فصل في منافع الحِجَامَة وأما منافعُ الحِجَامَة : فإنها تُنَقِّي سطح البدن أكثرَ من الفَصْد ، والفصدُ لأعماق البدن أفضلُ ، والحِجَامَةُ تستخْرِجُ الدَّمَ من نواحي الجلد . قلتُ : والتحقيقُ في أمرها وأمْرِ الفصد ، أنهما يختلفان باختلاف الزمانِ ، والمكانِ ، والإنسانِ ، والأمزجةِ ، فالبلادُ الحارةُ ، والأزمنةُ الحارةُ ، والأمزجة الحارة التي دَمُ أصحابها في غاية النُّضج الحجامةُ فيها أنفعُ من الفصد بكثير ، فإنَّ الدَّمَ ينضج ويَرِقُّ ويخرج إلى سطح الجسد الداخل ، فتُخرِجُ الحِجَامَةِ ما لا يُخرجه الفصد ، ولذلك كانت أنفعَ للصبيان من الفصد ، ولِمَنْ لا يَقْوَى على الفَصد . وقد نص الأطباء على أنَّ البلاد الحارةَ الحجامةُ فيها أنفعُ وأفضلُ من الفصد ، وتُستحب في وسط الشهر ، وبعد وسطه . وبالجملة ، في الربع الثالث من أرباع الشهر ، لأن الدم في أول الشهر لم يكن بعدُ قد هاج وتَبَيَّغَ ، وفي آخره يكون قد سكن ، وأما في وسطه وبُعَيْدَه ، فيكون في نهاية التَّزَيُّدِ . قال صاحب القانون : ويُؤمر باستعمال الحِجَامة لا في أول الشهر ، لأن الأخلاط لا تكون قد تحرَّكت وهاجت ، ولا في آخره لأنها تكون قد نقصَت ، بل في وَسَطِ الشهر حين تكون الأخلاط هائجةً بالغةً في تزايدها لتزيد النور في جُرم القمر . وقد رُوِي عن النبي أنه قال : خَيْرُ ما تداويتم به الحِجَامَة والفَصْدُ . وفي حديث : خَيْرُ الدواءِ الحِجَامَةُ والفَصْد . انتهى . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : خَير ما تداويتم به الحِجَامَة إشارة إلى أهل الحجاز ، والبلاد الحارةِ ، لأن دِماءَهم رقيقةٌ ، وهي أميَلُ إلى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد ، واجتماعها في نواحي الجلد ، ولأن مسامَّ أبدانهم واسعة ، وقواهم متخلخِلةٌ ، ففي الفصد لهم خطرٌ ، والحِجامة تفرُّقٌ اتصالي إرادي يتبعه استفراغٌ كُلِّيٌ من العروق ، وخاصةً العروقَ التي لا تُفصد كثيرا ، ولِفصد كُلِّ منها نفعٌ خاص ، ففصدُ الباسليق : ينفع من حرارة الكبد والطحال والأورام الكائنةِ فيهما من الدم ، وينفع من أورام الرئة ، وينفع من الشَّوْصَة وذات الجنب وجميع الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الوَرِك . وفصد الأكحل : ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويّا ، وكذلك إذا كان الدم قد فسد في جميع البدن . وفصد القيفال : ينفع من العلل العارضة في الرأس والرقبة من كثرة الدم أو فساده . وفصد الوَدْجيْنِ : ينفع من وجع الطحال ، والربو ، والبُهْر ، ووجع الجبين . والحجامة على الكاهل : تنفع من وجع المَنْكِبِ والحلق . والحجامة على الأخدعين : تنفع من أمراض الرأس ، وأجزائه ، كالوجه ، والأسنان ، والأذنين ، والعينين ، والأنف ، والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدَّم أو فساده ، أو عنهما جميعا . قال أنس رضي الله تعالى عنه : كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يحتجمُ في الأخْدَعَيْن والكَاهِلِ . وفي ( الصحيحين ) عنه : كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يحتجم ثلاثا : واحدةً على كاهله ، واثْنتين على الأخْدَعَيْن . وفي ( الصحيح ) عنه : أنه احتجم وهو محرمٌ في رأسه لِصداع كان به . وفي ( سنن ابن ماجه ) عن عليّ : نزل جبريلُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجامة الأخْدَعَيْنِ والكَاهِلِ . وفي ( سنن أبي داود ) من حديث جابر : أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم – احتجم في وَركه من وثءٍ كان به .
الطب النبوي
الطب النبويفصل في منافع الحِجَامَة · ص 43 الطب النبويفصل في منافع الحِجَامَة · ص 43 فصل في منافع الحِجَامَة وأما منافعُ الحِجَامَة : فإنها تُنَقِّي سطح البدن أكثرَ من الفَصْد ، والفصدُ لأعماق البدن أفضلُ ، والحِجَامَةُ تستخْرِجُ الدَّمَ من نواحي الجلد . قلتُ : والتحقيقُ في أمرها وأمْرِ الفصد ، أنهما يختلفان باختلاف الزمانِ ، والمكانِ ، والإنسانِ ، والأمزجةِ ، فالبلادُ الحارةُ ، والأزمنةُ الحارةُ ، والأمزجة الحارة التي دَمُ أصحابها في غاية النُّضج الحجامةُ فيها أنفعُ من الفصد بكثير ، فإنَّ الدَّمَ ينضج ويَرِقُّ ويخرج إلى سطح الجسد الداخل ، فتُخرِجُ الحِجَامَةِ ما لا يُخرجه الفصد ، ولذلك كانت أنفعَ للصبيان من الفصد ، ولِمَنْ لا يَقْوَى على الفَصد . وقد نص الأطباء على أنَّ البلاد الحارةَ الحجامةُ فيها أنفعُ وأفضلُ من الفصد ، وتُستحب في وسط الشهر ، وبعد وسطه . وبالجملة ، في الربع الثالث من أرباع الشهر ، لأن الدم في أول الشهر لم يكن بعدُ قد هاج وتَبَيَّغَ ، وفي آخره يكون قد سكن ، وأما في وسطه وبُعَيْدَه ، فيكون في نهاية التَّزَيُّدِ . قال صاحب القانون : ويُؤمر باستعمال الحِجَامة لا في أول الشهر ، لأن الأخلاط لا تكون قد تحرَّكت وهاجت ، ولا في آخره لأنها تكون قد نقصَت ، بل في وَسَطِ الشهر حين تكون الأخلاط هائجةً بالغةً في تزايدها لتزيد النور في جُرم القمر . وقد رُوِي عن النبي أنه قال : خَيْرُ ما تداويتم به الحِجَامَة والفَصْدُ . وفي حديث : خَيْرُ الدواءِ الحِجَامَةُ والفَصْد . انتهى . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : خَير ما تداويتم به الحِجَامَة إشارة إلى أهل الحجاز ، والبلاد الحارةِ ، لأن دِماءَهم رقيقةٌ ، وهي أميَلُ إلى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد ، واجتماعها في نواحي الجلد ، ولأن مسامَّ أبدانهم واسعة ، وقواهم متخلخِلةٌ ، ففي الفصد لهم خطرٌ ، والحِجامة تفرُّقٌ اتصالي إرادي يتبعه استفراغٌ كُلِّيٌ من العروق ، وخاصةً العروقَ التي لا تُفصد كثيرا ، ولِفصد كُلِّ منها نفعٌ خاص ، ففصدُ الباسليق : ينفع من حرارة الكبد والطحال والأورام الكائنةِ فيهما من الدم ، وينفع من أورام الرئة ، وينفع من الشَّوْصَة وذات الجنب وجميع الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الوَرِك . وفصد الأكحل : ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويّا ، وكذلك إذا كان الدم قد فسد في جميع البدن . وفصد القيفال : ينفع من العلل العارضة في الرأس والرقبة من كثرة الدم أو فساده . وفصد الوَدْجيْنِ : ينفع من وجع الطحال ، والربو ، والبُهْر ، ووجع الجبين . والحجامة على الكاهل : تنفع من وجع المَنْكِبِ والحلق . والحجامة على الأخدعين : تنفع من أمراض الرأس ، وأجزائه ، كالوجه ، والأسنان ، والأذنين ، والعينين ، والأنف ، والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدَّم أو فساده ، أو عنهما جميعا . قال أنس رضي الله تعالى عنه : كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يحتجمُ في الأخْدَعَيْن والكَاهِلِ . وفي ( الصحيحين ) عنه : كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يحتجم ثلاثا : واحدةً على كاهله ، واثْنتين على الأخْدَعَيْن . وفي ( الصحيح ) عنه : أنه احتجم وهو محرمٌ في رأسه لِصداع كان به . وفي ( سنن ابن ماجه ) عن عليّ : نزل جبريلُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجامة الأخْدَعَيْنِ والكَاهِلِ . وفي ( سنن أبي داود ) من حديث جابر : أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم – احتجم في وَركه من وثءٍ كان به .
