الفصل الثاني في بيان موضوعه والكشف عن مغزاه فيه تقرر أنه التزم فيه الصحة ، وأنه لا يورد فيه إلا حديثا صحيحا ، هذا أصل موضوعه ، وهو مستفاد من تسميته إياه : الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه ، ومما نقلناه عنه من رواية الأئمة عنه صريحا ، ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية والنكت الحكمية ، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة ، فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها ، واعتنى فيه بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة ، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة ، قال الشيخ محيي الدين ، نفع الله به : ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط ، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها ، ولهذا المعنى أخلى كثيرا من الأبواب عن إسناد الحديث ، واقتصر فيه على قوله : فيه فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو نحو ذلك ، وقد يذكر المتن بغير إسناد ، وقد يورده معلقا ، وإنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم لها ، وأشار إلى الحديث لكونه معلوما ، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبا ، ويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة ، وفي بعضها ما فيه حديث واحد ، وفي بعضها ما فيه آية من كتاب الله ، وبعضها لا شيء فيه البتة ، وقد ادعى بعضهم أنه صنع ذلك عمدا وغرضه أن يبين أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه ، ومن ثمة وقع من بعض من نسخ الكتاب ضم باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب ، فأشكل فهمه على الناظر فيه ، وقد أوضح السبب في ذلك الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في مقدمة كتابه في أسماء رجال البخاري ، فقال : أخبرني الحافظ أبو ذر عبد الرحيم بن أحمد الهروي ، قال : حدثنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي ، قال : انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري ، فرأيت فيه أشياء لم تتم وأشياء مبيضة ، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئا ، ومنها أحاديث لم يترجم لها ، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض . قال أبو الوليد الباجي : ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق المستملي ، ورواية أبي محمد السرخسي ، ورواية أبي الهيثم الكشمهيني ، ورواية أبي زيد المروزي ، مختلفة بالتقديم والتأخير ، مع أنهم انتسخوا من أصل واحد ، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما فأضافه إليه ، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ، ليس بينها أحاديث . قال الباجي : وإنما أوردت هذا هنا لما عني به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها ، وتكلفهم من ذلك من تعسف التأويل ما لا يسوغ ، انتهى . قلت : وهذه قاعدة حسنة يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث ، وهي مواضع قليلة جدا ، ستظهر كما سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى ، ثم ظهر لي أن البخاري مع ذلك فيما يورده من تراجم الأبواب على أطوار ، إن وجد حديثا يناسب ذلك الباب ولو على وجه خفي ووافق شرطه أورده فيه بالصيغة التي جعلها مصطلحة لموضوع كتابه ، وهي حدثنا ، وما قام مقام ذلك والعنعنة بشرطها عنده ، وإن لم يجد فيه إلا حديثا لا يوافق شرطه مع صلاحيته للحجة كتبه في الباب مغايرا للصيغة التي يسوق بها ما هو من شرطه ، ومن ثمة أورد التعاليق كما سيأتي في فصل حكم التعليق ، وإن لم يجد فيه حديثا صحيحا لا على شرطه ولا على شرط غيره ، وكان مما يستأنس به ويقدمه قوم على القياس ، استعمل لفظ ذلك الحديث أو معناه ترجمة باب ، ثم أورد في ذلك إما آية من كتاب الله تشهد له أو حديثا يؤيد عموم ما دل عليه ذلك الخبر ، وعلى هذا فالأحاديث التي فيه على ثلاثة أقسام ، وسيأتي تفاصيل ذلك مشروحا إن شاء الله تعالى . ولنشرع الآن في تحقيق شرطه فيه ، وتقرير كونه أصح الكتب المصنفة في الحديث النبوي ، قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر ، فيما قرأت على الثقة أبي الفرج بن حماد ، أن يونس بن إبراهيم بن عبد القوي أخبره عن أبي الحسن بن المقير ، عن أبي المعمر المبارك بن أحمد عنه : شرط البخاري أن يخرج الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات ، ويكون إسناده متصلا غير مقطوع ، وإن كان للصحابي راويان فصاعدا فحسن ، وإن لم يكن إلا راو واحد وصح الطريق إليه كفى . قال : وما ادعاه الحاكم أبو عبد الله أن شرط البخاري ومسلم أن يكون للصحابي راويان فصاعدا ، ثم يكون للتابعي المشهور راويان ثقتان ، إلى آخر كلامه ، فمنتقض عليه بأنهما أخرجا أحاديث جماعة من الصحابة ليس لهم إلا راو واحد ، انتهى . والشرط الذي ذكره الحاكم وإن كان منتقضا في حق بعض الصحابة الذين أخرج لهم ، فإنه معتبر في حق من بعدهم ، فليس في الكتاب حديث أصل من رواية من ليس له إلا راو واحد قط . وقال الحافظ أبو بكر الحازمي رحمه الله : هذا الذي قاله الحاكم ، قول من لم يمعن الغوص في خبايا الصحيح ، ولو استقرأ الكتاب حق استقرائه لوجد جملة من الكتاب ناقضة دعواه ، ثم قال ما حاصله : إن شرط الصحيح أن يكون إسناده متصلا ، وأن يكون راويه مسلما صادقا غير مدلس ولا مختلط ، متصفا بصفات العدالة ، ضابطا متحفظا ، سليم الذهن قليل الوهم سليم الاعتقاد . قال : ومذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه العدول ، فبعضهم حديثه صحيح ثابت ، وبعضهم حديثه مدخول . قال : وهذا باب فيه غموض وطريق إيضاحه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم ، فلنوضح ذلك بمثال وهو : أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلا على خمس طبقات ، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها ، فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة ، وهو مقصد البخاري ، والطبقة الثانية شاركت الأولى في التثبت إلا أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري ، حتى كان فيهم من يزامله في السفر ويلازمه في الحضر ، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه ، فكانوا في الإتقان دون الأولى ، وهم شرط مسلم . ثم مثل الطبقة الأولى بيونس بن يزيد ، وعقيل بن خالد الأيليين ، ومالك بن أنس ، وسفيان بن عيينة ، وشعيب بن أبي حمزة ، والثانية بالأوزاعي ، والليث بن سعد ، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، وابن أبي ذئب . قال : والطبقة الثالثة : نحو جعفر بن برقان ، وسفيان بن حسين ، وإسحاق بن يحيى الكلبي ، والرابعة : نحو زمعة بن صالح ، ومعاوية بن يحيى الصدفي ، والمثنى بن الصباح ، والخامسة : نحو عبد القدوس بن حبيب ، والحكم بن عبد الله الأيلي ، ومحمد بن سعيد المصلوب . فأما الطبقة الأولى فهم شرط البخاري ، وقد يخرج من حديث أهل الطبقة الثانية ما يعتمده من غير استيعاب ، وأما مسلم فيخرج أحاديث الطبقتين على سبيل الاستيعاب ، ويخرج أحاديث أهل الطبقة الثالثة على النحو الذي يصنعه البخاري في الثانية ، وأما الرابعة والخامسة فلا يعرجان عليهما . قلت : وأكثر ما يخرج البخاري حديث الطبقة الثانية تعليقا ، وربما أخرج اليسير من حديث الطبقة الثالثة تعليقا أيضا ، وهذا المثال الذي ذكرناه هو في حق المكثرين ، فيقاس على هذا أصحاب نافع وأصحاب الأعمش وأصحاب قتادة وغيرهم ، فأما غير المكثرين فإنما اعتمد الشيخان في تخريج أحاديثهم على الثقة والعدالة وقلة الخطأ ، لكن منهم من قوي الاعتماد عليه فأخرجا ما تفرد به كيحيى بن سعيد الأنصاري ، ومنهم من لم يقو الاعتماد عليه فأخرجا له ما شاركه فيه غيره ، وهو الأكثر . وقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح في كتابه في علوم الحديث ، فيما أخبرنا به أبو الحسن بن الجوزي ، عن محمد بن يوسف الشافعي عنه سماعا قال : أول من صنف في الصحيح البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ، وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ، ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه فإنه يشارك البخاري في كثير من شيوخه ، وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز . وأما ما رويناه عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : ما أعلم في الأرض كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك . قال : ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ ، يعني بلفظ : أصح من الموطأ ، فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاري ومسلم ، ثم إن كتاب البخاري أصح الكتابين صحيحا وأكثرهما فوائد . وأما ما رويناه عن أبي علي الحافظ النيسابوري أستاذ الحاكم أبي عبد الله الحافظ من أنه قال : ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج ، فهذا وقول من فضل من شيوخ المغرب كتاب مسلم على كتاب البخاري ، إن كان المراد به أن كتاب مسلم يترجح بأنه لم يمازجه غير الصحيح ، فإنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح مسرودا غير ممزوج بمثل ما في كتاب البخاري في تراجم أبوابه من الأشياء التي لم يسندها على الوصف المشروط في الصحيح ، فهذا لا بأس به ، وليس يلزم منه أن كتاب مسلم أرجح فيما يرجع إلى نفس الصحيح على كتاب البخاري ، وإن كان المراد به أن كتاب مسلم أصح صحيحا فهذا مردود على من يقوله ، والله أعلم ، انتهى كلامه . وفيه أشياء تحتاج إلى أدلة وبيان ، فقد استشكل بعض الأئمة إطلاق أصحية كتاب البخاري على كتاب مالك ، مع اشتراكهما في اشتراط الصحة والمبالغة في التحري والتثبت ، وكون البخاري أكثر حديثا لا يلزم منه أفضلية الصحة ، والجواب عن ذلك أن ذلك محمول على أصل اشتراط الصحة ؛ فمالك لا يرى الانقطاع في الإسناد قادحا فلذلك يخرج المراسيل والمنقطعات والبلاغات في أصل موضوع كتابه ، والبخاري يرى أن الانقطاع علة ، فلا يخرج ما هذا سبيله إلا في غير أصل موضوع كتابه كالتعليقات والتراجم ، ولا شك أن المنقطع وإن كان عند قوم من قبيل ما يحتج به ، فالمتصل أقوى منه إذا اشترك كل من رواتهما في العدالة والحفظ ، فبان بذلك شفوف كتاب البخاري ، وعلم أن الشافعي إنما أطلق على الموطأ أفضلية الصحة بالنسبة إلى الجوامع الموجودة في زمنه ؛ كجامع سفيان الثوري ، ومصنف حماد بن سلمة ، وغير ذلك ، وهو تفضيل مسلم لا نزاع فيه ، واقتضى كلام ابن الصلاح أن العلماء متفقون على القول بأفضلية البخاري في الصحة على كتاب مسلم ، إلا ما حكاه عن أبي علي النيسابوري من قوله المتقدم ، وعن بعض شيوخ المغاربة أن كتاب مسلم أفضل من كتاب البخاري من غير تعرض للصحة فنقول : روينا بالإسناد الصحيح عن أبي عبد الرحمن النسائي ، وهو شيخ أبي علي النيسابوري ، أنه قال : ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل والنسائي ، لا يعني بالجودة إلا جودة الأسانيد كما هو