بَاب اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنْ الْإِيمَانِ
بَاب اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنْ الْإِيمَانِ 47 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ قال : حدثنا رَوْحٌ قال : حدثنا عَوْفٌ ، عَنْ الْحَسَنِ ، وَمُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا ، فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قال : حدثنا عَوْفٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ قَوْلُهُ : ( بَابُ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ مِنَ الْإِيمَانِ ) خَتَمَ الْمُصَنِّفُ مُعْظَمَ التَّرَاجِمِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ آخِرُ أَحْوَالِ الدُّنْيَا . وَإِنَّمَا أَخَّرَ تَرْجَمَةَ أَدَاءِ الْخُمُسِ مِنَ الْإِيمَانِ لِمَعْنًى سَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي نَظَائِرِهِ قَبْلُ .
قَوْلُهُ : ( الْمَنْجُوفِيُّ ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْوَاوِ السَّاكِنَةِ فَاءٌ نِسْبَةً إِلَى جَدِّ جَدِّهِ مَنْجُوفٍ السَّدُوسِيِّ ، وهو بَصْرِيٌّ ، وَكَذَا بَاقِي رِجَالِ الْإِسْنَادِ غَيْرَ الصَّحَابِيِّ . وَرَوْحٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ ، وَعَوْفٌ هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ ، الْأَعْرَابِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِفَصَاحَتِهِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو سَهْلٍ ، وَاسْمُ أَبِيهِ بَنْدَوَيْهِ - بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ - بِوَزْنِ رَاهْوَيْهِ ، وَالْحَسَنُ هُوَ ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ ، وهو مَجْرُورٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْحَسَنِ ، فَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ حَدَّثَا بِهِ عَوْفًا ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِمَّا مُجْتَمِعَيْنِ وَإِمَّا مُتَفَرِّقَيْنِ ، فَأَمَّا ابْنُ سِيرِينَ فَسَمَاعُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ ، وَأَمَّا الْحَسَنُ فَمُخْتَلَفٌ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى نَفْيِهِ وَتَوْهِيمِ مَنْ أَثْبَتَهُ ، وهو مَعَ ذَلِكَ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ فَلَا تُحْمَلُ عَنْعَنَتُهُ عَلَى السَّمَاعِ ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا سَمِعَ ، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ نَظِيرُ هَذَا فِي قِصَّةِ مُوسَى ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ فِيهَا حَدِيثًا مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ عَنْهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثًا آخَرَ ، وَاعْتِمَادُهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( مَنِ اتَّبَعَ ) هُوَ بِالتَّشْدِيدِ ، وَلِلْأَصِيلِيِّ تَبِعَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا اللَّفْظِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ : تَبِعَهُ إِذَا مَشَى خَلْفَهُ أَوْ إِذَا مَرَّ بِهِ فَمَشَى مَعَهُ ، وَكَذَلِكَ اتَّبَعَهُ بِالتَّشْدِيدِ ، وهو افْتَعَلَ مِنْهُ ، فَإِذَا هُوَ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُرَادَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ الْمُصَحَّحُ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمَشْيِ أَمَامَهَا ، وَأَمَّا أَتْبَعَهُ بِالْإِسْكَانِ فَهُوَ بِمَعْنَى لَحِقَهُ إِذَا كَانَ سَبَقَهُ ، وَلَمْ تَأْتِ بِهِ الرِّوَايَةُ هُنَا . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ مَعَهُ ) أَيْ : مَعَ الْمُسْلِمِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : مَعَهَا أَيْ : مَعَ الْجِنَازَةِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يُصَلِّي ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْصُلُ الْمَوْعُودُ بِهِ إِلَّا لِمَنْ تُوجَدُ مِنْهُ الصَّلَاةُ ، وَعَلَى الثَّانِي قَدْ يُقَالُ يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ ، أَمَّا إِذَا قَصَدَ الصَّلَاةَ وَحَالَ دُونِهُ مَانِعٌ فَالظَّاهِرُ حُصُولُ الثَّوَابِ لَهُ مُطْلَقًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( وَيُفْرَغُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ، وَيُرْوَى بِالْعَكْسِ ، وَقَدْ أَثْبَتَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ إِنَّمَا يَحْصُلَانِ بِمَجْمُوعِ الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ دُونَ الدَّفْنِ يَحْصُلُ بِهَا قِيرَاطٌ وَاحِدٌ ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَنْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، فَزَعَمَ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْمَجْمُوعِ ثَلَاثَةُ قَرَارِيطَ ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ مَبَاحِثِهِ وَفَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ ) أَيْ : رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَعُثْمَانُ هُوَ ابْنُ الْهَيْثَمِ ، وهو مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ ، فَإِنْ كَانَ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ أَعْلَى بِدَرَجَةٍ ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ الْمَوْصُولَ عَنْ رَوْحٍ لِكَوْنِهِ أَشَدَّ إِتْقَانًا مِنْهُ ، وَنَبَّهَ بِرِوَايَةِ عُثْمَانَ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي هَذَا السَّنَدِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْحَسَنَ ، فَكَأَنَّ عَوْفًا كَانَ رُبَّمَا ذَكَرَهُ وَرُبَّمَا حَذَفَهُ ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ الْمَنْجُوفِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ مَرَّةً بِإِسْقَاطِ الْحَسَنِ ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَمُتَابَعَةُ عُثْمَانَ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنِ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ أَبِي عَوَانَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَلَفْظُهُ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ رَوْحٍ إِلَّا فِي قَوْلِهِ : وَكَانَ مَعَهَا ، فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلَهَا فَلَزِمَهَا ، وَفِي قَوْلِهِ : وَيُفْرَغُ مِنْ دَفْنِهَا ، فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلَهَا وَتُدْفَنُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَلَهُ قِيرَاطٌ بَدَلَ قَوْلِهِ : فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ ، وَالْبَاقِي سَوَاءٌ .
وَلِهَذَا الِاخْتِلَافِ فِي اللَّفْظِ قَالَ الْمُصَنِّفُ نَحْوَهُ ، وهو بِفَتْحِ الْوَاوِ ، أَيْ : بِمَعْنَاهُ .