الطب النبويفصل في منافع الحِجَامَة · ص 43 فصل في منافع الحِجَامَة وأما منافعُ الحِجَامَة : فإنها تُنَقِّي سطح البدن أكثرَ من الفَصْد ، والفصدُ لأعماق البدن أفضلُ ، والحِجَامَةُ تستخْرِجُ الدَّمَ من نواحي الجلد . قلتُ : والتحقيقُ في أمرها وأمْرِ الفصد ، أنهما يختلفان باختلاف الزمانِ ، والمكانِ ، والإنسانِ ، والأمزجةِ ، فالبلادُ الحارةُ ، والأزمنةُ الحارةُ ، والأمزجة الحارة التي دَمُ أصحابها في غاية النُّضج الحجامةُ فيها أنفعُ من الفصد بكثير ، فإنَّ الدَّمَ ينضج ويَرِقُّ ويخرج إلى سطح الجسد الداخل ، فتُخرِجُ الحِجَامَةِ ما لا يُخرجه الفصد ، ولذلك كانت أنفعَ للصبيان من الفصد ، ولِمَنْ لا يَقْوَى على الفَصد . وقد نص الأطباء على أنَّ البلاد الحارةَ الحجامةُ فيها أنفعُ وأفضلُ من الفصد ، وتُستحب في وسط الشهر ، وبعد وسطه . وبالجملة ، في الربع الثالث من أرباع الشهر ، لأن الدم في أول الشهر لم يكن بعدُ قد هاج وتَبَيَّغَ ، وفي آخره يكون قد سكن ، وأما في وسطه وبُعَيْدَه ، فيكون في نهاية التَّزَيُّدِ . قال صاحب القانون : ويُؤمر باستعمال الحِجَامة لا في أول الشهر ، لأن الأخلاط لا تكون قد تحرَّكت وهاجت ، ولا في آخره لأنها تكون قد نقصَت ، بل في وَسَطِ الشهر حين تكون الأخلاط هائجةً بالغةً في تزايدها لتزيد النور في جُرم القمر . وقد رُوِي عن النبي أنه قال : خَيْرُ ما تداويتم به الحِجَامَة والفَصْدُ . وفي حديث : خَيْرُ الدواءِ الحِجَامَةُ والفَصْد . انتهى . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : خَير ما تداويتم به الحِجَامَة إشارة إلى أهل الحجاز ، والبلاد الحارةِ ، لأن دِماءَهم رقيقةٌ ، وهي أميَلُ إلى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد ، واجتماعها في نواحي الجلد ، ولأن مسامَّ أبدانهم واسعة ، وقواهم متخلخِلةٌ ، ففي الفصد لهم خطرٌ ، والحِجامة تفرُّقٌ اتصالي إرادي يتبعه استفراغٌ كُلِّيٌ من العروق ، وخاصةً العروقَ التي لا تُفصد كثيرا ، ولِفصد كُلِّ منها نفعٌ خاص ، ففصدُ الباسليق : ينفع من حرارة الكبد والطحال والأورام الكائنةِ فيهما من الدم ، وينفع من أورام الرئة ، وينفع من الشَّوْصَة وذات الجنب وجميع الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الوَرِك . وفصد الأكحل : ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويّا ، وكذلك إذا كان الدم قد فسد في جميع البدن . وفصد القيفال : ينفع من العلل العارضة في الرأس والرقبة من كثرة الدم أو فساده . وفصد الوَدْجيْنِ : ينفع من وجع الطحال ، والربو ، والبُهْر ، ووجع الجبين . والحجامة على الكاهل : تنفع من وجع المَنْكِبِ والحلق . والحجامة على الأخدعين : تنفع من