بَاب رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ قَالَ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ ) . زَادَ الْأَصِيلِيُّ : ابْنَ مَالِكٍ .
قَوْلُهُ : ( لَأُحَدِّثَنَّكُمْ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ وَاللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ ، وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ : أَلَا أُحَدِّثُكُمْ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ لَهُمْ أَوَّلًا : أَلَا أُحَدِّثُكُمْ ؟ فَقَالَوا : نَعَمْ ، فَقَالَ : لَأُحَدِّثَنَّكُمْ . قَوْلُهُ : ( لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي ) كَذَا لَهُ وَلِمُسْلِمٍ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ : لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ بَعْدِي ، وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ غَيْرِي ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدِي وَعَرَفَ أَنَسٌ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ آخِرَ مَنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَلَعَلَّ الْخِطَابَ بِذَلِكَ كَانَ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ ، أَوْ كَانَ عَامًّا وَكَانَ تَحْدِيثُهُ بِذَلِكَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا النَّادِرَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَتْنُ فِي مَرْوِيِّهِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِمَا رَأَى مِنَ التَّغْيِيرِ وَنَقْصِ الْعِلْمِ ، يَعْنِي فَاقْتَضَى ذَلِكَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لِفَسَادِ الْحَالِ لَا يُحَدِّثُهُمْ أَحَدٌ بِالْحَقِّ .
قُلْتُ : وَالْأَوَّلُ أَوْلَى . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ ) هُوَ بَيَانٌ ، أَوْ بَدَلٌ لِقَوْلِهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ . قَوْلُهُ : ( أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ ) هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ مِنَ الْقِلَّةِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ غُنْدَرٍ وَغَيْرِهِ عَنْ شُعْبَةَ : أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَهَمَّامٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْحُدُودِ وَهِشَامٍ عِنْدَهُ فِي النِّكَاحِ كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ أَبِي التَّيَّاحِ ، وَلِلْمُصَنِّفِ أَيْضًا فِي الْأَشْرِبَةِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ : أَنْ يَقِلَّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقِلَّتِهِ أَوَّلَ الْعَلَامَةِ وَبِرَفْعِهِ آخِرَهَا ، أَوْ أُطْلِقَتِ الْقِلَّةُ وَأُرِيدَ بِهَا الْعَدَمُ كَمَا يُطْلَقُ الْعَدَمُ وَيُرَادُ بِهِ الْقِلَّةُ ، وَهَذَا أَلْيَقُ لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ .
قَوْلُهُ : ( وَتَكْثُرُ النِّسَاءُ ) قِيلَ : سَبَبُهُ أَنَّ الْفِتَنَ تَكْثُرُ فَيَكْثُرُ الْقَتْلُ فِي الرِّجَالِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ دُونَ النِّسَاءِ . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ : هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَةِ الْفُتُوحِ فَتَكْثُرُ السَّبَايَا فَيَتَّخِذُ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ عِدَّةَ مَوْطُوآتٍ . قُلْتُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْقِلَّةِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْآتِي فِي الزَّكَاةِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فَقَالَ : مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَامَةٌ مَحْضَةٌ لَا لِسَبَبٍ آخَرَ ، بَلْ يُقَدِّرُ اللَّهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَنْ يَقِلَّ مَنْ يُولَدُ مِنَ الذُّكُورِ ، وَيَكْثُرُ مَنْ يُولَدُ مِنَ الْإِنَاثِ ، وَكَوْنُ كَثْرَةِ النِّسَاءِ مِنَ الْعَلَامَاتِ مُنَاسِبَةٌ لِظُهُورِ الْجَهْلِ وَرَفْعِ الْعِلْمِ .
وَقَوْلُهُ : لِخَمْسِينَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَقِيقَةُ هَذَا الْعَدَدِ ، أَوْ يَكُونَ مَجَازًا عَنِ الْكَثْرَةِ . وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى : وَتَرَى الرَّجُلَ الْوَاحِدَ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً . قَوْلُهُ : ( الْقَيِّمُ ) أَيْ : مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِنَّ ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ إِشْعَارًا بِمَا هُوَ مَعْهُودٌ مِنْ كَوْنِ الرِّجَالِ قَوَّامِينَ عَلَى النِّسَاءِ .
وَكَأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الْخَمْسَةَ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا مُشْعِرَةً بِاخْتِلَالِ الْأُمُورِ الَّتِي يَحْصُلُ بِحِفْظِهَا صَلَاحُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ ، وَهِيَ الدِّينُ ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْعِلْمِ يُخِلُّ بِهِ ، وَالْعَقْلُ ؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ يُخِلُّ بِهِ ، وَالنَّسَبُ ؛ لِأَنَّ الزِّنَا يُخِلُّ بِهِ ، وَالنَّفْسُ وَالْمَالُ ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْفِتَنِ تُخِلُّ بِهِمَا . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَإِنَّمَا كَانَ اخْتِلَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ مُؤْذِنًا بِخَرَابِ الْعَالَمِ ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ لَا يُتْرَكُونَ هَمَلًا ، وَلَا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّنَا صَلَوَاتُ اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، فَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ، إِذْ أَخْبَرَ عَنْ أُمُورٍ سَتَقَعُ فَوَقَعَتْ ، خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْقَيِّمِ مَنْ يَقُومُ عَلَيْهِنَّ سَوَاءٌ كُنَّ مَوْطُوآتٍ أَمْ لَا . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَقَعُ فِي الزَّمَانِ الَّذِي لَا يَبْقَى فِيهِ مَنْ يَقُولُ : اللَّهُ اللَّهُ ، فَيَتَزَوَّجُ الْوَاحِدُ بِغَيْرِ عَدَدٍ جَهْلًا بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ . قُلْتُ : وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ أُمَرَاءِ التُّرْكُمَانِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ مَعَ دَعْوَاهُ الْإِسْلَامَ .
وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .