[100] 169 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، ح . وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، وَاللَّفْظُ لَهُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الدَّجَّالَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ النَّاسِ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، أَلَا وَإِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى ، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِئَةٌ . حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ ، وَأَبُو كَامِلٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، ح . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ ، يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ . ( 20 - 23 ) بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ قَدْ سَبَقَ فِي شَرْحِ خُطْبَةِ الْكِتَابِ بَيَانُ اشْتِقَاقِهِ وَغَيْرِهِ ، وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بَيَانُ تَسْمِيَتِهِ الْمَسِيحَ وَاشْتِقَاقُهُ ، وَالْخِلَافُ فِي ضَبْطِهِ . قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ فِي قِصَّةِ الدَّجَّالِ حُجَّةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ فِي صِحَّةِ وُجُودِهِ ، وَأَنَّهُ شَخْصٌ بِعَيْنِهِ ، ابْتَلَى اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ، وَأَقْدَرَهُ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْ مَقْدُورَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ إِحْيَاءِ الْمَيِّتِ الَّذِي يَقْتُلُهُ ، وَمِنْ ظُهُورِ زَهْرَةِ الدُّنْيَا ، وَالْخِصْبِ مَعَهُ ، وَجَنَّتِهِ وَنَارِهِ وَنَهَرَيْهِ ، وَاتِّبَاعِ كُنُوزِ الْأَرْضِ لَهُ ، وَأَمْرِهِ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ ، وَالْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ فَتُنْبِتَ ، فَيَقَعُ كُلُّ ذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ ، ثُمَّ يُعْجِزُهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى قَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَلَا غَيْرِهِ ، وَيُبْطِلُ أَمْرَهُ ، وَيَقْتُلُهُ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا . هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَجَمِيعِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالنُّظَّارِ ، خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهُ ، وَأَبْطَلَ أَمْرَهُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَخِلَافًا لِلْبُخَارِيِّ الْمُعْتَزِلِيِّ وَمُوَافِقِيهِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي أَنَّهُ صَحِيحُ الْوُجُودِ ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَدَّعِي مَخَارِفَ وَخَيَالَاتٍ لَا حَقَائِقَ لَهَا ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقًّا لَمْ يَوْثُقْ بِمُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ . وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ جَمِيعِهِمْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّةَ فَيَكُونَ مَا مَعَهُ كَالتَّصْدِيقِ لَهُ ، وَإِنَّمَا يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ ، وَهُوَ فِي نَفْسِ دَعْوَاهُ مُكَذِّبٌ لَهَا بِصُورَةِ حَالِهِ ، وَوُجُودِ دَلَائِلِ الْحُدُوثِ فِيهِ ، وَنَقْصِ صُورَتِهِ ، وَعَجْزِهِ عَنْ إِزَالَةِ الْعَوَرِ الَّذِي فِي عَيْنَيْهِ ، وَعَنْ إِزَالَةِ الشَّاهِدِ بِكُفْرِهِ الْمَكْتُوبِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ . وَلِهَذِهِ الدَّلَائِلِ وَغَيْرِهَا لَا يَغْتَرُّ بِهِ إِلَّا رِعَاعٌ مِنَ النَّاسِ لِسَدِّ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ رَغْبَةً فِي سَدِّ الرَّمَقِ ، أَوْ تَقِيَّةً وَخَوْفًا مِنْ أَذَاهُ ; لِأَنَّ فِتْنَتَهُ عَظِيمَةٌ جِدًّا تَدْهَشُ الْعُقُولَ ، وَتُحَيِّرُ الْأَلْبَابَ ، مَعَ سُرْعَةِ مُرُورِهِ فِي الْأَمْرِ ، فَلَا يَمْكُثُ بِحَيْثُ يَتَأَمَّلُ الضُّعَفَاءُ حَالَهُ وَدَلَائِلَ الْحُدُوثِ فِيهِ وَالنَّقْصِ فَيُصَدِّقُهُ مَنْ صَدَّقَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلِهَذَا حَذَّرَتِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ مِنْ فِتْنَتِهِ ، وَنَبَّهُوا عَلَى نَقْصِهِ وَدَلَائِلِ إِبْطَالِهِ . وَأَمَّا أَهْلُ التَّوْفِيقِ فَلَا يَغْتَرُّونَ بِهِ ، وَلَا يُخْدَعُونَ لِمَا مَعَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلَائِلِ الْمُكَذِّبَةِ لَهُ مَعَ مَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِحَالَهِ ، وَلِهَذَا يَقُولُ لَهُ الَّذِي يَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ : مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إِلَّا بَصِيرَةً . هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، أَلَا وَإِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى ، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِئَةٌ ) أَمَّا ( طَافِئَةُ ) فَرُوِيَتْ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، فَالْمَهْمُوزَةُ هِيَ الَّتِي ذَهَبَ نُورُهَا ، وَغَيْرُ الْمَهْمُوزَةِ الَّتِي نَتَأَتْ وَطَفَتْ مُرْتَفِعَةٌ وَفِيهَا ضَوْءٌ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ هَذَا كُلِّهِ ، وَبَيَانُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةِ ( أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى ) ، وَفِي رِوَايَةٍ ( الْيُسْرَى ) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ . وَالْعَوَرُ فِي اللُّغَةِ الْعَيْبُ ، وَعَيْنَاهُ مَعِيبَتَانِ عَوَرًا ، وَأَنَّ إِحْدَاهُمَا طَافِئَةٌ بِالْهَمْزِ لَا ضَوْءَ فِيهَا ، وَالْأُخْرَى طَافِيَةٌ بِلَا هَمْزَةٍ ظَاهِرَةٍ نَاتِئَةٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، وَالدَّجَّالُ أَعْوَرُ ) فَبَيَانٌ لِعَلَامَةٍ بَيِّنَةٍ تَدُلُّ عَلَى كَذِبِ الدَّجَّالِ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً بَدِيهِيَّةً ، يُدْرِكُهَا كُلُّ أَحَدٍ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى كَوْنِهِ جِسْمًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ لِكَوْنِ بَعْضِ الْعَوَامِّ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب ذِكْرِ الدَّجَّالِ وَصِفَتِهِ وَمَا مَعَهُ · ص 371 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب رؤية النبي للأنبياء ووصفه لهم وصلاتهم وذكر الدجال · ص 398 169 - [ 137] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم يَوْمًا بَيْنَ ظَهرَانَيِ النَّاسِ - الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، أَلا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى ، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ . قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَرَانِي اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ ، رَجِلُ الشَّعْرِ ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وهو بَيْنَهُمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا : الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلاً جَعْدًا قَطَطًا ، أَعْوَرَ العَيْنِ الْيُمْنَى ، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ . والمسيح ابن مريم لا خلاف أنه بفتح الميم ، وكسر السين مخففة . وأما المسيح الدجّال ، فتقييده عند أكثر العلماء مثل الأول ، وقيّده أبو إسحاق بن جعفر : بكسر الميم وتشديد السين ، وقاله كذلك غير واحد . وبعضهم يقوله كذلك بالخاء المنقوطة ، وبعضهم يقول : مَسيحٌ بفتح الميم وبالحاء والتخفيف . واختُلِف في المسيح ابن مريم ممّاذا أُخِذ ؟ فقيل : لأنه مسح الأرض ؛ أي : ذهب فيها ، فلم يسكن بكن . وقيل : لأنه ممسوح بدهن البركة . وقيل : لأنه كان ممسوح الأخمصين . وقيل : لأنه كان لا يمسح ذا عاهةٍ إلا برأ . وقيل : لأن الجمال مسحه ؛ أي : أصابه وظهر عليه . وقال ابن الأعرابي : المسيح : الصدّيق ، وبه سُمي عيسى ، وقيل : هو اسم سمّاه الله تعالى به ؛ أي : أنه غير مشتق . وأما الدجّال ، فسمّي مسيحًا ؛ لأنه ممسوح العين اليُمنى ، وقيل : لأنه مسح الأرض ؛ أي : قطعها بالذهاب . ومن قاله بالخاء فمن المسخ . و ( قوله : بين ظهراني الناس ) أي : في الناس ومعهم ، يقال : ظهراني بنون وبغير نون ، وظهور ، كلها بمعنى واحد . و ( قوله في هذا الحديث : أعور العين اليُمنى ) هذا هو الصحيح والمشهور ، وقد وقع في رواية : اليسرى ، وكأنه وهمٌ ، ويمكن أن يحمل هذا على ما يتخيله بعض العامة من أن العوراء هي الصحيحة ؛ إذ قد بقيت منفردة عديمة قرينتها ، وليس بشيء ، بل العوراء التي أصابها العور ؛ أي : العيب . و ( قوله : طافية ) بغير همز ، وعليه أكثر الروايات ، وهكذا قال الأخفش ، ومعناه أنها ممتلئة قد طفتْ وبرزتْ ، وقد روي بالهمز ؛ أي : قد ذهب ضوؤها وتقبّضت ، ويؤيد هذه الرواية قوله في أخرى : أنه ممسوح العين ، وأنها ليست جحرا ولا ناتئة وأنها مطموسة ، وهذه صفة حبة العنب إذا طفئت وزال ماؤها ، وبهذا فسره عيسى بن دينار . وقوله في وصف عيسى : آدم من الأدمة ، وهو لون فوق السُّمرة ودون السحمة بالسين المهملة ، وكأن الأدمة يسير سوادٍ يضرب إلى الحمرة ، وهو غالب ألوان العرب . ولهذا جاء في أخرى في وصف عيسى : إنه أحمر مكان آدم وعلى هذا يجتمع ما في الروايتين . وقد روى البخاري من رواية أبي هريرة في صفة عيسى : أنه أحمر ، كأنما خرج من ديماس ، وقد أنكر ابن عمر هذا وحلف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقله . و اللمة بكسر اللام : الشعر الواصل إلى المنكب ، كأنه ألمّ به ؛ أي : نزل . و الْجُمة : الشعر الواصل إلى شحمة الأذن ، وهو أيضا الوفرة . و الرَّجِلُ : فوق السبط ودون الجعد ، وهو الذي فيه يسير تكسُّر . و الجعد الكثير التكسر والتقبّض . و القطط - بفتح الطاء وكسرها - : هو الشديد الجعودة الذي لا يطول إلا إذا جبذ ، كشعور غالب السودان ، وهو من وصف الدجّال . و ( قوله : يقطر رأسه ماءً ) يعني : أنه قريب عهد بغسل ، وكأنه اغتسل للطواف . وفي الرواية الأخرى : ينطف ، ومعناه . يقطر . وفي رواية : قد رجّلها أي : مشّطها ، وشعر مرجّل ؛ أي : ممشوط مسرّح . والشعر الرَّجِل منه .