أمراض الرأس ، وأجزائه ، كالوجه ، والأسنان ، والأذنين ، والعينين ، والأنف ، والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدَّم أو فساده ، أو عنهما جميعا . قال أنس رضي الله تعالى عنه : كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يحتجمُ في الأخْدَعَيْن والكَاهِلِ . وفي ( الصحيحين ) عنه : كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يحتجم ثلاثا : واحدةً على كاهله ، واثْنتين على الأخْدَعَيْن . وفي ( الصحيح ) عنه : أنه احتجم وهو محرمٌ في رأسه لِصداع كان به . وفي ( سنن ابن ماجه ) عن عليّ : نزل جبريلُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجامة الأخْدَعَيْنِ والكَاهِلِ . وفي ( سنن أبي داود ) من حديث جابر : أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم – احتجم في وَركه من وثءٍ كان به .
الطب النبويفصل في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في علاج يبس الطبع واحتياجه إلى ما يُمشيه ويُلينه · ص 58 فصل في هَدْيه - صلى الله عليه وسلم - في علاج يبس الطبع واحتياجه إلى ما يُمشيه ويُلينه روى الترمذي في ( جامعه ) وابن ماجه في ( سننه ) من حديث أسماء بنت عُمَيْسٍ ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بماذا كُنتِ تَسْتَمْشِينَ ؟ قالت : بالشُّبْرُم ، قال : حَارٌ جَارٌ . قالت : ثم استمشيْتُ بالسَّنا ، فقال : لو كان شيء يَشْفِي من الموتِ لكانَ السَّنا . وفي ( سنن ابن ماجه ) عن إبراهيم بن أبي عَبلة ، قال : سمعتُ عبد الله ابن أُم حرام ، وكان قد صلَّى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القِبْلتين يقول : سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : عليكم بالسَّنا والسَّنُوت ، فإنَّ فيهما شفاءً مِنْ كلِّ داءٍ إلا السَّامَ ، قيل : يا رسول الله ، وما السَّامُ ؟ قال : الموتُ . قوله : ( بماذا كنتِ تستمشين ) ؟ أي : تلينين الطبع حتى يمشي ، ولا يصير بمنزلة الواقف ، فيؤذي باحتباس النَّجْوِ . ولهذا سمي الدواءُ المسهل مَشِيّا على وزن فعيل . وقيل : لأن المسهول يكثر المشي والاختلاف للحاجة . وقد روي : ( بماذا تستشفين ) ؟ فقالت : بالشُّبْرُم ، وهو من جملة الأدوية اليتوعية ، وهو قِشر عِرْق شجرة ، وهو حارٌ يابس في الدرجة الرابعة ، وأجودُه المائل إلى الحُمْرة ، الخفيفُ الرقيقُ الذي يُشبه الجلد الملفوف ، وبالجملة فهو من الأدوية التي أوصى الأطباءُ بترك استعمالها لخطرها ، وفرطِ إسهالها . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( حَارٌ جَارٌ ) ويُروى : ( حَارٌ يَار ) قال أبو عُبَيد : وأكثر كلامهم بالياء . قلت : وفيه قولان ، أحدهما : أنَّ الحارَّ الجارَّ بالجيم : الشديدُ الإسهال ؛ فوصفه بالحرارة ، وشدةِ الإسهال وكذلك هو . قاله أبو حنيفةَ الدِّينوَرِيُّ . والثاني : وهو الصواب : أنَّ هذا من الإتباع الذي يُقصد به تأكيد الأول ، ويكون بين التأكيد اللَّفظي والمعنوي ، ولهذا يُراعون فيه إتباعه في أكثر حروفه ، كقولهم : حَسَنٌ بَسَنٌ ، أي : كامل الحُسْن . وقولهم : حَسَنٌ قَسَنٌ بالقاف . ومنه : شَيْطانٌ لَيْطانٌ ، وحارٌ جارٌ ، مع أنَّ في الجار معنى آخر ، وهو الذي يجر الشيء الذي يُصيبه من شدة حرارته وجذْبِه له ، كأنه ينزعه ويسلخهُ . و( يار ) إما لغة في ( جار ) كقولهم : صِهرى وصِهريج ، والصهارى والصهاريج ، وإما إتباع مستقل . وأما ( السَّنا ) ففيه لغتان : المد والقصر ، وهو نبت حِجازي أفضلُه المكيّ ، وهو دواء شريف مأمون الغائلة ، قريبٌ من الاعتدال ، حارٌ يابس في الدرجة الأولى ، يُسْهِلُ الصفراءَ والسوداءَ ، ويقوِّي جِرْمَ القلب ، وهذه فضيلة شريفة فيه ، وخاصيته النفعُ من الوسواس السوداوي ، ومن الشِّقاق العارض في البدن ، ويفتح العَضَل وينفع من انتشار الشعر ، ومن القمل والصُّداعَ العتيق ، والجرب ، والبثور ، والحِكَّة ، والصَّرْع ، وشرب مائه مطبوخا أصلحُ مِن شربه مدقوقا ، ومقدارُ الشربة منه ثلاثة دراهمَ ، ومن مائه : خمسة دراهم . وإن طُبِخَ معه شيء من زهر البنفسج والزبيب الأحمر المنزوع العَجَم ، كان أصلحَ . قال الرازيُّ : السَّناء والشاهترج يُسْهلان الأخلاط المحترقة ، وينفعان من الجرب والحِكَّة . والشَّربةُ مِن كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم . وأما ( السَّنوتُ ) ففيه ثمانية أقوال : أحدها : أنه العسل . والثاني : أنه رُبُّ عُكة السمن يخرجُ خططا سوداء على السمن . حكاهما عَمْرو بن بكر السَّكْسَكِيُّ . الثالث : أنه حَبٌ يُشبه الكمون وليس به ، قاله ابن الأعرابي . الرابع : أنه الكَّمون الكرماني . الخامس : أنه الرازيانج . حكاهما أبو حنيفةَ الدِّينَوَرِي عن بعض الأعراب . السادس : أنه الشبت . السابع : أنه التمر . حكاهما أبو بكر بن السُّنِّي الحافظ . الثامن : أنه العَسل الذي يكون في زِقاق السمن . حكاه عبد اللَّطيف البغدادي . قال بعض الأطباء : وهذا أجدر بالمعنى ، وأقرب إلى الصواب ؛ أي : يخلط السَّناء مدقوقا بالعسل المخالط للسمن ، ثم يُلعق فيكون أصلحَ من استعماله مفردا لما في العسل والسمن من إصلاح السَّنا ، وإعانته له على الإسهال . والله أعلم . وقد روى الترمذي وغيره من حديث ابن عباس يرفعه : إنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيتُم به السَّعُوطُ واللَّدُودُ والحِجَامةُ والمَشِيُّ . والمَشِيُّ : هو الذي يمشي الطبعَ وَيُليِّنُه ويُسَهِّلُ خُروجَ الخارِج .
الطب النبويفصل في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في الاستفراغ بالقيء · ص 98 فصل في هَدْيه - صلى الله عليه وسلم - في الاستفراغ بالقيء روى الترمذي في ( جامعه ) عن مَعدان بن أبي طلحةَ ، عن أبي الدرداء : أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قاءَ ، فتوضَّأ ، فلقيتُ ثَوْبان في مسجد دِمَشق ، فذكرتُ له ذلك ، فقال : صَدَقَ ، أنا صَبَبْتُ له وَضُوءَه . قال الترمذي : وهذا أصح شيء في الباب . القيء : أحد الاستفراغات الخمسة التي هي أُصول الاستفراغ ، وهي : الإسهال ، والقيء ، وإخراج الدم ، وخروج الأبخرة والعَرق . وقد جاءت بها السُّـنَّة . فأما الإسهال : فقد مرَّ في حديث : خيرُ ما تداويتم به المَشِي وفي حديث ( السَّنا ) . وأما إخراج الدم ، فقد تقدَّم في أحاديث الحِجامة . وأما استفراغ الأبخرة ، فنذكره عقيبَ هذا الفصل إن شاء الله . وأما الاستفراغ بالعَرق ، فلا يكون غالبا بالقصد ، بل بدفع الطَّبيعة له إلى ظاهر الجسد ، فيُصادف المسامَّ مفتَّحةً ، فيخرج منها . والقيء استفراغٌ من أعلى المَعِدَة ، والحُقنة من أسفلها ، والدواءُ من أعلاها وأسفلها . والقيء نوعان : نوعٌ بالغَلَبة والهَيجان ، ونوعٌ بالاستدعاء والطلب . فأما الأول : فلا يَسُوغُ حبسُه ودفعه إلا إذا أفرط وخِيف منه التلفُ ، فيُقطع بالأشياء التي تُمسكه . وأما الثاني : فأنفعُه عند الحاجة إذا رُوعي زمانُه وشروطه التي تُذكر . وأسباب القيء عشرة : أحدها : غلبة المِرَّة الصفراء ، وطُفوُّها على رأس المعدة ، فتطلب الصعودَ . الثاني : من غلبة بلغم لَزِجٍ قد تحرَّك في المَعِدَة ، واحتاج إلى الخروج . الثالث : أن يكون مِن ضعف المَعِدَة في ذاتها ، فلا تَهْضم الطعام ، فتقذفه إلى جهة فوق . الرابع : أن يُخالطها خلط رديء ينصبُّ إليها ، فيسيء هضمَها ، ويُضعف فعلها . الخامس : أن يكون من زيادة المأكول أو المشروب على القدر الذي تحتمله المَعِدَة ، فتعجز عن إمساكه ، فتطلب دفعه وقذفه . السادس : أن يكون مِن عدم موافقة المأكول والمشروب لها ، وكراهيتها له ، فتطلب دفعه وقذفه . السابع : أن يحصُل فيها ما يُثوِّر الطعامَ بكيفيته وطبيعته ، فتقذف به . الثامن : القَرَف ، وهو مُوجِب غثَيانِ النفس وتَهَوُّعِها . التاسع : من الأعراض النفسانية ، كالهمِّ الشديد ، والغم ، والحزن ، وغلبة اشتغال الطبيعة والقُوَى الطبيعية به ، واهتمامها بوروده عن تدبير البدن ، وإصلاح الغِذاء ، وإنضاجه ، وهضمه ، فتقذِفُه المَعِدَة ، وقد يكون لأجل تحرُّك الأخلاط عند تخبُّط النفس ، فإن كل واحد من النفس والبدن ينفعل عن صاحبه ، ويؤثر في كيفيته . العاشر : نقل الطبيعة بأن يرى مَن يتقيأ ، فيغلبه القيء من غير استدعاء ، فإن الطبيعة نَقَّالة . وأخبرني بعض حُذَّاق الأطباء ، قال : كان لي ابن أُخت حَذِق في الكحْل ، فجلس كحَّالا . فكان إذا فتح عينَ الرجل ، ورأى الرَّمد وكحَّله ، رَمِد هو ، وتكرر ذلك منه ، فترك الجلوسَ . قلتُ له : فما سببُ ذلك ؟ قال : نقلُ الطبيعة ، فإنها نَقَّالة ، قال : وأعرِفُ آخرَ ، كان رأى خُراجا في موضع من جسم رجل يحكُّه ، فحك هو ذلك الموضع ، فخرجت فيه خُراجة . قلتُ : وكلُّ هذا لا بد فيه من استعداد الطبيعة ، وتكون المادة ساكنةً فيها غير متحركة ، فتتحرك لسبب من هذه الأسباب ، فهذه أسبابٌ لتحرك المادة لا أنها هي الموجبة لهذا العارض .
الطب النبويقُسْطٌ وكُسْت · ص 254 قُسْطٌ وكُسْت : بمعنى واحد . وفي ( الصحيحين ) : من حديث أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : خيرُ ما تداوَيْتُم به الحِجامةُ والقُسْطُ البحريّ . وفي ( المسند ) : من حديث أُمِّ قيـس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : عليكم بهذا العُود الهندي ، فإنَّ فيه سَـبْعَةَ أشْــفِيةٍ منها ذاتُ الجَنْبِ . القُسْط : نوعان . أحدهما : الأبيضُ الذي يُقَال له : البحريّ . والآخر : الهندي ، وهو أشدُّهما حرا ، والأبيضُ ألينهُما ، ومنافعُهما كثيرة جدا . وهما حاران يابسان في الثالثة ، يُنشِّفان البلغم ، قاطعانِ للزُّكام ، وإذا شُرِبَا ، نفعا من ضعف الكَبِدِ والمَعِدَة ومن بردهما ، ومِن حُمَّى الدَّوْرِ والرِّبع ، وقطعا وجعَ الجنب ، ونفعا مِن السُّمُوم ، وإذا طُلي به الوجهُ معجونا بالماء والعسل ، قَلَعَ الكَلَف . وقال ( جالينوسُ ) : ينفع من الكُزَاز ، ووجع الجَنْبين ، ويقتل حَبَّ القَرَع . وقد خفي على جُهَّال الأطباء نفعُه من وجِعَ ذاتِ الجَنْب ، فأنكروه ، ولو ظَفِر هذا الجاهلُ بهذا النقل عن ( جالينوس ) لنزَّله منزلةَ النص ، كيف وقد نصَّ كثيرٌ من الأطباء المتقدمين على أنَّ القُسْطَ يصلحُ للنوع البلغمي من ذات الجنب ، ذكره الخطَّابي عن محمد ابن الجَهْم . وقد تقدَّم أنَّ طِبُّ الأطباء بالنسبة إلى طِبِّ الأنبياء أقلُّ من نسبةِ طِب الطُّرقيَّة والعجائز إلى طِبِّ الأطباء ، وأنَّ بيْن ما يُلقَّى بالوحي ، وبيْن ما يُلَقَّى بالتجربة والقياسِ من الفرْق أعظمَ مما بَيْن القَدَم والفرق . ولو أنَّ هؤلاء الجُهَّال وجدوا دواءً منصوصا عن بعض اليهود والنصارى والمشركين من الأطباء ، لتلقَّوْه بالقبول والتسليم ، ولم يتوقَّفُوا على تجربته . نعم ، نحن لا ننكِرُ أنَّ للعادة تأثيرا في الانتفاع بالدواء وعدمه ، فمَن اعتاد دواءً وغذاءً ، كان أنفعَ له ، وأوفقَ ممن لم يَعتدْه ، بل ربما لم ينتفع به مَن لم يعتده . وكلامُ فضلاء الأطباء وإن كان مطلَقا فهو بحسب الأمزجة والأزمنة ، والأماكن والعوائد ، وإذا كان التقييدُ بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم ، فكيف يقدح في كلام الصادق المصدوق ، ولكن نفوس البَشَر مركبةٌ على الجهل والظلم ، إلا مَن أيَّده الله بروح الإيمان ، ونَوَّرَ بَصيرته بنور الهُدَى .