال : " أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار ؟ " وإنما يعني بذلك : أن تفضيلهم إنما هو بحسب سبقهم إلى الإسلام ، وظهور آثارهم فيه ، وتلك الأمور وقعت في الوجود مرتبة على حسب ما شاء الله تعالى في الأزل ، وإذا كان كذلك لم يتقدَّم متأخر منهم على منزلته ، كما لا يتأخر متقدِّم منهم عن مرتبته ، إذ تلك مراتب معلومة على قسم مقسومة ، وقد سبق لسعادتهم القضاء : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ و ( قوله : " ثم دار بني عبد الحارث " ) كذا وقع للعذري ، والفارسي ، وهو وَهْمٌ . والصواب : بني الحارث ، بإسقاط عبد ، والله أعلم . و ( قوله : " وجعلنا آخرًا " ) وقع في بعض النسخ آخر بغير تنوين ولا ألف . جعله غير منصرف ، وليس بصحيح الرواية ، ولا المعنى ، إذ لا مانع من صرفه ، لأنَّ آخرًا هنا : هو الذي يقابل : أولاً ، وكلاهما مصروف ، وهو منصوبٌ على أنه المفعول الثاني لجعل ، لأنَّه بمعنى : صيَّر . ويحتمل أن يتأوَّل في معنى جعل : معنى أنزل ، فيكون ظرفًا ، أي : أنزلتنا منزلاً متأخرًا . وعلى الوجهين فلا بدَّ من صرفه ، وكذا وجدناه من تقييد المحققين . و ( قوله : " أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار " ) ويروى : " من الأخيار " ، وكلاهما صحيح .