باب رؤية النبي للأنبياء ووصفه لهم وصلاتهم وذكر الدجال
[ 137] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم يَوْمًا بَيْنَ ظَهرَانَيِ النَّاسِ - الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، أَلا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى ، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ . قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَرَانِي اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ ، رَجِلُ الشَّعْرِ ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وهو بَيْنَهُمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا : الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلاً جَعْدًا قَطَطًا ، أَعْوَرَ العَيْنِ الْيُمْنَى ، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ .
والمسيح ابن مريم لا خلاف أنه بفتح الميم ، وكسر السين مخففة . وأما المسيح الدجّال ، فتقييده عند أكثر العلماء مثل الأول ، وقيّده أبو إسحاق بن جعفر : بكسر الميم وتشديد السين ، وقاله كذلك غير واحد . وبعضهم يقوله كذلك بالخاء المنقوطة ، وبعضهم يقول : مَسيحٌ بفتح الميم وبالحاء والتخفيف .
واختُلِف في المسيح ابن مريم ممّاذا أُخِذ ؟ فقيل : لأنه مسح الأرض ؛ أي : ذهب فيها ، فلم يسكن بكن . وقيل : لأنه ممسوح بدهن البركة . وقيل : لأنه كان ممسوح الأخمصين .
وقيل : لأنه كان لا يمسح ذا عاهةٍ إلا برأ . وقيل : لأن الجمال مسحه ؛ أي : أصابه وظهر عليه . وقال ابن الأعرابي : المسيح : الصدّيق ، وبه سُمي عيسى ، وقيل : هو اسم سمّاه الله تعالى به ؛ أي : أنه غير مشتق .
وأما الدجّال ، فسمّي مسيحًا ؛ لأنه ممسوح العين اليُمنى ، وقيل : لأنه مسح الأرض ؛ أي : قطعها بالذهاب . ومن قاله بالخاء فمن المسخ . و ( قوله : بين ظهراني الناس ) أي : في الناس ومعهم ، يقال : ظهراني بنون وبغير نون ، وظهور ، كلها بمعنى واحد .
و ( قوله في هذا الحديث : أعور العين اليُمنى ) هذا هو الصحيح والمشهور ، وقد وقع في رواية : اليسرى ، وكأنه وهمٌ ، ويمكن أن يحمل هذا على ما يتخيله بعض العامة من أن العوراء هي الصحيحة ؛ إذ قد بقيت منفردة عديمة قرينتها ، وليس بشيء ، بل العوراء التي أصابها العور ؛ أي : العيب . و ( قوله : طافية ) بغير همز ، وعليه أكثر الروايات ، وهكذا قال الأخفش ، ومعناه أنها ممتلئة قد طفتْ وبرزتْ ، وقد روي بالهمز ؛ أي : قد ذهب ضوؤها وتقبّضت ، ويؤيد هذه الرواية قوله في أخرى : أنه ممسوح العين ، وأنها ليست جحرا ولا ناتئة وأنها مطموسة ، وهذه صفة حبة العنب إذا طفئت وزال ماؤها ، وبهذا فسره عيسى بن دينار . وقوله في وصف عيسى : آدم من الأدمة ، وهو لون فوق السُّمرة ودون السحمة بالسين المهملة ، وكأن الأدمة يسير سوادٍ يضرب إلى الحمرة ، وهو غالب ألوان العرب .
ولهذا جاء في أخرى في وصف عيسى : إنه أحمر مكان آدم وعلى هذا يجتمع ما في الروايتين . وقد روى البخاري من رواية أبي هريرة في صفة عيسى : أنه أحمر ، كأنما خرج من ديماس ، وقد أنكر ابن عمر هذا وحلف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقله . و اللمة بكسر اللام : الشعر الواصل إلى المنكب ، كأنه ألمّ به ؛ أي : نزل .
و الْجُمة : الشعر الواصل إلى شحمة الأذن ، وهو أيضا الوفرة . و الرَّجِلُ : فوق السبط ودون الجعد ، وهو الذي فيه يسير تكسُّر . و الجعد الكثير التكسر والتقبّض .
و القطط - بفتح الطاء وكسرها - : هو الشديد الجعودة الذي لا يطول إلا إذا جبذ ، كشعور غالب السودان ، وهو من وصف الدجّال . و ( قوله : يقطر رأسه ماءً ) يعني : أنه قريب عهد بغسل ، وكأنه اغتسل للطواف . وفي الرواية الأخرى : ينطف ، ومعناه .
يقطر . وفي رواية : قد رجّلها أي : مشّطها ، وشعر مرجّل ؛ أي : ممشوط مسرّح . والشعر الرَّجِل منه .