المتبادر إلى الفهم من اصطلاح أهل الحديث ، ومثل هذا من مثل النسائي غاية في الوصف مع شدة تحريه وتوقيه وتثبته في نقد الرجال ، وتقدمه في ذلك على أهل عصره حتى قدمه قوم من الحذاق في معرفة ذلك على مسلم بن الحجاج ، وقدمه الدارقطني وغيره في ذلك وغيره على إمام الأئمة أبي بكر بن خزيمة صاحب الصحيح . وقال الإسماعيلي في المدخل له : أما بعد ، فإني نظرت في كتاب الجامع الذي ألفه أبو عبد الله البخاري فرأيته جامعا - كما سمي - لكثير من السنن الصحيحة ، ودالا على جمل من المعاني الحسنة المستنبطة التي لا يكمل لمثلها إلا من جمع إلى معرفة الحديث ونقلته ، والعلم بالروايات وعللها علما بالفقه واللغة ، وتمكنا منها كلها وتبحرا فيها ، وكان يرحمه الله الرجل الذي قصر زمانه على ذلك ، فبرع وبلغ الغاية ، فحاز السبق ، وجمع إلى ذلك حسن النية والقصد للخير فنفعه الله ونفع به . قال : وقد نحا نحوه في التصنيف جماعة ، منهم الحسن بن علي الحلواني ، لكنه اقتصر على السنن ، ومنهم أبو داود السجستاني ، وكان في عصر أبي عبد الله البخاري ، فسلك فيما سماه سننا ذكر ما روي في الشيء وإن كان في السند ضعف إذا لم يجد في الباب غيره ، ومنهم مسلم بن الحجاج وكان يقاربه في العصر فرام مرامه وكان يأخذ عنه ، أو عن كتبه ، إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقة أبي عبد الله ، وروى عن جماعة كثيرة لم يتعرض أبو عبد الله للرواية عنهم ، وكل قصد الخير ، غير أن أحدا منهم لم يبلغ من التشدد مبلغ أبي عبد الله ، ولا تسبب إلى استنباط المعاني واستخراج لطائف فقه الحديث وتراجم الأبواب الدالة على ما له وصلة بالحديث المروي فيه تسببه ، ولله الفضل يختص به من يشاء . وقال الحاكم أبو أحمد النيسابوري ، وهو عصري أبي علي النيسابوري ، ومقدم عليه في معرفة الرجال ، فيما حكاه أبو يعلى الخليلي الحافظ في الإرشاد ، ما ملخصه : رحم الله محمد بن إسماعيل ، فإنه ألف الأصول - يعني أصول الأحكام - من الأحاديث ، وبين للناس ، وكل من عمل بعده فإنما أخذه من كتابه ، كمسلم بن الحجاج . وقال الدارقطني لما ذكر عنده الصحيحان : لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء . وقال مرة أخرى : وأي شيء صنع مسلم ، إنما أخذ كتاب البخاري فعمل عليه مستخرجا ، وزاد فيه زيادات . وهذا الذي حكيناه عن الدارقطني جزم به أبو العباس القرطبي في أول كتابه المفهم في شرح صحيح مسلم ، والكلام في نقل كلام الأئمة في تفضيله كثير ، ويكفي منه اتفاقهم على أنه كان أعلم بهذا الفن من مسلم ، وأن مسلما كان يشهد له بالتقدم في ذلك والإمامة فيه والتفرد بمعرفة ذلك في عصره ، حتى هجر من أجله شيخه محمد بن يحيى الذهلي في قصة مشهورة سنذكرها مبسوطة إن شاء الله تعالى في ترجمة البخاري ، فهذا من حيث الجملة ، وأما من حيث التفصيل فقد قررنا أن مدار الحديث الصحيح على الاتصال وإتقان الرجال وعدم العلل ، وعند التأمل يظهر أن كتاب البخاري أتقن رجالا وأشد اتصالا ، وبيان ذلك من أوجه . أحدها : أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضع وثلاثون رجلا ، المتكلم فيه بالضعف منهم ثمانون رجلا ، والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري ستمائة وعشرون رجلا ، المتكلم فيه بالضعف منهم مائة وستون رجلا ، ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلا أولى من التخريج عمن تكلم فيه ، وإن لم يكن ذلك الكلام قادحا . ثانيها : أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه لم يكثر من تخريج أحاديثهم ، وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلها أو أكثرها ، إلا ترجمة عكرمة عن ابن عباس ، بخلاف مسلم فإنه أخرج أكثر تلك النسخ كأبي الزبير عن جابر ، وسهيل عن أبيه ، والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ، وحماد بن سلمة عن ثابت ، وغير ذلك . ثالثها : أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم وجالسهم وعرف أحوالهم واطلع على أحاديثهم وميز جيدها من موهومها ، بخلاف مسلم ، فإن أكثر من تفرد بتخريج حديثه ممن تكلم فيه ممن تقدم عن عصره من التابعين ومن بعدهم ، ولا شك أن المحدث أعرف بحديث شيوخه ممن تقدم منهم . رابعها : أن البخاري يخرج من أحاديث أهل الطبقة الثانية انتقاء ، ومسلم يخرجها أصولا ، كما تقدم ذلك من تقرير الحافظ أبي بكر الحازمي ، فهذه الأوجه الأربعة تتعلق بإتقان الرواة . وبقي ما يتعلق بالاتصال ، وهو الوجه الخامس وذلك أن مسلما كان مذهبه على ما صرح به في مقدمة صحيحه وبالغ في الرد على من خالفه ، أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن ومن عنعن عنه ، وإن لم يثبت اجتماعهما ، إلا إن كان المعنعن مدلسا ، والبخاري لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة ، وقد أظهر البخاري هذا المذهب في تاريخه وجرى عليه في صحيحه وأكثر منه ، حتى أنه ربما خرج الحديث الذي لا تعلق له بالباب جملة ، إلا ليبين سماع راو من شيخه لكونه قد أخرج له قبل ذلك شيئا معنعنا ، وسترى ذلك واضحا في أماكنه إن شاء الله تعالى ، وهذا مما ترجح به كتابه ، لأنا وإن سلمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال فلا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الاتصال ، والله أعلم . وأما ما يتعلق بعدم العلة ، وهو الوجه السادس فإن الأحاديث التي انتقدت عليهما بلغت مائتي حديث وعشرة أحاديث ، كما سيأتي ذكر ذلك مفصلا في فصل مفرد ، اختص البخاري منها بأقل من ثمانين ، وباقي ذلك يختص بمسلم ، ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر ، والله أعلم . وأما قول أبي علي النيسابوري فلم نقف قط على تصريحه بأن كتاب مسلم أصح من كتاب البخاري ، بخلاف ما يقتضيه إطلاق الشيخ محيي الدين في مختصره في علوم الحديث وفي مقدمة شرح البخاري أيضا ، حيث يقول : اتفق الجمهور على أن صحيح البخاري أصحهما صحيحا وأكثرهما فوائد ، وقال أبو علي النيسابوري وبعض علماء المغرب : صحيح مسلم أصح ، انتهى . ومقتضى كلام أبي علي نفي الأصحية عن غير كتاب مسلم عليه ، أما إثباتها له فلا ، لأن إطلاقه يحتمل أن يريد ذلك ويحتمل أن يريد المساواة ، والله أعلم ، والذي يظهر لي من كلام أبي علي أنه إنما قدم صحيح مسلم لمعنى غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده من الشرائط المطلوبة في الصحة ، بل ذلك لأن مسلما صنف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه ، فكان يتحرز في الألفاظ ويتحرى في السياق ولا يتصدى لما تصدى له البخاري من استنباط الأحكام ليبوب عليها ، ولزم من ذلك تقطيعه للحديث في أبوابه ، بل جمع مسلم الطرق كلها في مكان واحد واقتصر على الأحاديث دون الموقوفات ، فلم يعرج عليها إلا في بعض المواضع على سبيل الندور ، تبعا لا مقصودا ، فلهذا قال أبو علي ما قال ، مع أني رأيت بعض أئمتنا يجوز أن يكون أبو علي ما رأى صحيح البخاري ، وعندي في ذلك بعد ، والأقرب ما ذكرته ، وأبو علي لو صرح بما نسب إليه لكان محجوجا بما قدمناه مجملا ومفصلا ، والله الموفق ، وأما بعض شيوخ المغاربة ، فلا يحفظ عن أحد منهم تقييد الأفضلية بالأصحية ، بل أطلق بعضهم الأفضلية ، وذلك فيما حكاه القاضي أبو الفضل عياض في الإلماع عن أبي مروان الطبني ، بضم الطاء المهملة ثم إسكان الباء الموحدة بعدها نون ، قال : كان بعض شيوخي يفضل صحيح مسلم على صحيح البخاري ، انتهى . وقد وجدت تفسير هذا التفضيل عن بعض المغاربة ، فقرأت في فهرسة أبي محمد القاسم بن القاسم النجيبي قال : كان أبو محمد بن حزم يفضل كتاب مسلم على كتاب البخاري ، لأنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث السرد ، اهـ . وعندي أن ابن حزم هذا هو شيخ أبي مروان الطبني الذي أبهمه القاضي عياض ، ويجوز أن يكون غيره ، ومحل تفضيلهما واحد ، ومن ذلك قول مسلم بن قاسم القرطبي ، وهو من أقران الدارقطني لما ذكر في تاريخه صحيح مسلم قال : لم يضع أحد مثله ، فهذا محمول على حسن الوضع وجودة الترتيب ، وقد رأيت كثيرا من المغاربة ممن صنف في الأحكام بحذف الأسانيد ، كعبد الحق في أحكامه وجمعه ، يعتمدون على كتاب مسلم في نقل المتون وسياقها دون البخاري ، لوجودها عند مسلم تامة وتقطيع البخاري لها ، فهذه جهة أخرى من التفضيل لا ترجع إلى ما يتعلق بنفس الصحيح والله أعلم . وإذا تقرر ذلك فليقابل هذا التفضيل بجهة أخرى من وجوه التفضيل غير ما يرجع إلى نفس الصحيح وهي ما ذكره الإمام القدوة أبو محمد بن أبي جمرة في اختصاره للبخاري ، قال : قال لي من لقيته من العارفين عمن لقي من السادة المقر لهم بالفضل ، أن صحيح البخاري ما قرئ في شدة إلا فرجت ، ولا ركب به في مركب فغرق . قال : وكان مجاب الدعوة ، وقد دعا لقارئه رحمه الله تعالى ، وكذلك الجهة العظمى الموجبة لتقديمه ، وهي ما ضمنه أبوابه من التراجم التي حيرت الأفكار وأدهشت العقول والأبصار ، وإنما بلغت هذه الرتبة وفازت بهذه الخطوة لسبب عظيم أوجب عظمها ، وهو ما رواه أبو أحمد بن عدي عن عبد القدوس بن همام قال : شهدت عدة مشايخ يقولون : حول البخاري تراجم جامعه - يعني بيضها - بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره ، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين . ولنشرع الآن في الكلام عليها ، ونبين ما خفي على بعض من لم يمعن النظر فاعترض عليه اعتراض شاب غر على شيخ مجرب أو مكتهل ، وأوردها إيراد سعد وسعد مشتمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل ، وأول شيء وقع الكلام معه فيه من هذه المادة أول حديث بدأ به كتابه واستفتح به خطابه ، فرد كثير من هؤلاء نحوه سهام اللوم ، وانتصر بعض وبعض لزم من التسليم طريق القوم . ولنذكر ضابطا يشتمل على بيان أنواع التراجم فيه ، وهي ظاهرة وخفية ، أما الظاهرة فليس ذكرها من غرضنا هنا ، وهي أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما يورد في مضمنها ، وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة ، كأنه يقول : هذا الباب الذي فيه كيت وكيت ، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني ، مثلا ، وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو بعضه أو بمعناه ، وهذا في الغالب قد يأتي من ذلك ما يكون في لفظ الترجمة احتمال لأكثر من معنى واحد ، فيعين أحد الاحتمالين بما يذكر تحتها من الحديث ، وقد يوجد فيه ما هو بالعكس من ذلك بأن يكون الاحتمال في الحديث والتعيين في الترجمة ، والترجمة هنا بيان لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه ، مثلا المراد بهذا الحديث العام الخصوص ، أو بهذا الحديث الخاص العموم إشعارا بالقياس لوجود العلة الجامعة ، أو أن ذلك الخاص المراد به ما هو أعم مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى ، ويأتي في المطلق والمقيد نظير ما ذكرنا في الخاص والعام ، وكذا في شرح المشكل ، وتفسير الغامض ، وتأويل الظاهر ، وتفصيل المجمل ، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الكتاب ، ولهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء فقه البخاري في تراجمه ، وأكثر ما يفعل البخاري ذلك إذا لم يجد حديثا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي ترجم به ويستنبط الفقه منه ، وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مضمره واستخراج خبيئه ، وكثيرا ما يفعل ذلك - أي هذا الأخير - حيث يذكر الحديث المفسر لذلك في موضع آخر متقدما أو متأخرا ، فكأنه يحيل عليه ويومئ بالرمز والإشارة إليه ، وكثيرا ما يترجم بلفظ الاستفهام ، كقوله : باب هل يكون كذا أو من قال كذا ، ونحو ذلك ، وذلك حيث لا يتجه له الجزم بأحد الاحتمالين ، وغرضه بيان هل يثبت ذلك الحكم أو لم يثبت ، فيترجم على الحكم ومراده ما يتفسر بعد من إثباته أو نفيه ، أو أنه محتمل لهما وربما كان أحد المحتملين أظهر ، وغرضه أن يُبقي للنظر مجالا ، وينبه على أن هناك احتمالا ، أو تعارضا يوجب التوقف حيث يعتقد أن فيه إجمالا ، أو يكون المدرك مختلفا في الاستدلال به ، وكثيرا ما يترجم بأمر ظاهره قليل الجدوى لكنه إذا حققه المتأمل أجدى ، كقوله : باب قول الرجل ما صلينا ، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك ، ومنه قوله : باب قول الرجل فاتتنا الصلاة ، وأشار بذلك إلى الرد على من كره إطلاق هذا اللفظ ، وكثيرا ما يترجم بأمر مختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرأي ، كقوله : باب استياك الإمام بحضرة رعيته ، فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة فلعل بعض الناس يتوهم أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة ، فلما وقع في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم استاك بحضرة الناس دل على أنه من باب التطيب لا من الباب الآخر ، نبه على ذلك ابن دقيق العيد ، وكثيرا ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه ، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحا في الترجمة ، ويورد في الباب ما يؤدي معناه تارة بأمر ظاهر وتارة بأمر خفي ، من ذلك قوله : باب الأمراء من قريش ، وهذا لفظ حديث يروى عن علي رضي الله عنه وليس على شرط البخاري ، وأورد فيه حديث : لا يزال وال من قريش . ومنها قوله : باب اثنان فما فوقهما جماعة . وهذا حديث يروى عن أبي موسى الأشعري ، وليس على شرط البخاري ، وأورد فيه : فأذنا وأقيما وليؤمكما أحدكما . وربما اكتفى أحيانا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه ، وأورد معها أثرا أو آية ، فكأنه يقول : لم يصح في الباب شيء على شرطي . وللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض ، ومن تأمل ظفر ، ومن جد وجد ، وقد جمع العلامة ناصر الدين أحمد بن المنير خطيب الإسكندرية من ذلك أربعمائة ترجمة ، وتكلم عليها ، ولخصها القاضي بدر الدين بن جماعة وزاد عليها أشياء ، وتكلم على ذلك أيضا بعض المغاربة ، وهو محمد بن منصور بن حمامة السجلماسي ، ولم يكثر من ذلك بل جملة ما في كتابه نحو مائة ترجمة ، وسماه : فك أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة . وتكلم أيضا على ذلك زين الدين علي بن المنير ، أخو العلامة ناصر الدين ، في شرحه على البخاري وأمعن في ذلك ، ووقفت على مجلد من كتاب اسمه ترجمان التراجم لأبي عبد الله بن رشيد السبتي ، يشتمل على هذا المقصد ، وصل فيه إلى كتاب الصيام ، ولو تم لكان في غاية الإفادة ، وإنه لكثير الفائدة مع نقصه ، والله تعالى الموفق .
المصدر: فتح الباري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-34/h/341624
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة