بَاب رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ
بَاب رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ . وقال رَبِيعَةُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ 80 - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ، عَنْ أَنَسِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا ، قَوْلُهُ : ( بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ ) مَقْصُودُ الْبَابِ الْحَثُّ عَلَى تَعَلُّمِ الْعِلْمِ ، فَإِنَّهُ لَا يُرْفَعُ إِلَّا بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا . وَمَا دَامَ مَنْ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مَوْجُودًا لَا يَحْصُلُ الرَّفْعُ .
وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ رَفْعَهُ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ رَبِيعَةُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ الْمَدَنِيُّ ، الْمَعْرُوفُ بِرَبِيعَةَ الرَّأْيِ - بِإِسْكَانِ الْهَمْزَةِ - قِيلَ لَهُ : ذَلِكَ لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ بِالِاجْتِهَادِ . وَمُرَادُ رَبِيعَةَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِيهِ فَهْمٌ وَقَابِلِيَّةٌ لِلْعِلْمِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُهْمِلَ نَفْسَهُ فَيَتْرُكَ الِاشْتِغَالَ ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى رَفْعِ الْعِلْمِ .
أَوْ مُرَادُهُ الْحَثُّ عَلَى نَشْرِ الْعِلْمِ فِي أَهْلِهِ لِئَلَّا يَمُوتَ الْعَالِمُ قَبْلَ ذَلِكَ فَيُؤَدِّيَ إِلَى رَفْعِ الْعِلْمِ . أَوْ مُرَادُهُ أَنْ يُشْهِرَ الْعَالِمُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّى لِلْأَخْذِ عَنْهُ لِئَلَّا يَضِيعَ عِلْمُهُ . وَقِيلَ : مُرَادُهُ تَعْظِيمُ الْعِلْمِ وَتَوْقِيرُهُ ، فَلَا يُهِينُ نَفْسَهُ بِأَنْ يَجْعَلَهُ عَرَضًا لِلدُّنْيَا .
وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ ; لَكِنَّ اللَّائِقَ بِتَبْوِيبِ الْمُصَنِّفِ مَا تَقَدَّمَ . وَقَدْ وَصَلَ أَثَرَ رَبِيعَةَ الْمَذْكُورَ الْخَطِيبُ فِي الْجَامِعِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ) فِي بَعْضِهَا عِمْرَانُ غَيْرُ مَذْكُورِ الْأَبِ ، وَقَدْ عُرِفَ مِنَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ ابْنُ مَيْسَرَةَ .
وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْقَزَّازِ ، وَلَيْسَ هُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( عَبْدُ الْوَارِثِ ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ( عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ) بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ فَوْقَانِيَّةٍ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ ، وَأَبُو ذَرٍّ : ابْنَ مَالِكٍ ، وَلِلنَّسَائِيِّ : حَدَّثَنَا أَنَسٌ .
وَرِجَالُ هَذَا الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ ، وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( أَشْرَاطُ السَّاعَةِ ) أَيْ : عَلَامَاتُهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْمُعْتَادِ ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ خَارِقًا لِلْعَادَةِ . قَوْلُهُ : ( أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ ) هُوَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ لِأَنَّهُ اسْمُ أَنَّ ، وَسَقَطَتْ أن مِنْ رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ حَيْثُ أَخْرَجَهُ عَنْ عِمْرَانَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، فَعَلَى رِوَايَتِهِ يَكُونُ مَرْفُوعَ الْمَحَلِّ .
وَالْمُرَادُ بِرَفْعِهِ مَوْتُ حَمَلَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَيَثْبُتُ ) هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَيُبَثُّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ أَيْ تَنْتَشِرُ . وَغَفَلَ الْكِرْمَانِيُّ فَعَزَاهَا لِلْبُخَارِيِّ ، وَإِنَّمَا حَكَاهَا النَّوَوِيُّ فِي الشَّرْحِ لِمُسْلِمٍ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَفِي رِوَايَةِ : وَيَنْبُتُ بِالنُّونِ بَدَلَ الْمُثَلَّثَةِ مِنَ النَّبَاتِ ، وَحَكَى ابْنُ رَجَبٍ عَنْ بَعْضِهِمْ : وَيَنُثُّ بِنُونٍ وَمُثَلَّثَةٍ مِنَ النَّثِّ وَهُوَ الْإِشَاعَةُ .
قُلْتُ : وَلَيْسَتْ هَذِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَيُشْرَبُ الْخَمْرُ ) هُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ أَوَّلَهُ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الْعَطْفِ ، وَالْمُرَادُ كَثْرَةُ ذَلِكَ وَاشْتِهَارُهُ . وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَيَكْثُرُ شُرْبُ الْخَمْرِ فَالْعَلَامَةُ مَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ .
قَوْلُهُ : ( وَيَظْهَرُ الزِّنَا ) أَيْ : يَفْشُو كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ .