بَاب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لَا يَشْعُرُ
بَاب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ ، وهو لَا يَشْعُرُ ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ : مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ : إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ، وَيُذْكَرُ عَنْ الْحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ ، وَمَا يُحْذَرُ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ 48 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قال : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ زُبَيْدٍ قال : سألت أَبَا وَائِلٍ عَنْ الْمُرْجِئَةِ فَقال : حدثنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ ، وهو لَا يَشْعُرُ ) هَذَا الْبَابُ مَعْقُودٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ خَاصَّةً ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ مَا مَضَى مِنَ الْأَبْوَابِ قَدْ تَضَمَّنَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ ، لَكِنْ قَدْ يَشْرَكُهُمْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، بِخِلَافِ هَذَا . وَالْمُرْجِئَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْجِيمِ بَعْدَهَا يَاءٌ مَهْمُوزَةٌ وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا بِلَا هَمْزٍ نُسِبُوا إِلَى الْإِرْجَاءِ ، وهو التَّأْخِيرُ ; لِأَنَّهُمْ أَخَّرُوا الْأَعْمَالَ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالُوا : الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ فَقَطْ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُهُمُ النُّطْقَ ، وَجَعَلُوا لِلْعُصَاةِ اسْمَ الْإِيمَانِ عَلَى الْكَمَالِ وَقَالُوا : لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ أَصْلًا ، وَمَقَالَاتُهُمْ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
وَمُنَاسَبَةُ إِيرَادِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ اتِّبَاعَ الْجِنَازَةِ مَظِنَّةٌ لِأَنْ يُقْصَدَ بِهَا مُرَاعَاةُ أَهْلِهَا أَوْ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَجْرَ الْمَوْعُودَ بِهِ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ صَنَعَ ذَلِكَ احْتِسَابًا أَيْ : خَالِصًا ، فَعَقَّبَهُ بِمَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لِلْمَرْءِ مَا يُعَكِّرُ عَلَى قَصْدِهِ الْخَالِصِ فَيُحْرَمَ بِهِ الثَّوَابُ الْمَوْعُودُ ، وهو لَا يَشْعُرُ . فَقَوْلُهُ : أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ أَيْ : يُحْرَمُ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِأَنَّهُ لَا يُثَابُ إِلَّا عَلَى مَا أَخْلَصَ فِيهِ . وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يُقَوِّي مَذْهَبَ الْإِحْبَاطِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : إِنَّ السَّيِّئَاتِ يُبْطِلْنَ الْحَسَنَاتِ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ : الْقَوْلُ الْفَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْإِحْبَاطَ إِحْبَاطَانِ : أَحَدُهُمَا إِبْطَالُ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ وَإِذْهَابُهُ جُمْلَةً كَإِحْبَاطِ الْإِيمَانِ لِلْكُفْرِ وَالْكُفْرِ لِلْإِيمَانِ ، وَذَلِكَ فِي الْجِهَتَيْنِ إِذْهَابٌ حَقِيقِيٌّ .
ثَانِيهُمَا إِحْبَاطُ الْمُوَازَنَةِ إِذَا جُعِلَتِ الْحَسَنَاتُ فِي كِفَّةٍ وَالسَّيِّئَاتُ فِي كِفَّةٍ ، فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ نَجَا ، وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ وُقِفَ فِي الْمَشِيئَةِ : إِمَّا أَنْ يُغْفَرَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ يُعَذَّبَ . فَالتَّوْقِيفُ إِبْطَالٌ مَا ; لِأَنَّ تَوْقِيفَ الْمَنْفَعَةِ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا إِبْطَالٌ لَهَا ، وَالتَّعْذِيبُ إِبْطَالٌ أَشَدُّ مِنْهُ إِلَى حِينَ الْخُرُوجِ مِنَ النَّارِ ، فَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِبْطَالٌ نِسْبِيٌّ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِحْبَاطِ مَجَازًا ، وَلَيْسَ هُوَ إِحْبَاطٌ حَقِيقَةً ، لِأَنَّهُ إِذَا أُخْرِجَ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ عَادَ إِلَيْهِ ثَوَابُ عَمَلِهِ ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِ الْإِحْبَاطِيَّةِ الَّذِينَ سَوَّوْا بَيْنَ الْإِحْبَاطَيْنِ وَحَكَمُوا عَلَى الْعَاصِي بِحُكْمِ الْكَافِرِ ، وَهُمْ مُعْظَمُ الْقَدَرِيَّةِ . وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ ) هُوَ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ وَعُبَّادِهِمْ ، وَقَوْلُهُ : مُكَذَّبًا يُرْوَى بِفَتْحِ الذَّالِ يَعْنِي خَشِيتُ أَنْ يُكَذِّبَنِي مَنْ رَأَى عَمَلِي مُخَالِفًا لِقَوْلِي فَيَقُولُ : لَوْ كُنْتَ صَادِقًا مَا فَعَلْتَ خِلَافَ مَا تَقُولُ ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَعِظُ النَّاسَ . وَيُرْوَى بِكَسْرِ الذَّالِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مَعَ وَعْظِهِ النَّاسَ لَمْ يَبْلُغْ غَايَةَ الْعَمَلِ . وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَقَصَّرَ فِي الْعَمَلِ فَقَالَ : ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ﴾فَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ مُكَذِّبًا أَيْ : مُشَابِهًا لِلْمُكَذِّبِين ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ . إِلَخْ ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ ، لَكِنْ أَبْهَمَ الْعَدَدَ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مُطَوَّلًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لَهُ ، وَعَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ فِي تَارِيخِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُخْتَصَرًا كَمَا هُنَا ، وَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ مِنْ أَجَلِّهِمْ عَائِشَةُ وَأُخْتُهَا أَسْمَاءُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَالْعَبَادِلَةُ الْأَرْبَعَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ، فَهَؤُلَاءِ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُمْ ، وَقَدْ أَدْرَكَ بِالسِّنِّ جَمَاعَةً أَجَلَّ مِنْ هَؤُلَاءِ كَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَقَدْ جَزَمَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَخَافُونَ النِّفَاقَ فِي الْأَعْمَالِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ إِجْمَاعٌ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يَعْرِضُ عَلَيْهِ فِي عَمَلِهِ مَا يَشُوبُهُ مِمَّا يُخَالِفُ الْإِخْلَاصَ .
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنْ ذَلِكَ وُقُوعُهُ مِنْهُمْ ، بَلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ مِنْهُمْ فِي الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : إِنَّمَا خَافُوا لِأَنَّهُمْ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ حَتَّى رَأَوْا مِنَ التَّغَيُّرِ مَا لَمْ يَعْهَدُوهُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى إِنْكَارِهِ ، فَخَافُوا أَنْ يَكُونُوا دَاهَنُوا بِالسُّكُوتِ . قَوْلُهُ : ( مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ : إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ) أَيْ لَا يَجْزِمُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِعَدَمِ عُرُوضِ النِّفَاقِ لَهُمْ كَمَا يُجْزَمُ بِذَلِكَ فِي إِيمَانِ جِبْرِيلِ ، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَذْكُورِينَ كَانُوا قَائِلِينَ بِتَفَاوُتِ دَرَجَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْإِيمَانِ ، خِلَافًا لِلْمُرْجِئَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ إِيمَانَ الصِّدِّيقِينَ وَغَيْرِهِمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي مَعْنَى أَثَرِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ حَدِيثٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ صِفَةِ الْمُنَافِقِ لَهُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ . وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ تَرْكُ الْبُخَارِيِّ الْجَزْمَ بِهِ مَعَ صِحَّتِهِ عَنْهُ ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى قَاعِدَةٍ ذَكَرَهَا لِي شَيْخُنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَافِظُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهِيَ : أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَا يَخُصُّ صِيغَةَ التَّمْرِيضِ بِضَعْفِ الْإِسْنَادِ ، بَلْ إِذَا ذَكَرَ الْمَتْنَ بِالْمَعْنَى أَوِ اخْتَصَرَهُ أَتَى بِهَا أَيْضًا ، لِمَا عَلِمَ مِنَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ ، فَهُنَا كَذَلِكَ ، وَقَدْ أَوْقَعَ اخْتِصَارُهُ لَهُ لِبَعْضِهِمُ الِاضْطِرَابَ فِي فَهْمِهِ فَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ .
يَعْنِي اللَّهَ تَعَالَى . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾وَقَالَ : فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ وَكَذَا شَرَحَهُ ابْنُ التِّينِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَقَرَّرَهُ الْكِرْمَانِيُّ هَكَذَا ، فَقَالَ : مَا خَافَهُ أَيْ : مَا خَافَ مِنَ اللَّهِ ، فَحَذَفَ الْجَارَّ وَأَوْصَلَ الْفِعْلَ إِلَيْهِ . قُلْتُ : وَهَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لَكِنَّهُ خِلَافُ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ نَقَلَ عَنْهُ .
وَالَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي هَذَا هُوَ الِاخْتِصَارُ . وَإِلَّا فَسِيَاقُ كَلَامِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ يُبَيِّنُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ النِّفَاقَ ، فَلْنَذْكُرْهُ . قَالَ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَحْلِفُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا مَضَى مُؤْمِنٌ قَطُّ وَلَا بَقِيَ إِلَّا وهو مِنَ النِّفَاقِ مُشْفِقٌ ، وَلَا مَضَى مُنَافِقٌ قَطُّ وَلَا بَقِيَ إِلَّا وهو مِنَ النِّفَاقِ آمِنٌ .
وَكَانَ يَقُولُ : مَنْ لَمْ يَخَفِ النِّفَاقَ فَهُوَ مُنَافِقٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ : وَاللَّهِ مَا مَضَى مُؤْمِنٌ وَلَا بَقِيَ إِلَّا وهو يَخَافُ النِّفَاقَ ، وَمَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ ، انْتَهَى . وَهَذَا مُوَافِقٌ لِأَثَرِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وهو قَوْلُهُ : كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ .
وَالْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ مَطْلُوبًا مَحْمُودا لَكِنَّ سِيَاقَ الْبَابِ فِي أَمْرٍ آخَرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَمَا يُحَذَّرُ ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَيُرْوَى بِتَخْفِيفِهَا ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ لِأَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى خَوْفٍ ، أَيْ : بَابِ مَا يُحَذَّرُ . وَفَصَلَ بَيْنَ التَّرْجَمَتَيْنِ بِالْآثَارِ الَّتِي ذَكَرَهَا لِتَعَلُّقِهَا بِالْأُولَى فَقَطْ ، وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ فَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا تَعَلَّقَ بِالثَّانِيَةِ ، وَالثَّانِي يَتَعَلَّقُ بِالْأُولَى عَلَى مَا سَنُوَضِّحُهُ ، فَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ الْآيَةَ ، وَمُرَادُهُ أَيْضًا الرَّدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ حَيْثُ قَالُوا : لَا حَذَرَ مِنَ الْمَعَاصِي مَعَ حُصُولِ الْإِيمَانَ ، وَمَفْهُومُ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى مَدَحَ مَنِ اسْتَغْفَرَ لِذَنْبِهِ وَلَمْ يُصِرَّ عَلَيْهِ ، فَمَفْهُومُهُ ذَمُّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ .
وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي مَعْنَى التَّرْجَمَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَقَوْلُهُ : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَهَذِهِ الْآيَةُ أَدَلُّ عَلَى الْمُرَادِ مِمَّا قَبْلَهَا ، فَمَنْ أَصَرَّ عَلَى نِفَاقِ الْمَعْصِيَةِ خُشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْضِيَ بِهِ إِلَى نِفَاقِ الْكُفْرِ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّحَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمُخَرَّجِ عِنْدَ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا قَالَ : وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَيْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ لَا يَسْتَغْفِرُونَ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ . وَلِلتِّرْمِذِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَرْفُوعًا : مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ ، وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً : إِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( عَلَى التَّقَاتُلِ ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وهو الْمُنَاسِبُ لِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( عَلَى النِّفَاقِ ) وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الرِّوَايَةُ .
قَوْلُهُ : ( زُبَيْدٌ ) تقدم أَنَّهُ بِالزَّايِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرًا ، وهو ابْنُ الْحَارِثِ الْيَامِيُّ بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ وَمِيمٍ خَفِيفَةٍ ، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ أَيْضًا عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ ، وهو عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ ، وَعَنِ الْأَعْمَشِ ، وهو عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : لَمْ يُخْتَلَفْ فِي رَفْعِهِ عَنْ زُبَيْدٍ وَاخْتُلِفَ عَلَى الْآخَرِينَ . وَرَوَاهُ عَنْ زُبَيْدٍ غَيْرُ شُعْبَةَ أَيْضًا عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ الْمُرْجِئَةِ ) أَيْ : عَنْ مَقَالَةِ الْمُرْجِئَةِ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ : لَمَّا ظَهَرَتِ الْمُرْجِئَةُ أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ .
فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ سُؤَالَهُ كَانَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ ظُهُورِهِمْ ، وَكَانَتْ وَفَاةُ أَبِي وَائِلٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ ، فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بِدْعَةَ الْإِرْجَاءِ قَدِيمَةٌ ، وَقَدْ تَابَعَ أَبَا وَائِلٍ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَبْدُ الرَّحْمَنَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُصَحَّحًا ، وَلَفْظُهُ : قِتَالُ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ كُفْرٌ ، وَسِبَابُهُ فُسُوقٌ ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَيْضًا مَرْفُوعًا ، فَانْتَفَتْ بِذَلِكَ دَعْوَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَبَا وَائِلٍ تَفَرَّدَ بِهِ . قَوْلُهُ : ( سِبَابُ ) هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ ، وهو مَصْدَرٌ يُقَالُ : سَبَّ يَسُبُّ سَبًّا وَسِبَابًا ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : السِّبَابُ أَشَدُّ مِنَ السَّبِّ ، وهو أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ مَا فِيهِ وَمَا لَيْسَ فِيهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ عَيْبَهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : السِّبَابُ هُنَا مِثْلُ الْقِتَالِ فَيَقْتَضِي الْمُفَاعَلَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا فِي بَابِ الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ .
قَوْلُهُ : ( الْمُسْلِمُ ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ ، وَلِأَحْمَدَ عَنْ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ : الْمُؤْمِنُ ، فَكَأَنَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى . قَوْلُهُ : ( فُسُوقٌ ) الْفِسْقُ فِي اللُّغَةِ الْخُرُوجُ ، وَفِي الشَّرْعِ : الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وهو فِي عُرْفِ الشَّرْعِ أَشَدُّ مِنَ الْعِصْيَانِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ فَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْحُكْمُ عَلَى مَنْ سَبَّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ بِالْفِسْقِ ، وَمُقْتَضَاهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ . وَعُرِفَ مِنْ هَذَا مُطَابَقَةُ جَوَابِ أَبِي وَائِلٍ لِلسُّؤَالِ عَنْهُمْ كَأَنَّهُ قَالَ : كَيْفَ تَكُونُ مَقَالَتُهُمْ حَقًّا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ هَذَا ؟! قَوْلُهُ : ( وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ) إِنْ قِيلَ : هَذَا وَإِنْ تَضَمَّنَ الرَّدَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ لَكِنَّ ظَاهِرَهُ يُقَوِّي مَذْهَبَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالْمَعَاصِي .
فَالْجَوَابُ : إِنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُبْتَدِعِ اقْتَضَتْ ذَلِكَ ، وَلَا مُتَمَسَّكَ لِلْخَوَارِجِ فِيهِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْقِتَالُ أَشَدَّ مِنَ السِّبَابِ - لِأَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى إِزْهَاقِ الرُّوحِ - عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظٍ أَشَدَّ مِنْ لَفْظِ الْفِسْقِ ، وهو الْكُفْرُ ، وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْكُفْرِ الَّتِي هِيَ الْخُرُوجُ عَنِ الْمِلَّةِ ، بَلْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْكُفْرَ مُبَالَغَةً فِي التَّحْذِيرِ ، مُعْتَمِدًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنَ الْقَوَاعِدِ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةَ ، مِثْلُ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ . أَوْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْكُفْرَ لِشَبَهِهِ بِهِ ; لِأَنَّ قِتَالَ الْمُؤْمِنِ مِنْ شَأْنِ الْكَافِرِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ هُنَا الْكُفْرُ اللُّغَوِيُّ ، وهو التَّغْطِيَةُ ; لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُعِينَهُ وَيَنْصُرَهُ وَيَكُفَّ عَنْهُ أَذَاهُ ، فَلَمَّا قَاتَلَهُ كَانَ كَأَنَّهُ غَطَّى عَلَى هَذَا الْحَقِّ ، وَالْأَوَّلَانِ أَلْيَقُ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ وَأَوْلَى بِالْمَقْصُودِ مِنَ التَّحْذِيرِ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ وَالزَّجْرِ عَنْهُ بِخِلَافِ الثَّالِثِ .
وَقِيلَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ كُفْرٌ أَيْ قَدْ يَئُولُ هَذَا الْفِعْلُ بِشُؤْمِهِ إِلَى الْكُفْرِ ، وَهَذَا بَعِيدٌ ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ ، وَلَوْ كَانَ مُرَادًا لَمْ يَحْصُلِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ السِّبَابِ وَالْقِتَالِ ، فَإِنَّ مُسْتَحِلَّ لَعْنِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ يَكْفُرُ أَيْضًا . ثُمَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ . وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ فَفِيهِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةُ ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ بَعْدَ قَوْلِهِ : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ الْآيَةَ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَعْمَالِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْكُفْرُ تَغْلِيظًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ : لَعْنُ الْمُسْلِمِ كَقَتْلِهِ فَلَا يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ ; لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ فَوْقَ الْمُشَبَّهِ ، وَالْقَدْرُ الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ بُلُوغُ الْغَايَةِ فِي التَّأْثِيرِ : هَذَا فِي الْعَرْضِ ، وَهَذَا فِي النَّفْسِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ وَرَدَ لِهَذَا الْمَتْنِ سَبَبٌ ذَكَرْتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْفِتَنِ فِي أَوَاخِرِ الصَّحِيحِ .