بَاب فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ
بَاب فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ 79 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا ، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا ، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : قَالَ إِسْحَاقُ : وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتْ الْمَاءَ قَاعٌ يَعْلُوهُ الْمَاءُ ، وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنْ الْأَرْضِ قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ ) الْأُولَى بِكَسْرِ اللَّامِ الْخَفِيفَةِ ، أَيْ : صَارَ عَالِمًا ، وَالثَّانِيَةُ بِفَتْحِهَا وَتَشْدِيدِهَا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ) هُوَ أَبُو كُرَيْبٍ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرُ مِنِ اسْمِهِ ، وَكَذَا شَيْخُهُ أَبُو أُسَامَةَ ، وَبُرَيْدٌ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَأَبُو بُرْدَةَ جَدُّهُ وَهُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ .
وَقَالَ فِي السِّيَاقِ : عَنْ أَبِي مُوسَى ، وَلَمْ يَقُلْ : عَنْ أَبِيهِ تَفَنُّنًا ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( مَثَلُ ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الصِّفَةُ الْعَجِيبَةُ لَا الْقَوْلُ السَّائِرُ . قَوْلُهُ : ( الْهُدَى ) أَيِ : الدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْمَطْلُوبِ ، وَالْعِلْمُ الْمُرَادُ بِهِ مَعْرِفَةُ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ .
قَوْلُهُ : ( نَقِيَّةٌ ) كَذَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي رَأَيْنَاهَا بِالنُّونِ مِنَ النَّقَاءِ وَهِيَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الْخَطَّابِيِّ ، وَالْحُمَيْدِيِّ وَفِي حَاشِيَةِ أَصْلِ أَبِي ذَرٍّ ثَغِبَةٌ بِمُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ خَفِيفَةٌ مَفْتُوحَةٌ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ مُسْتَنْقَعُ الْمَاءِ فِي الْجِبَالِ وَالصُّخُورِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هَذَا غَلَطٌ فِي الرِّوَايَةِ ، وَإِحَالَةٌ لِلْمَعْنَى ; لِأَنَّ هَذَا وَصْفُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى الَّتِي تَنْبُتُ ، وَمَا ذَكَرَهُ يَصْلُحُ وَصْفًا لِلثَّانِيَةِ الَّتِي تُمْسِكُ الْمَاءَ . قَالَ : وَمَا ضَبَطْنَاهُ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ إِلَّا نَقِيَّةٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي مُسْلِمٍ : طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ .
قُلْتُ : وَهُوَ فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَسَانِيدِ وَالْمُسْتَخْرَجَاتِ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ وَفِي كِتَابِ الزَّرْكَشِيِّ . وَرُوِيَ : بُقْعَةٌ قُلْتُ : هُوَ بِمَعْنَى طَائِفَةٍ ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِ الصَّحِيحَيْنِ . ثُمَّ قَرَأْتُ فِي شَرْحِ ابْنِ رَجَبٍ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ النُّونِ قَالَ : وَالْمُرَادُ بِهَا الْقِطْعَةُ الطَّيِّبَةُ كَمَا يُقَالُ : فُلَانٌ بَقِيَّةُ النَّاسِ ، وَمِنْهُ : فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ قَوْلُهُ : ( قَبِلَتْ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مِنَ الْقَبُولِ ، كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ .
وَوَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ : قَيَّلَتْ بِالتَّحْتَانِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ كَمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ . قَوْلُهُ : ( الْكَلَأَ ) بِالْهَمْزَةِ بِلَا مَدٍّ . قَوْلُهُ : ( وَالْعُشْبَ ) هُوَ مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ ; لِأَنَّ الْكَلَأَ يُطْلَقُ عَلَى النَّبْتِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ مَعًا ، وَالْعُشْبُ لِلرَّطْبِ فَقَطْ .
قَوْلُهُ : ( إِخَاذَاتٌ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَآخِرُهُ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقُ قَبْلَهَا أَلِفٌ جَمْعُ إِخَاذَةٍ وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تُمْسِكُ الْمَاءَ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَكَذَا فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ : أَجَادِبُ بِالْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ جَمْعُ جَدَبٍ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَهِيَ الْأَرْضُ الصُّلْبَةُ الَّتِي لَا يَنْضُبُ مِنْهَا الْمَاءُ . وَضَبَطَهُ الْمَازِرِيُّ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ . وَوَهَّمَهُ الْقَاضِي .
وَرَوَاهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنْ أَبِي يَعْلَى ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ : أَحَارِبُ بِحَاءٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : لَمْ يَضْبِطْهُ أَبُو يَعْلَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَيْسَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ بِشَيْءٍ . قَالَ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَجَارِدُ بِجِيمٍ وَرَاءٍ ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ جَمْعُ جَرْدَاءَ وَهِيَ الْبَارِزَةُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ صَحِيحُ الْمَعْنَى إِنْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَةُ .
وَأَغْرَبَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ فَجَعَلَ الْجَمِيعَ رِوَايَاتٍ ، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ سِوَى رِوَايَتَيْنِ فَقَطْ ، وَكَذَا جَزَمَ الْقَاضِي . قَوْلُهُ : ( فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا ) أَيْ بِالْإِخَاذَاتِ . وَلِلْأَصِيلِيِّ بِهِ أَيْ بِالْمَاءِ .
قَوْلُهُ : ( وَزَرَعُوا ) كَذَا لَهُ بِزِيَادَةِ زَايٍ مِنَ الزَّرْعِ ، وَوَافَقَهُ أَبُو يَعْلَى ، وَيَعْقُوبُ بْنُ الْأَخْرَمِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، وَلِمُسْلِمٍ ، وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ : وَرَعَوْا بِغَيْرِ زَايٍ مِنَ الرَّعْيِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ . كِلَاهُمَا صَحِيحٌ . وَرَجَّحَ الْقَاضِي رِوَايَةَ مُسْلِمٍ بِلَا مُرَجِّحٍ ; لِأَنَّ رِوَايَةَ زَرَعُوا تَدُلُّ عَلَى مُبَاشَرَةِ الزَّرْعِ لِتُطَابِقَ فِي التَّمْثِيلِ مُبَاشَرَةَ طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ رَعَوْا مُطَابِقَةً لِقَوْلِهِ : أَنْبَتَتْ ، لَكِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا قَابِلَةٌ لِلْإِنْبَاتِ .
وَقِيلَ : إِنَّهُ رُوِيَ : وَوَعَوْا بِوَاوَيْنِ ، وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ . وَقَالَ الْقَاضِي قَوْلُهُ : وَرَعَوْا رَاجِعٌ لِلْأُولَى ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهَا نَبَاتٌ ، انْتَهَى . وَيُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الثَّانِيَةِ أَيْضًا بِمَعْنَى أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي اسْتَقَرَّ بِهَا سُقِيَتْ مِنْهُ أَرْضٌ أُخْرَى فَأَنْبَتَتْ .
قَوْلُهُ : ( فَأَصَابَ ) أَيِ : الْمَاءُ . وَلِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ أَصَابَتْ أَيْ : طَائِفَةٌ أُخْرَى . وَوَقَعَ كَذَلِكَ صَرِيحًا عِنْدَ النَّسَائِيِّ .
وَالْمُرَادُ بِالطَّائِفَةِ الْقِطْعَةُ . قَوْلُهُ : ( قِيعَانٌ ) بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ قَاعٍ وَهُوَ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ الْمَلْسَاءُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ . قَوْلُهُ : ( فَقُهَ ) بِضَمِّ الْقَافِ أَيْ صَارَ فَقِيهًا .
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : رُوِّينَاهُ بِكَسْرِهَا وَالضَّمُّ أَشْبَهُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ : ضَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الدِّينِ مَثَلًا بِالْغَيْثِ الْعَامِّ الَّذِي يَأْتِي فِي حَالِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ ، وَكَذَا كَانَ النَّاسُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ، فَكَمَا أَنَّ الْغَيْثَ يُحْيِي الْبَلَدَ الْمَيِّتَ ، فَكَذَا عُلُومُ الدِّينِ تُحْيِي الْقَلْبَ الْمَيِّتَ . ثُمَّ شَبَّهَ السَّامِعِينَ لَهُ بِالْأَرْضِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَنْزِلُ بِهَا الْغَيْثُ ، فَمِنْهُمُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ الْمُعَلِّمُ .
فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ شَرِبَتْ فَانْتَفَعَتْ فِي نَفْسِهَا وَأَنْبَتَتْ فَنَفَعَتْ غَيْرَهَا . وَمِنْهُمُ الْجَامِعُ لِلْعِلْمِ الْمُسْتَغْرِقِ لِزَمَانِهِ فِيهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِنَوَافِلِهِ أَوْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِيمَا جَمَعَ لَكِنَّهُ أَدَّاهُ لِغَيْرِهِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ الَّتِي يَسْتَقِرُّ فِيهَا الْمَاءُ فَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِ ، وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا . وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْمَعُ الْعِلْمَ فَلَا يَحْفَظُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ وَلَا يَنْقُلُهُ لِغَيْرِهِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ السَّبْخَةِ أَوِ الْمَلْسَاءِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْمَاءَ أَوْ تُفْسِدُهُ عَلَى غَيْرِهَا .
