[115] - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى . ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ حَاتِمٍ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ . وأما قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ) فَهُوَ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ حُكْمِهَا وَاضِحًا وَمَبْسُوطًا ، وَأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُمْسِكُ عَنْ تَأْوِيلِهَا ، وَيَقُولُ : نُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ ، وَأَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ ، وَلَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِهَا ، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ ، وَهُوَ أَحْوَطُ وَأَسْلَمُ . وَالثَّانِي : أَنَّهَا تُتَأَوَّلُ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ ثَابِتٌ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَكَأَنَّ مَنْ نَقَلَهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ ، وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَقَدْ غَلِطَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَأَجْرَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، قَالَ : لِلَّهِ تَعَالَى صُورَةٌ لَا كَالصُّوَرِ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ظَاهِرُ الْفَسَادِ ; لِأَنَّ الصُّورَةَ تُفِيدُ التَّرْكِيبَ ، وَكُلُّ مُرَكَّبٌ مُحْدَثٌ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ هُوَ مُرَكَّبًا ، فَلَيْسَ مُصَوَّرًا . قَالَ : وَهَذَا كَقَوْلِ الْمُجَسِّمَةِ : جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ لَمَّا رَأَوْا أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ : الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ طَرَدُوا الِاسْتِعْمَالَ فَقَالُوا : جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ . وَالْفَرْقُ أَنَّ لَفْظَ شَيْءٍ لَا يُفِيدُ الْحُدُوثَ ، وَلَا يَتَضَمَّنُ مَا يَقْتَضِيهِ ، وَأَمَّا جِسْمٌ وَصُورَةٌ فَيَتَضَمَّنَانِ التَّأْلِيفَ وَالتَّرْكِيبَ ، وَذَلِكَ دَلِيلُ الْحُدُوثِ . قَالَ : الْعَجَبُ مِنَ ابْنِ قُتَيْبَةَ فِي قَوْلِهِ : صُورَةٌ لَا كَالصُّوَرِ ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ عَلَى رَأْيهِ يَقْتَضِي خَلْقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ، فَالصُّورَتَانِ عَلَى رَأْيهِ سَوَاءٌ ، فَإِذَا قَالَ : لَا كَالصُّوَرِ ، تَنَاقَضَ قَوْلُهُ . وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : إِنْ أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ : صُورَةٌ لَا كَالصُّوَرِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤَلَّفٍ وَلَا مُرَكَّبٍ فَلَيْسَ بِصُورَةٍ حَقِيقِيَّةٍ ، وَلَيْسَتِ اللَّفْظَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُوَافِقًا عَلَى افْتِقَارِهِ إِلَى التَّأْوِيلِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الضَّمِيرُ فِي ( صُورَتِهِ ) عَائِدٌ عَلَى الْأَخِ الْمَضْرُوبِ ، وَهَذَا ظَاهِرُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَعُودُ إِلَى آدَمَ ، وَفِيهِ ضَعْفٌ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَعُودُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ وَاخْتِصَاصٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : نَاقَةُ اللَّهِ وَكَمَا يُقَالُ فِي الْكَعْبَةِ : بَيْتُ اللَّهِ وَنَظَائِرُهُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ · ص 127 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب النهي عن ضرب الوجه وفي وعيد الذين يعذبون الناس · ص 597 ( 25 ) باب النهي عن ضرب الوجه وفي وعيد الذين يعذبون الناس ( 2612 ) ( 114 و 115 ) [ 2520 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلَا يَلْطِمَنَّ الْوَجْهَ . وفي رواية : إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ . ( 25 ) ومن باب : إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطم الوجه ( قوله : " إذا قاتل أحدكم أخاه ، فلا يلطمن الوجه " . وفي الأخرى : " فليجتنب الوجه ، فإنَّ الله تعالى خلق آدم على صورته " ) معنى قاتل : ضرب ، وقد جاء كذلك في بعض رواياته ، وقد قلنا : إن أصل المقاتلة المدافعة ، ويعني بالأخوة هنا - والله أعلم - أخوة الآدمية ؛ فإنَّ الناس كلهم بنو آدم ، ودل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " فإنَّ الله خلق آدم على صورته " أي : على صورة وجه المضروب ، فكأن اللاطم في وجه أحد ولد آدم لطم وجه أبيه آدم . وعلى هذا فيحرم لطم الوجه من المسلم والكافر ، ولو أراد الأخوة الدينية لما كان للتعليل بخلق آدم على صورته معنى . لا يقال : فكافر مأمور بقتله وضربه في أي عضو كان ، إذ المقصود إتلافه ، والمبالغة في الانتقام منه ، ولا شك في أن ضرب الوجه أبلغ في الانتقام والعقوبة ، فلا يمنع . وإنما مقصود الحديث : إكرام وجه المؤمن لحرمته ، لأنَّا نقول : مسلم أنا مأمورون بقتل الكافر ، والمبالغة في الانتقام منه ، لكن إذا تمكنا من اجتناب وجهه اجتنبناه لشرفية هذا العضو ، ولأن الشرع قد نزل هذا الوجه منزلة وجه أبينا ، وتقبيح لطم الرجل وجها يشبه وجه أبي اللاطم ، وليس كذلك سائر الأعضاء ، لأنَّها كلها تابعة للوجه ، وهذا الذي ذكرناه هو ظاهر الحديث ، ولا يكون في الحديث إشكال يوهم في حق الله تعالى تشبيها ، وإنَّما أشكل ذلك على من أعاد الضمير في ( صورته ) على الله تعالى ، وذلك ينبغي ألا يصار إليه شرعا ولا عقلا ، أما العقل فيحيل الصورة الجسمية على الله تعالى ، وأما الشرع فلم ينص على ذلك نصا قاطعا ، ومحال أن يكون ذلك ، فإنَّ النص القاطع صادق ، والصادق لا يقول المحال ، فيتعين عود الضمير على المضروب ، لأنَّه هو الذي سبق الكلام لبيان حكمه . وقد أعادت المشبهة هذا الضمير على الله تعالى ، فالتزموا القول بالتجسيم ، وذلك نتيجة العقل السقيم ، والجهل الصميم ، وقد بينا جهلهم ، وحققنا كفرهم فيما تقدم ، ولو سلمنا أن الضمير عائد على الله تعالى ، فللتأويل فيه وجه صحيح ، وهو أن الصورة قد تطلق بمعنى الصفة ، كما يقال : صورة هذه المسألة كذا ، أي : صفتها ، وصور لي فلان كذا فتصورته ، أي : وصفه لي ففهمته ، وضبطت وصفه في نفسي ، وعلى هذا فيكون معنى قوله : " إن الله خلق آدم على صورته " أي : خلقه موصوفا بالعلم الذي فصل به بينه وبين جميع أصناف الحيوانات ، وخصه منه بما لم يخص به أحدا من ملائكة الأرضين والسماوات ، وقد قلنا فيما تقدَّم : إن التسليم في المتشابهات أسلم ، والله ورسوله أعلم .