بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أول كِتَابُ الْعِتْقِ . بَابٌ : فِي الْمُكَاتَبِ يُؤَدِّي بَعْضَ كِتَابَتِهِ فَيَعْجِزُ أَوْ يَمُوتُ أَوَّلُ كِتَابِ الْعِتْقِ : بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ إِزَالَةُ الْمِلْكِ ، يُقَالُ : عَتَقَ يَعْتِقُ عِتْقًا بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَتُفْتَحُ ، وَعَتَاقًا وَعَتَاقَةً قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ : عَتَقَ الْفَرَسُ إِذَا سَبَقَ ، وَعَتَقَ الْفَرْخُ إِذَا طَارَ لِأَنَّ الرَّقِيقَ يَتَخَلَّصُ بِالْعِتْقِ وَيَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَ ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ . بَابٌ فِي الْمُكَاتَبِ : بِالْفَتْحِ مَنْ تَقَعُ عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ ، وَبِالْكَسْرِ مَنْ تَقَعُ مِنْهُ ، وَكَافُ الْكِتَابَةِ تُفْتَحُ وَتُكْسَرُ ، قَالَ الرَّاغِبُ : اشْتِقَاقُهَا مِنْ كَتَبَ بِمَعْنَى أَوْجَبَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا أَوْ بِمَعْنَى جَمَعَ وَضَمَّ وَمِنْهُ كَتَبَ عَلَى الْخَطِّ . فَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ مَأْخُوذَةً مِنْ مَعْنَى الْتِزَامِ ، وَعَلَى الثَّانِي مَأْخُوذَةً مِنَ الْخَطِّ ؛ لِوُجُودِهِ عِنْدَ عَقْدِهَا غَالِبًا . قَالَ ابْنُ التِّينِ : كَانَتِ الْكِتَابَةُ مُتَعَارَفَةً قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( يُؤَدِّي ) مِنَ الْأَدَاءِ ( بَعْضَ كِتَابَتِهِ فَيَعْجِزُ ) أَيْ : عَنْ أَدَاءِ بَعْضِهَا ( أَوْ يَمُوتُ ) قَبْلَ أَدَاءِ الْبَعْضِ .
الشروح
عون المعبود شرح سنن أبي داودبَاب فِي الْمُكَاتَبِ يُؤَدِّي بَعْضَ كِتَابَتِهِ فَيَعْجِزُ أَوْ يَمُوتُ · ص 30 عون المعبود شرح سنن أبي داودبَاب فِي الْمُكَاتَبِ يُؤَدِّي بَعْضَ كِتَابَتِهِ فَيَعْجِزُ أَوْ يَمُوتُ · ص 31 حدثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قال نا أَبُو بَدْرٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبُو عُتْبَةَ إِسْمَاعِيل بْنُ عَيَّاشٍ ، قال حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كتابته دِرْهَمٌ ( عَبْدٌ ) أَيْ : تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الرِّقِّ ( مَا بَقِيَ ) مَا دَائِمَةٌ ( مِنْ كِتَابَتِهِ دِرْهَمٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ في أَثْنَاءَ حَدِيثٍ ، وَأَخْرَجَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ . مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانَا يَقُولَانِ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنُ سَعْدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَعَرَفَتْ صَوْتِي فَقَالَتْ : سُلَيْمَانُ فَقُلْتُ : سُلَيْمَانُ . فَقَالَتْ : أَدَّيْتَ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ كِتَابَتِكَ؟ قُلْتُ : نَعَمْ إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا قَالَتْ : ادْخُلْ فَإِنَّكَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَيْءٌ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ . قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَهُوَ رَأْيِي . قُلْتُ : وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ ، وَكَانَ فِيهِ خِلَافٌ عَنِ السَّلَفِ ، فَعَنْ عَلِيٍّ : إِذَا أَدَّى الشَّطْرَ فَهُوَ غَرِيمٌ ، وَعَنْهُ : يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى مِائَتَيْنِ وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ فَأَدَّى الْمِائَةَ عَتَقَ . وَعَنْ عَطَاءٍ : إِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ كِتَابَتِهِ عَتَقَ . وَرَوَى النَّسَائِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : الْمُكَاتَبُ يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهِ وَوَصْلِهِ . وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ : حَدِيثُ عَائِشَةَ الْآتِي وَهُوَ أَقْوَى ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ بِيعَتْ بَعْدَ أَنْ كُوتِبَتْ ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَصِيرُ بِنَفْسِ الْكِتَابَةِ حُرًّا لَمُنِعَ بَيْعُهَا . وَقَدْ نَاظَرَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ : أَتَرْجُمُهُ ولَوْ زَنَى أَوْ تُجِيزُ شَهَادَتَهُ إِنْ شَهِدَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : لَا ، فَقَالَ زَيْدٌ : فَهُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ . ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ رَأَى أَنَّ بَيْعَ الْمُكَاتَبِ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَبْدًا فَهُوَ مَمْلُوكٌ ، وَإِذَا كَانَ بَاقِيًا عَلَى أَصْلِ مِلْكِهِ وَلَمْ يَحْدُثْ لِغَيْرِهِ فِيهِ مِلْكٌ كَانَ غَيْرَ مَمْنُوعٍ مِنْ بَيْعِهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ نُجُومَهُ بِكَمَالِهَا لَمْ يَكُنْ مَحْكُومًا بِعِتْقِهِ وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً ؛ لِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ وَهُوَ عَبْدٌ لَمْ يَصِرْ حُرًّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَيَأْخُذُ الْمَالَ سَيِّدُهُ وَيَكُونُ أَوْلَادُهُ رَقِيقًا لَهُ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ انْتَهَى . وَقَالَ الْأَرْدُبِيلِيُّ فِي الْأَزْهَارِ : قَالَ الْأَكْثَرُونَ : إِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَدَاءِ النُّجُومِ أَوْ بَعْضِهَا مَاتَ رَقِيقًا ، قَلَّ الْبَاقِي أَوْ كَثُرَ ، تَرَكَ وَفَاءً أَوْ لَمْ يَتْرُكْ ، خَلَّفَ وَلَدًا أَوْ لَمْ يُخَلِّفْ لِهَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ تَرَكَ وَفَاءً عَتَقَ أَوْ لَمْ يَتْرُكْ فَلَا . وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ خَلَّفَ وَلَدًا عَتَقَ وَإِلَّا فَلَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَعْتِقُ إِلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ النُّجُومِ ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمُ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَفِيهِ أَيْضًا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَفِيهِ مَقَالٌ انْتَهَى .