[36] - حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ ، أَنَّ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ ، أَنَّ الْمُسْتَوْرِدَ الْقُرَشِيَّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ ، قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَقَالَ : مَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تُذْكَرُ عَنْكَ أَنَّكَ تَقُولُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْرِدُ : قُلْتُ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَقَالَ عَمْرٌو : لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ ، وَأَجْبَرُ النَّاسِ عِنْدَ مُصِيبَةٍ ، وَخَيْرُ النَّاسِ بمَسَاكِنِهِمْ وَضُعَفَائِهِمْ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ أَنَّ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ أَنَّ الْمُسْتَوْرِدَ بْنَ شَدَّادٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ ) هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ وَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ لَمْ يُدْرِكِ الْمُسْتَوْرِدَ ، فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ . قُلْتُ : لَا اسْتِدْرَاكَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي هَذَا ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَدِيثَ مَحْذُوفَهُ فِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ مُتَّصِلًا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الثَّانِي مُتَابَعَةً ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي الْمُتَابَعَةِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْأُصُولِ ، وَسَبَقَ أَيْضًا أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ إِذَا رُوِيَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى مُتَّصِلًا احْتُجَّ بِهِ ، وَكَانَ صَحِيحًا ، وَتَبَيَّنَّا بِرِوَايَةِ الِاتِّصَالِ صِحَّةَ رِوَايَةِ الْإِرْسَالِ ، وَيَكُونَانِ صَحِيحَيْنِ بِحَيْثُ لَوْ عَارَضَهُمَا صَحِيحٌ جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ ، قَدَّمْنَاهُمَا عَلَيْهِ . قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : ( وَأَجْبَرُ النَّاسِ عِنْدَ مُصِيبَةٍ ) هَكَذَا فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ : ( وَأَجْبَرُ ) بِالْجِيمِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ ، وَفِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ ( وَأَصْبَرُ ) بِالصَّادِ . قَالَ الْقَاضِي : وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِمُطَابَقَةِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ . وَهَذَا بِمَعْنَى أَجْبَرَ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : ( أَخْبَرُ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَلَعَلَّ مَعْنَاهُ أَخْبَرَهُمْ بِعِلَاجِهَا وَالْخُرُوجِ مِنْهَا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ · ص 346 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب تقوم الساعة والروم أكثر الناس وما يفتح للمسلمين مع ذلك · ص 235 ( 9 ) باب تقوم الساعة والروم أكثر الناس وما يفتح للمسلمين مع ذلك 2898 ( 35 و 36 ) [ 2803 ] عن موسى بن علي عن أبيه قال : قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو : أَبْصِرْ مَا تَقُولُ ، قَالَ : أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا : إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ : وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ . في رواية : وأجبر الناس عند مصيبة . و ( قوله : " تقوم الساعة والروم أكثر الناس " ) هذا الحديث رواه مسلم من طريقين : أحدهما : لا تعقب فيه عليه ، والآخر : فيه تعقب . وهو الذي قال فيه : حدثني حرملة بن يحيى التجيبي ، حدثنا عبد الله بن وهب ، حدثني أبو شريح أن عبد الكريم بن الحارث حدثه أن المستورد القرشي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك . قال الدارقطني : عبد الكريم لم يدرك المستورد ، والحديث مرسل . قلت : هذا الإسناد ذكره مسلم مردفا على الإسناد السليم الذي لا تعقب فيه ، وكأن مسلما تحقق ما قاله الدارقطني ، ولذلك أردفه على الإسناد الأول الذي هو عُمدته وعلى شرطه . وهذا وغيره مما تقدَّم مثله يدلّ على أن القسم الثالث الذي ذكره مسلم في أول كتابه أدخله في مسنده ، والله أعلم . وهذا الحديث قد صدقه الوجود ، فإنَّهم اليوم أكثر من في العالم غير يأجوج ومأجوج ؛ إذ قد عمروا من الشام إلى أقصى منقطع أرض الأندلس ، وقد اتسع دين النصارى اتساعا عظيما لم تتسعه أمة من الأمم ، وكل ذلك بقضاء الله تعالى وقدره . ووصف عبد الله بن عمرو لهم بما وصفهم به من تلك الأوصاف الجميلة ، إنما كانت غالبة على الروم الذين أدرك هو زمانهم ، وأما ما في الوجود منهم اليوم فهم أنجس الخليقة وأركسهم ، وهم موصوفون بنقيض تلك الأوصاف . و ( قوله : " وأجبر الناس عند مصيبة " ) كذا رواية الجمهور ، وهو من جبرت العظم والرِّجل : إذا شددت مفاقره ، وقد فسر معنى هذه الرواية في الرواية الأخرى التي قال فيها : " وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة " ووقع لبعضهم : " أصبر الناس " بدل : " أجبر الناس " . والأول أصح وأحسن .