[27] ( 2292 ) - وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ الْوَرِقِ ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ ، فَلَا يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ طُولُهُ كَعَرْضِهِ كَمَا قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ ( عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ ) . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ( الْوَرِقِ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ، وَهُوَ الْفِضَّةُ . وَالنَّحْوِيُّونَ يَقُولُونَ : إِنَّ فِعْلَ التَّعَجُّبِ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ هُوَ أَفْعَلُ مِنْ كَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا كَانَ مَاضِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ ، فَإِنْ زَادَ لَمْ يُتَعَجَّبْ مِنْ فَاعِلِهِ ، وَإِنَّمَا يُتَعَجَّبُ مِنْ مَصْدَرِهِ ، فَلَا يُقَالُ : مَا أَبْيَضَ زَيْدًا ، وَلَا زَيْدٌ أَبْيَضُ مِنْ عَمْرٍو ، وَإِنَّمَا يُقَالُ : مَا أَشَدُّ بَيَاضِهِ : وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ كَذَا ، وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ أَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الَّذِي أَنْكَرُوهُ فَعَدُّوهُ شَاذًّا لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَهِيَ لُغَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الِاسْتِعْمَالِ ، وَمِنْهَا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ ) . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( وإِنَّ فِيهِ مِنَ الْأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( تَرَى فِيهِ أَبَارِيقَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( كَأَنَّ الْأَبَارِيقَ فِيهِ النُّجُومُ ) الْمُخْتَارُ الصَّوَابُ أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ لِلْآنِيَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَنَّهَا أَكْثَرُ عَدَدًا مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ ، وَلَا مَانِعَ عَقْلِيًّا وَلَا شَرْعِيًّا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ مُؤَكَّدًا كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ ) وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَةِ الْعَدَدِ ، وَغَايَتُهُ الْكَثْرَةُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ ) وَهُوَ بَابٌ مِنَ الْمُبَالَغَةِ مَعْرُوفٌ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ ، وَلَا يُعَدُّ كَذِبًا إِذَا كَانَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ فِي حَيِّزِ الْكَثْرَةِ وَالْعِظَمِ وَمَبْلَغِ الْغَايَةِ فِي بَابِهِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ . قَالَ : وَمِثْلُهُ كَلَّمْتُهُ أَلْفَ مَرَّةٍ ، وَلَقِيتُهُ مِائَةَ كَرَّةٍ ، فَهَذَا جَائِزٌ إِذَا كَانَ كَثِيرًا ، وَإِلَّا فَلَا . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَوْضِ : ( وَإِنَّ عَرْضَهُ مَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى الْجُحْفَةِ ) وَفِي روايةٍ : ( بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ ) قَالَ الرَّاوِي : هُمَا قَرْيَتَانِ بِالشَّامِ ، بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ . وَفِي رِوَايَةٍ : ( عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( مِنْ مَقَامِي إِلَى عَمَّانَ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( قَدْرُ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ ) . أَمَّا ( أَيْلَةُ ) فَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَفَتْحِ اللَّامِ ، وَهِيَ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي عِرَاقِ الشَّامِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ ، مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِمَشْقَ وَمِصْرَ ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ نَحْوُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةٍ ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ دِمَشْقَ نَحْوُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ مَرْحَلَةٍ ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مِصْرَ نَحْوُ ثَمَانِي مَرَاحِلَ . قَالَ الْحَازِمِيُّ : قِيلَ : هِيَ آخِرُ الْحِجَازِ ، وَأَوَّلُ الشَّامِ . وَأَمَّا ( الْجُحْفَةُ ) فَسَبَقَ بَيَانُهَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ ، وَهِيَ بِنَحْوِ سَبْعِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ . وَأَمَّا ( جَرْبَا ) فَبِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ، ثُمَّ رَاءٍ سَاكِنَةٍ ، ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ، ثُمَّ أَلِفٍ مَقْصُورَةٍ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، الْمَشْهُورُ أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ ، وَكَذَا قَيَّدَهَا الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُؤْتَلِفُ فِي الْأَمَاكِنِ ، وَكَذَا ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَصَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَالْجُمْهُورُ . وَقَالَ الْقَاضِي وَصَاحِبُ الْمَطَالِعِ : وَوَقَعَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ مَمْدُودًا . قَالَا : وَهُوَ خَطَأٌ . وَقَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ : هِيَ بِالْمَدِّ ، وَقَدْ تُقْصَرُ . قَالَ الْحَازِمِيُّ : كَانَ أَهْلُ جَرْبَا يَهُودًا كَتَبَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمَانَ لَمَّا قَدَمَ عَلَيْهِ لِحْيَةُ بْنُ رُؤْبَةَ صَاحِبُ أَيْلَةَ بِقَوْمٍ مِنْهُمْ وَمِنْ أَهْلِ أَذْرُحَ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ . وَأَمَّا ( أَذْرُحُ ) فَبِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ . هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ . قَالَ الْقَاضِي وَصَاحِبُ الْمَطَالِعِ : وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْجِيمِ . قَالَا : وَهُوَ تَصْحِيفٌ لَا شَكَّ فِيهِ ، وَهُوَ كَمَا قَالَا ، وَهِيَ مَدِينَةٌ فِي طَرَفِ الشَّامِ فِي قِبْلَةِ الشُّوَيْكِ ، بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ نَحْوُ نِصْفِ يَوْمٍ ، وَهِيَ فِي طَرَفِ الشَّرَاطِ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فِي طَرَفِهَا الشَّمَالِيِّ ، وَتَبُوكُ فِي قِبْلَةِ أَذْرُحَ بَيْنَهُمَا نَحْوُ أَرْبَعِ مَرَاحِلَ . وَبَيْنَ تَبُوكَ وَمَدِينَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً . وَأَمَّا ( عَمَّانُ ) فَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، وَهِيَ بَلْدَةٌ بِالْبَلْقَاءِ مِنَ الشَّامِ . قَالَ الْحَازِمِيُّ : قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعْلَانَ مِنْ عَمَّ يَعُمُّ ، فَلَا تَنْصَرِفُ مَعْرِفَةً ، وَتَنْصَرِفُ نَكِرَةً . قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَّالًا مِنْ عَمَّنَ ، فَتَنْصَرِفُ مَعْرِفَةً وَنَكِرَةً إِذَا عَنَى بِهَا الْبَلَدَ . هَذَا كَلَامُهُ . وَالْمَعْرُوفُ فِي رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا تَرْكُ صَرْفِهَا . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي قَدْرِ عَرْضِ الْحَوْضِ لَيْسَ مُوجِبًا لِلِاضْطِرَابِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ ، بَلْ فِي أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةِ الرُّوَاةِ ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ سَمِعُوهَا فِي مَوَاطِنَ مُخْتَلِفَةٍ ضَرَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَثَلًا لِبُعْدِ أَقْطَارِ الْحَوْضِ ، وَسَعَتِهِ ، وَقَرَّبَ ذَلِكَ مِنَ الْأَفْهَامِ لِبُعْدِ مَا بَيْنَ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ لَا عَلَى التَّقْدِيرِ الْمَوْضُوعِ لِلتَّحْدِيدِ ، بَلْ لِلْإِعْلَامِ بِعِظَمِ هَذِهِ الْمَسَافَةِ ، فَبِهَذَا تُجْمَعُ الرِّوَايَاتُ . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي . قُلْتُ : وَلَيْسَ فِي الْقَلِيلِ مِنْ هَذِهِ مَنْعُ الْكَثِيرِ ، وَالْكَثِيرُ ثَابِتٌ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَلَا مُعَارَضَةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهَا : ( كُفِّي رَأْسِي ) هُوَ بِالْكَافِ أَيِ اجْمَعِيهِ ، وَضُمِّي شَعْرَهُ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ . قَوْلُهَا : ( إِنِّي مِنَ النَّاسِ ) دَلِيلٌ لِدُخُولِ النِّسَاءِ فِي خِطَابِ النَّاسِ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي دُخُولِهِنَّ فِي خِطَابِ الذُّكُورِ ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ فِيهِ ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ . قَوْلُهُ : ( صَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ) أَيْ دَعَا لَهُمْ بِدُعَاءِ صَلَاةِ الْمَيِّتِ ، وَسَبَقَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ ) هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْحَوْضَ حَوْضٌ حَقِيقِيٌّ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا سَبَقَ ، وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَوْجُودٌ الْيَوْمَ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ لِتَفْخِيمِ الشَّيْءِ وَتَوْكِيدِهِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ، أَوْ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ ، إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي ، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتَنَافَسُوا فِيهَا ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ( مَفَاتِيحَ ) فِي اللَّفْظَيْنِ بِالْيَاءِ . قَالَ الْقَاضِي : وَرُوِيَ ( مَفَاتِحَ ) بِحَذْفِهَا . مَنْ أَثْبَتَهَا فَهُوَ جَمْعُ مِفْتَاحٍ ، وَمَنْ حَذَفَهَا فَجَمْعُ مِفْتَحٍ ، وَهُمَا لُغَتَانِ فِيهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعْجِزَاتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ أُمَّتَهُ تَمْلِكُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ ، وَأَنَّهَا لَا تَرْتَدُّ جُمْلَةً ، وَقَدْ عَصَمَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ ، وَأَنَّهَا تَتَنَافَسُ فِي الدُّنْيَا ، وَقَدْ وَقَعَ كُلُّ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ ، فَكَانَتْ آخِرَ مَا رَأَيْتُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ ) مَعْنَاهُ : خَرَجَ إِلَى قَتْلَى أُحُدٍ وَدَعَا لَهُمْ دُعَاءَ مُوَدِّعٍ ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ الْأَحْيَاءَ خُطْبَةَ مُوَدِّعٍ ، كَمَا قَالَ النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ ، وَفِيهِ مَعْنَى الْمُعْجِزَةِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب إِثْبَاتِ حَوْضِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَاتِهِ · ص 453 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من الحوض المورود · ص 89 ( 8 ) باب ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من الحوض المورود ومن أنه أعطي مفاتيح خزائن الأرض ( 2292 و 2293 ) [ 2211 ] عن عَبْد اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ الْوَرِقِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ، كِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا قَالَ : وَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ أُنَاسٌ دُونِي ، فَأَقُولُ : يَا رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي فَيُقَالُ : أَمَا شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ ؟ وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا بَعْدَكَ يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ . قَالَ : فَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ أَنْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا . ( 8 و 9 ) ومن باب حوض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأوانيه قد تقدَّم القول على كثير من معاني أحاديث هذا الباب في كتاب الطهارة . ومما يجب على كل مكلف أن يعلمه ، ويصدِّق به : أن الله تعالى قد خصَّ نبيه محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالكوثر الذي هو الحوض المصرَّح باسمه ، وصفته ، وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة ، التي يحصل بمجموعها العلم القطعي ، واليقين التواتري ، إذ قد روى ذلك عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الصحابة نيف على الثلاثين . في الصحيحين منهم نيف على العشرين ، وباقيهم في غيرهما ، مما صح نقله ، واشتهرت روايته ، ثم قد رواها عن الصحابة من التابعين أمثالُهم ، ثم لم تزل تلك الأحاديث مع توالي الأعصار ، وكثرة الرواة لها في جميع الأقطار ، تتوفر همم الناقلين لها على روايتها وتخليدها في الأمهات ، وتدوينها ، إلى أن انتهى ذلك إلينا ، وقامت به حجة الله علينا ، فلزمنا الإيمان بذلك ، والتصديق به ، كما أجمع عليه السلف ، وأهل السنة من الخلف ، وقد أنكرته طائفة من المبتدعة ، وأحالوه عن ظاهره ، وغلوا في تأويله من غير إحالة عقلية ، ولا عادية ، تلزم من إقراره على ظاهره ، ولا منازعة سمعية ، ولا نقلية تدعو إلى تأويله ، فتأويله تحريف صدر عن عقل سخيف خرق به إجماع السلف ، وفارق به مذهب أئمة الخلف . والحوض : مجتمع الماء . يقال : استحوض الماء ، إذا اجتمع . ويجمع : أحواضًا وحياضًا . و ( قوله : " من شرب منه لم يظمأ أبدًا " ) أي : لم يعطش آخر ما عليه . وظاهر هذا وغيره من الأحاديث : أن الورود على هذا الحوض ، والشرب منه ، إنما يكون بعد النجاة من النار ، وأهوال القيامة ، لأنَّ الوصول إلى ذلك المحل الشريف ، والشرب منه ، والوصول إلى موضع يكون فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يمنع عنه ، من أعظم الإكرام ، وأجل الإنعام ، ومن انتهى إلى مثل هذا كيف يعاد إلى حساب ، أو يذوق بعد ذلك تنكيل خزي وعذاب ؟! فالقول بذلك أوهى من السراب . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " حوضي مسيرة شهر ، زواياه سواء " ) أي : أركانه معتدلة ، يعني : أن ما بين الأركان متساوٍ ، فهو معتدل التربيع ، وقد اختلفت الألفاظ الدَّالة على مقدار الحوض ، كما هو مبيَّن في الروايات المذكورة في الأصل . وقد ظن بعض القاصرين : أن ذلك اضطراب ، وليس كذلك ، وإنما تحدَّث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحديث الحوض مرات عديدة ، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة إشعارًا بأن ذلك تقدير ، لا تحقيق ، وكلها تفيد أنه كبير متسع ، متباعد الجوانب والزوايا ، ولعل سبب ذكره للجهات المختلفة في تقدير الحوض : أن ذلك إنما كان بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات ، فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها ، والله أعلم . و ( قوله : " ماؤه أبيض من الورق " ) جاء أبيض - هاهنا - في هذا الحديث على الأصل المرفوض ، كما قد جاء في قولهم : . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فأنت أبْيَضُهم سِرْبال طَبَّاخ وكما قد جاء قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " توافون سبعين أمَّة أنتم أخيرهم " ، أي : خيرهم ، وكما قد جاء عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمعات " ، وكل ذلك جاء منبهة على الأصل المرفوض ، والمستعمل الفصيح كما جاء في الرواية الأخرى : " أشد بياضًا من الثلج " ، ولا معنى لقول من قال من مُتعسِّفة النحاة : لا يجوز التلفظ بهذه الأصول المرفوضة ، مع صحَّة هذه الروايات ، وشهرة تلك الكلمات .