229 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( لَا يُلْدَغُ مُؤْمِنٌ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ) . 1676 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ وَأَيُّوبُ بْنُ سُوَيْد ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ) ، فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ : مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ . 1677 - وحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِير الْأَيْلِيُّ ، قَالَ : حدثنا سَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ - يَعْنِي : الزُّهْرِيَّ - أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ حَدَّثَهُ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ( لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ ) . 1678 - وحدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخبرنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حدثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا كُلَّ مَنْ حَدَّثَنَاهُ مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ ، إنَّمَا حَدَّثُونَاهُ : ( لَا يُلْدَغْ مُؤْمِنٌ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ) ، وَيَجْزِمُونَ : يُلْدَغْ فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، إنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَمْرِ ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ قَوْمٌ جَعَلُوا مَعْنَاهُ أَلَّا تُثَنَّى عَلَى مُؤْمِنٍ عُقُوبَةٌ فِي ذَنْبٍ أَتَاهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَزْمَ إذَا وَقَعَ فِي هَذَا كَانَ وَجْهُهُ الْأَمْرَ لَا مَا سِوَاهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : كَلا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا فِي أَمْثَالٍ لِهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ ، وَقَدْ أَبَى ذَلِكَ قَوْمٌ عَلَى قَائِلِيهِ وَقَالُوا : أَصْلُ الْحَدِيثِ : لَا يُلْدَغُ مُؤْمِنٌ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ بِلَفْظِ : يُلْدَغُ ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ الْخَبَرِ كَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَكَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ، وَكَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ، كُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْخَبَرِ بِاسْتِعْمَالِ الرَّفْعِ فِيهِ . وَقَالُوا مُحْتَجِّينَ عَلَى أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى : لَوْ كَانَ التَّأْوِيلُ كَمَا ذَكَرْتُمْ لَمَا احْتَاجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْقَصْدِ بِذَلِكَ إلَى الْمُؤْمِنِ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا تُثَنَّى عَلَيْهِ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ ، وَلِأَنَّ الْمُنَافِقَ أَيْضًا كَذَلِكَ لَا تُثَنَّى عَلَيْهِ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْقَوْلِ إلَى الْمُؤْمِنِ ؛ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ فِيهِ بِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي سِوَى الْمُنَافِقِ وَسِوَى الْكَافِرِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْهُ الذَّنْبُ أَحْزَنَهُ ذَلِكَ وَخَافَ غِبَّهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَرْكِ عَوْدِهِ فِيهِ أَبَدًا ، فَقَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ : إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ، أَيْ : لَا يُذْنِبُ ذَنْبًا يَخَافُ عُقُوبَتَهُ ، ثُمَّ يَعُودُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَجَعَلُوا مَعْنَى قَوْلِهِ : إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ، بِمَعْنَى قَوْلِهِ : إنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ هِيَ فِيمَا تَلَوْنَا مِنْ الْآيِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، إنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى لَيْسَ ، وَهَذَا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَشْبَهُ الْوَجْهَيْنِ بِالْمَعْنَى فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ سَمِعْت يُونُسَ يَقُولُ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَنَا هَذَا الْحَدِيثَ : قُلْت لِابْنِ وَهْبٍ : مَا تَفْسِيرُهُ ؟ قَالَ : الرَّجُلُ يَقَعُ فِي الشَّيْءِ يَكْرَهُهُ فَلَا يَعُودُ فِيهِ ، فَكَانَ هَذَا مُجْمَلًا مِنْ ابْنِ وَهْبٍ ، وَمَعْنَاهُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِلْنَا إلَيْهِ ، وَهُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُ بِإِعْرَابِهِ ، فَقَدْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ مَعْنَاهُ الْمَعْنَى الَّذِي يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إعْرَابُهُ الرَّفْعَ لَا الْجَزْمَ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ التَّوْبَةَ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ ، فَقَالَ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا . 1679 - فَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، عَنْ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ ، عَنْ سِمَاكٍ - وَهُوَ ابْنُ حَرْبٍ - قَالَ : سَمِعْت النُّعْمَانَ - وَهُوَ ابْنُ حُمَيْدٍ - يَقُولُ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : التَّوْبَةُ النَّصُوحُ أَنْ يَجْتَنِبَ الرَّجُلُ الْعَمَلَ السُّوءَ كَانَ يَعْمَلُهُ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ ، ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيهِ أَبَدًا ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ دَلَّك عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّدَمِ أَنَّهُ تَوْبَةٌ . 1680 - كما قد حدثنا يُونُسُ ، قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ ، قَالَ : دَخَلْت مَعَ أَبِي عَلِيٍّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ لَهُ أَبِي : أَأَنْتَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : النَّدَمُ تَوْبَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) . 1681 - وَكَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . فَكَانَ النَّدَمُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ الْعَوْدِ إلَى مِثْلِهِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقَ .
أصل
شرح مشكل الآثارص 96 شرح مشكل الآثارص 96 229 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( لَا يُلْدَغُ مُؤْمِنٌ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ) . 1676 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ وَأَيُّوبُ بْنُ سُوَيْد ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ) ، فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ : مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ . 1677 - وحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِير الْأَيْلِيُّ ، قَالَ : حدثنا سَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ - يَعْنِي : الزُّهْرِيَّ - أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ حَدَّثَهُ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ( لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ ) . 1678 - وحدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخبرنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حدثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا كُلَّ مَنْ حَدَّثَنَاهُ مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ ، إنَّمَا حَدَّثُونَاهُ : ( لَا يُلْدَغْ مُؤْمِنٌ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ) ، وَيَجْزِمُونَ : يُلْدَغْ فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، إنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَمْرِ ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ قَوْمٌ جَعَلُوا مَعْنَاهُ أَلَّا تُثَنَّى عَلَى مُؤْمِنٍ عُقُوبَةٌ فِي ذَنْبٍ أَتَاهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَزْمَ إذَا وَقَعَ فِي هَذَا كَانَ وَجْهُهُ الْأَمْرَ لَا مَا سِوَاهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : كَلا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا فِي أَمْثَالٍ لِهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ ، وَقَدْ أَبَى ذَلِكَ قَوْمٌ عَلَى قَائِلِيهِ وَقَالُوا : أَصْلُ الْحَدِيثِ : لَا يُلْدَغُ مُؤْمِنٌ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ بِلَفْظِ : يُلْدَغُ ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ الْخَبَرِ كَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَكَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ، وَكَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ، كُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْخَبَرِ بِاسْتِعْمَالِ الرَّفْعِ فِيهِ . وَقَالُوا مُحْتَجِّينَ عَلَى أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى : لَوْ كَانَ التَّأْوِيلُ كَمَا ذَكَرْتُمْ لَمَا احْتَاجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْقَصْدِ بِذَلِكَ إلَى الْمُؤْمِنِ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا تُثَنَّى عَلَيْهِ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ ، وَلِأَنَّ الْمُنَافِقَ أَيْضًا كَذَلِكَ لَا تُثَنَّى عَلَيْهِ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْقَوْلِ إلَى الْمُؤْمِنِ ؛ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ فِيهِ بِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي سِوَى الْمُنَافِقِ وَسِوَى الْكَافِرِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْهُ الذَّنْبُ أَحْزَنَهُ ذَلِكَ وَخَافَ غِبَّهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَرْكِ عَوْدِهِ فِيهِ أَبَدًا ، فَقَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ : إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ، أَيْ : لَا يُذْنِبُ ذَنْبًا يَخَافُ عُقُوبَتَهُ ، ثُمَّ يَعُودُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَجَعَلُوا مَعْنَى قَوْلِهِ : إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ، بِمَعْنَى قَوْلِهِ : إنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ هِيَ فِيمَا تَلَوْنَا مِنْ الْآيِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، إنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى لَيْسَ ، وَهَذَا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَشْبَهُ الْوَجْهَيْنِ بِالْمَعْنَى فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ سَمِعْت يُونُسَ يَقُولُ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَنَا هَذَا الْحَدِيثَ : قُلْت لِابْنِ وَهْبٍ : مَا تَفْسِيرُهُ ؟ قَالَ : الرَّجُلُ يَقَعُ فِي الشَّيْءِ يَكْرَهُهُ فَلَا يَعُودُ فِيهِ ، فَكَانَ هَذَا مُجْمَلًا مِنْ ابْنِ وَهْبٍ ، وَمَعْنَاهُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِلْنَا إلَيْهِ ، وَهُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُ بِإِعْرَابِهِ ، فَقَدْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ مَعْنَاهُ الْمَعْنَى الَّذِي يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إعْرَابُهُ الرَّفْعَ لَا الْجَزْمَ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ التَّوْبَةَ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ ، فَقَالَ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا . 1679 - فَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، عَنْ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ ، عَنْ سِمَاكٍ - وَهُوَ ابْنُ حَرْبٍ - قَالَ : سَمِعْت النُّعْمَانَ - وَهُوَ ابْنُ حُمَيْدٍ - يَقُولُ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : التَّوْبَةُ النَّصُوحُ أَنْ يَجْتَنِبَ الرَّجُلُ الْعَمَلَ السُّوءَ كَانَ يَعْمَلُهُ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ ، ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيهِ أَبَدًا ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ دَلَّك عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّدَمِ أَنَّهُ تَوْبَةٌ . 1680 - كما قد حدثنا يُونُسُ ، قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ ، قَالَ : دَخَلْت مَعَ أَبِي عَلِيٍّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ لَهُ أَبِي : أَأَنْتَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : النَّدَمُ تَوْبَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) . 1681 - وَكَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . فَكَانَ النَّدَمُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ الْعَوْدِ إلَى مِثْلِهِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقَ .