[63] - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ : أَخْبَرَنَا ، وَقَالَ الْآخَرُونَ : حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَا لَلْأَنْصَارِ ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ : يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ : دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ ، فَسَمِعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ، فَقَالَ : قَدْ فَعَلُوهَا ، وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . قَالَ عُمَرُ : دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ ، فَقَالَ : دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ . [64] - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ : حَدَّثَنَا ، وَقَالَ الْآخَرَانِ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ الْقَوَدَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ . قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِ : عَمْرٌو قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرًا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ ) ، أَيْ : قَبِيحَةٌ كَرِيهَةٌ مُؤْذِيَةٌ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَعْهُ ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ) فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحِلْمِ ، وَفِيهِ تَرْكُ بَعْضِ الْأُمُورِ الْمُخْتَارَةِ ، وَالصَّبْرِ عَلَى بَعْضِ الْمَفَاسِدِ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ أَعْظَمُ مِنْهُ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَلَّفَ النَّاسَ ، وَيَصْبِرُ عَلَى جَفَاءِ الْأَعْرَابِ وَالْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ لِتَقْوَى شَوْكَةُ الْمُسْلِمِينَ ، وَتَتِمُّ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ ، وَيَتَمَكَّنُ الْإِيمَانُ مِنْ قُلُوبِ الْمُؤَلَّفَةِ ، وَيَرْغَبُ غَيْرُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ، وَكَانَ يُعْطِيهِمُ الْأَمْوَالَ الْجَزِيلَةَ لِذَلِكَ ، وَلَمْ يَقْتُلِ الْمُنَافِقِينَ لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَلِإِظْهَارِهِمُ الْإِسْلَامَ ، وَقَدْ أُمِرَ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ ، وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْدُودِينَ فِي أَصْحَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُجَاهِدُونَ مَعَهُ إِمَّا حَمِيَّةً ، وَإِمَّا لِطَلَبِ دُنْيَا ، أَوْ عَصَبِيَّةً لِمَنْ مَعَهُ مِنْ عَشَائِرِهِمْ . قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ بَقِيَ حُكْمُ الْإِغْضَاءِ عَنْهُمْ ، وَتَرْكُ قِتَالِهِمْ ، أَوْ نُسِخَ ذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ ، وَنُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى : جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَأَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِمَا قَبْلَهَا : وَقِيلَ : قَوْلٌ ثَالِثٌ : أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ الْعَفْوُ عَنْهُمْ مَا لَمْ يُظْهِرُوا نِفَاقَهُمْ ، فَإِذَا أَظْهَرُوهُ قُتِلُوا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب نَصْرِ الْأَخِ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا · ص 107 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب النهي عن دعوى الجاهلية · ص 561 ( 15 ) باب النهي عن دعوى الجاهلية ( 2584 ) ( 63 ) [ 2492 ] عن جَابِرَ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ قال : قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ، فَسَمِعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا وَاللَّهِ ! لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. قَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ . و ( قوله صلى الله عليه وسلم لعمر حين قال : دعني أضرب عنق هذا المنافق : " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " ) دليل على : أن المنافقين الذين علم نفاقهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مستحقين للقتل ، لكن امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ؛ لئلا يكون قتلهم منفرا لغيرهم عن الدخول في الإسلام ، لأنَّ العرب كانوا أهل أنفة وكبر بحيث لو قتل النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء المنافقين لنفر من بعد عنهم ، فيمتنع من الدخول في الدين ، وقالوا : هو يقتل أصحابه ، ولغضب من قرب من هؤلاء المنافقين ، فتهيج الحروب وتكثر الفتن ، ويمتنع من الدخول في الدين ، وهو نقيض المقصود ، فعفا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم ، ورفق بهم ، وصبر على جفائهم وأذاهم ، وأحسن إليهم حتى انشرح صدر من أراد الله هدايته ، فرسخ في قلبه الإيمان ، وتبين له الحق اليقين . وهلك عن بينة من أراد الله هلاكه ، وكان من الخاسرين . ثم أقام النبي صلى الله عليه وسلم مستصحبا لذلك إلى أن توفاه الله تعالى ، فذهب النفاق وحكمه ، لأنَّه ارتفع مسماه واسمه . ولذلك قال مالك : النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة عندنا اليوم ، ويظهر من مذهبه : أن ذلك الحكم منسوخ بقوله تعالى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ إلى قوله تعالى : وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا وبقوله : جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ فقد سوى بينهما في الأمر بالجهاد ، وجهاد الكفار : قتالهم وقتلهم ، فليكن جهاد المنافقين كذلك . وفي الآيتين مباحث ليس هذا موضعها ، وقد ذهب غير واحد من أئمتنا إلى أن المنافقين يعفى عنهم ما لم يظهروا نفاقهم ؛ فإن أظهروه قتلوا ، وهذا أيضًا يخالف ما جرى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإن منهم من أظهر نفاقه ، واشتهر عنه حتى عرف به ، والله أعلم بنفاقه ، ومع ذلك لم يقتلوا لما ذكرناه ، والله تعالى أعلم . وقد وضح من هذا الحديث إبطال قول من قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين ، لأنَّه لم تقم بينة معتبرة بنفاقهم ؛ إذ قد نص فيه على المانع من ذلك ، وهو غير ما قالوه . وفيه ما يدلّ على أن أهون الشرين يجوز العمل على مقتضاه إذا اندفع به الشر الأعظم . وفيه دليل على القول بصحة الذرائع ، وعلى تعليل نفي الأحكام في بعض الصور بمناسبٍ لذلك النفي .