باب النهي عن دعوى الجاهلية
( 15 ) باب النهي عن دعوى الجاهلية ( 2584 ) ( 63 ) [ 2492 ] عن جَابِرَ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ قال : قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ، فَسَمِعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا وَاللَّهِ ! لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . قَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ . و ( قوله صلى الله عليه وسلم لعمر حين قال : دعني أضرب عنق هذا المنافق : " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " ) دليل على : أن المنافقين الذين علم نفاقهم في ج٦ / ص٥٦٢عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مستحقين للقتل ، لكن امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ؛ لئلا يكون قتلهم منفرا لغيرهم عن الدخول في الإسلام ، لأنَّ العرب كانوا أهل أنفة وكبر بحيث لو قتل النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء المنافقين لنفر من بعد عنهم ، فيمتنع من الدخول في الدين ، وقالوا : هو يقتل أصحابه ، ولغضب من قرب من هؤلاء المنافقين ، فتهيج الحروب وتكثر الفتن ، ويمتنع من الدخول في الدين ، وهو نقيض المقصود ، فعفا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم ، ورفق بهم ، وصبر على جفائهم وأذاهم ، وأحسن إليهم حتى انشرح صدر من أراد الله هدايته ، فرسخ في قلبه الإيمان ، وتبين له الحق اليقين .
وهلك عن بينة من أراد الله هلاكه ، وكان من الخاسرين . ثم أقام النبي صلى الله عليه وسلم مستصحبا لذلك إلى أن توفاه الله تعالى ، فذهب النفاق وحكمه ، لأنَّه ارتفع مسماه واسمه . ولذلك قال مالك : النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة عندنا اليوم ، ويظهر من مذهبه : أن ذلك الحكم منسوخ بقوله تعالى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ إلى قوله تعالى : وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا وبقوله : جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ فقد سوى بينهما في الأمر بالجهاد ، وجهاد الكفار : قتالهم وقتلهم ، فليكن جهاد المنافقين كذلك .
وفي الآيتين مباحث ليس هذا موضعها ، وقد ذهب غير واحد من أئمتنا إلى أن المنافقين يعفى عنهم ما لم يظهروا نفاقهم ؛ فإن أظهروه قتلوا ، وهذا أيضًا يخالف ما جرى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإن منهم من أظهر نفاقه ، واشتهر عنه حتى عرف به ، والله أعلم بنفاقه ، ومع ذلك لم يقتلوا لما ذكرناه ، والله تعالى أعلم . ج٦ / ص٥٦٣وقد وضح من هذا الحديث إبطال قول من قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين ، لأنَّه لم تقم بينة معتبرة بنفاقهم ؛ إذ قد نص فيه على المانع من ذلك ، وهو غير ما قالوه . وفيه ما يدلّ على أن أهون الشرين يجوز العمل على مقتضاه إذا اندفع به الشر الأعظم .
وفيه دليل على القول بصحة الذرائع ، وعلى تعليل نفي الأحكام في بعض الصور بمناسبٍ لذلك النفي . ج٦ / ص٥٦٤