وَإِنَّمَا جَمَعَ في الْمَثَلَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ الْمَحْمُودَتَيْنِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِانْتِفَاعِ بِهِمَا ، وَأَفْرَدَ الطَّائِفَةَ الثَّالِثَةَ الْمَذْمُومَةَ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ فِي كُلِّ مَثَلٍ طَائِفَتَيْنِ ، فَالْأَوَّلُ قَدْ أَوْضَحْنَاهُ ، وَالثَّانِي الْأُولَى مِنْهُ مَنْ دَخَلَ فِي الدِّينِ وَلَمْ يَسْمَعِ الْعِلْمَ أَوْ سَمِعَهُ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَمْ يُعَلِّمْهُ ، وَمِثَالُهَا مِنَ الْأَرْضِ السِّبَاخُ وَأُشِيرَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا أَيْ : أَعْرَضَ عَنْهُ فَلَمْ يَنْتَفِعْ به وَلَا نَفَعَ .
وَالثَّانِيَةُ مِنْهُ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الدِّينِ أَصْلًا ، بَلْ بَلَغَهُ فَكَفَرَ بِهِ ، وَمِثَالُهَا مِنَ الْأَرْضِ الصَّمَّاءِ الْمَلْسَاءِ الْمُسْتَوِيَةِ الَّتِي يَمُرُّ عَلَيْهَا الْمَاءُ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ ، وَأُشِيرَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي جِئْتُ بِهِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : بَقِيَ مِنْ أَقْسَامِ النَّاسِ قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا الَّذِي انْتَفَعَ بِالْعِلْمِ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُعَلِّمْهُ غَيْرَهُ ، وَالثَّانِي مَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ فِي نَفْسِهِ وَعَلَّمَهُ غَيْرَهُ . قُلْتُ : وَالْأَوَّلُ دَاخِلٌ فِي الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ النَّفْعَ حَصَلَ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُهُ ، وَكَذَلِكَ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ ، فَمِنْهُ مَا يَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِ وَمِنْهُ مَا يَصِيرُ هَشِيمًا .
وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ كَانَ عَمِلَ الْفَرَائِضَ وَأَهْمَلَ النَّوَافِلَ فَقَدْ دَخَلَ فِي الثَّانِي كَمَا قَرَّرْنَاهُ ، وَإِنْ تَرَكَ الْفَرَائِضَ أَيْضًا فَهُوَ فَاسِقٌ لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ عَنْهُ ، وَلَعَلَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ : مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ إِسْحَاقُ : وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتْ ) أَيْ : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ . أَيْ : إِنَّ إِسْحَاقَ وَهُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ حَيْثُ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ خَالَفَ فِي هَذَا الْحَرْفِ .
قَالَ الْأَصِيلِيُّ : هُوَ تَصْحِيفٌ مِنْ إِسْحَاقَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : بَلْ هُوَ صَوَابٌ وَمَعْنَاهُ شَرِبَتْ ، وَالْقَيْلُ شُرْبُ نِصْفِ النَّهَارِ ، يُقَالُ : قَيَّلَتِ الْإِبِلُ أَيْ شَرِبَتْ فِي الْقَائِلَةِ . وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَخْتَصُّ بِشُرْبِ الْقَائِلَةِ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَوْنَ هَذَا أَصْلُهُ لَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ تَجَوُّزًا . وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : قَيَّلَ الْمَاءُ فِي الْمَكَانِ الْمُنْخَفِضِ إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ ، وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا بِأَنَّهُ يُفْسِدُ التَّمْثِيلَ ; لِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْمَاءِ إِنَّمَا هُوَ مِثَالُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ ، وَالْكَلَامُ هُنَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْأُولَى الَّتِي شَرِبَتْ وَأَنْبَتَتْ . قَالَ : وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ .
قَوْلُهُ : ( قَاعٌ يَعْلُوهُ الْمَاءُ . وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنَ الْأَرْضِ ) هَذَا ثَابِتٌ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي ، وَأَرَادَ بِهِ أَنَّ قِيعَانَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ جَمْعُ قَاعٍ وَأَنَّهَا الْأَرْضُ الَّتِي يَعْلُوهَا الْمَاءُ وَلَا يَسْتَقِرُّ فِيهَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الصَّفْصَفَ مَعَهُ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ فِي الِاعْتِنَاءِ بِتَفْسِيرِ مَا يَقَعُ فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْوَاقِعَةِ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَدْ يَسْتَطْرِدُ . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصْطَفُّ بَدَلَ الصَّفْصَفِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ .
( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَكَانَ شَيْخُنَا الْعِرَاقِيُّ يُرَجِّحُهَا وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ : وَقَالَ إِسْحَاقُ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ . وَهَذَا يُرَجِّحُ الْأَوَّلَ .