باب من استطال حقوق الناس اقتص من حسناته يوم القيامة
( 2582 ) [ 2491 ] وعنه ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ . و ( قوله : " لتؤدُّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة " ) هذا جواب قسم محذوف ، كأنه قال : والله لتؤدّن . والحقوق : جمع حق ، وهو ما يحق على الإنسان أن يؤديه ، وهو يعم حقوق الأبدان ، والأموال ، والأعراض ، وصغير ذلك وكبيره .
كما قال تعالى : وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وكما قال : وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ و ( قوله : " حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء " ) والجلحاء : هي التي لا قرون لها . وكبش أجلح ، وشاة جلحاء . ويقاد : من القود ، أي : القصاص .
وقد حكي أن أبا هريرة - رضي الله عنه - حمل هذا الحديث على ظاهره ، فقال : يؤتى بالبهائم فيقال لها : كوني ترابا ، وذلك بعدما يقاد للجماء من القرناء ، وحينئذ : وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا وقد قيل في معنى الحديث : إن المقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص ، والإغياء فيه حتى يفهم منه : أنه لا بد لكل أحد منه ، وأنه لا محيص له عنه ، ويتأيد هذا بما جاء في هذا الحديث عن بعض رواته من الزيادة ، فقال : " حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء ، وللحجر لم ركب على الحجر وعلى العود خدش العود " فظهر من هذا : أن المقصود منه التمثيل المفيد للإغياء والتهويل ، لأنَّ الجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها ، ولم يصر إليه أحد من العقلاء ، ومتخيله من جملة المعتوهين الأغبياء ، ونظير هذا التمثيل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ وقوله : لَوْ أَنْـزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ الآية ، فتدبر وجه التنظير ، والله بحقائق الأمور عليم خبير .