بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أول كِتَابُ القضاء . بَابٌ : فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ أَوَّلُ كِتَابِ الْقَضَاءِ : بِالْمَدِّ الْوِلَايَةُ الْمَعْرُوفَةُ ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ إِحْكَامِ الشَّيْءِ وَالْفَرَاغِ مِنْهُ ، وَمِنْهُ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وبِمَعْنَى إِمْضَاءِ الْأَمْرِ ، وَمِنْهُ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبِمَعْنَى الْحَتْمِ وَالْإِلْزَامِ ، وَمِنْهُ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَفِي الشَّرْعِ : إِلْزَامُ ذِي الْوِلَايَةِ بَعْدَ التَّرَافُعِ ، وَقِيلَ : هُوَ الْإِكْرَاهُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فِي الْوَقَائِعِ الْخَاصَّةِ لِمُعَيَّنٍ أَوْ جِهَةٍ ، وَالْمُرَادُ بِالْجِهَةِ كَالْحُكْمِ لِبَيْتِ الْمَالِ أوَ عَلَيْهِ . كَذَا فِي السُّبُلِ . وَقَالَ الشِّرْبِينِيُّ فِي الْإِقْنَاعِ : الْقَضَاءُ بِالْمَدِّ كَقَبَاءَ وَهُوَ لُغَةً : إِمْضَاءُ الشَّيْءِ وَإِحْكَامِهِ ، وَشَرْعًا : فَصْلُ الْخُصُومَةِ بَيْنَ خَصْمَيْنِ فَأَكْثَرَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي رَمْزِ الْحَقَائِقِ : هُوَ فِي اللُّغَةِ : الْإِتْقَانُ وَالْإِحْكَامُ ، وَفِي الشَّرْعِ : هُوَ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ . قَالَهُ الشَّارِحُ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : هُوَ قَوْلٌ مُلْزِمٌ يَصْدُرُ عَنْ وِلَايَةٍ عَامَّةٍ انْتَهَى . باب في طلب القضاء
الشروح
عون المعبود شرح سنن أبي داودبَاب فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ · ص 323 عون المعبود شرح سنن أبي داودبَاب فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ · ص 323 حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ ( مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ ) : عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ بِالتَّخْفِيفِ أَيْ تَصَدَّى لِلْقَضَاءِ وَتَوَلَّاهُ ، أَوْ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِرِوَايَةِ جُعِلَ قَاضِيًا . كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( فَقَدْ ذُبِحَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بِغَيْرِ سِكِّينٍ ) : قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : الْمُرَادُ ذُبِحَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا إِنْ رَشَدَ ، وَبَيْنَ عَذَابِ الْآخِرَةِ إِنْ فَسَدَ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ : إِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الذَّبْحِ بِالسِّكِّينِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا يُخَافُ مِنْ هَلَاكِ دِينِهِ دُونَ بَدَنِهِ وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ ، وَالثَّانِي : أَنَّ الذَّبْحَ بِالسِّكِّينِ فِيهِ إِرَاحَةٌ لِلْمَذْبُوحِ ، وَبِغَيْرِ السِّكِّينِ كَالْخَنْقِ وَغَيْرِهِ يَكُونُ الْأَلَمُ فِيهِ أَكْثَرَ ، فَذُكِرَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي التَّحْذِيرِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ فُتِنَ بِحُبِّ الْقَضَاءِ فَأَخْرَجَهُ عَمَّا يَتَبَادَرُ إِلَيْهِ الْفَهْمُ مِنْ سِيَاقِهِ ، فَقَالَ : إِنَّمَا قال ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ إِشَارَةً إِلَى الرِّفْقِ بِهِ وَلَوْ ذُبِحَ بِالسِّكِّينِ لَكَانَ عَلَيْهِ أَشَقَّ عليه ، وَلَا يَخْفَى فَسَادُهُ انْتَهَى . وَفِي السُّبُلِ : دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَالدُّخُولِ فِيهِ ؛ كَأَنَّهُ يَقُولُ : مَنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِذَبْحِ نَفْسِهِ فَلْيَحْذَرْهُ وَلْيَتَوَقَّهُ ، فَإِنَّهُ إِنْ حَكَمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ أَوْ جَهْلِهِ لَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ . وَالْمُرَادُ مِنْ ذَبْحِ نَفْسِهِ إِهْلَاكُهَا ؛ أَيْ فَقَدْ أَهْلَكَهَا بِتَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ ، وَإِنَّمَا قَالَ : بِغَيْرِ سِكِّينٍ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِالذَّبْحِ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ الَّذِي يَكُونُ غَالِبًا بِالسِّكِّينِ ، بَلْ أُرِيدَ بِهِ إِهْلَاكُ النَّفْسِ بِالْعَذَابِ الْأُخْرَوِيِّ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .