حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْغَضَبِ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ بُرَيْدٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا ، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ : سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ . قَالَ رَجُلٌ : مَنْ أَبِي ؟ قَالَ : أَبُوكَ حُذَافَةُ ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ : مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ . فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .

قوله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ) تَقَدَّمَ هَذَا الْإِسْنَادُ فِي : بَابِ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَشْيَاءَ ) كَانَ مِنْهَا السُّؤَالُ عَنِ السَّاعَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ رَجُلٌ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ - بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ - الْقُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ ، كَمَا سَمَّاهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْآتِي .

قَوْلُهُ : ( فَقَامَ آخَرُ ) هُوَ سَعْدُ بْنُ سَالِمٍ مَوْلَى شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، سَمَّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ فِي تَرْجَمَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ مِنْهُ ، وَأَغْفَلَهُ فِي الِاسْتِيعَابِ ، وَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الشَّارِحِينَ وَلَا مَنْ صَنَّفَ فِي الْمُبْهَمَاتِ وَلَا فِي أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ بِلَا مِرْيَةٍ لِقَوْلِهِ : فَقَالَ مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ مُقَاتِلٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ قَالَ : مَنْ أَبِي ؟ قَالَ : سَعْدٌ ، نَسَبَهُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ بِخِلَافِ ابْنِ حُذَافَةَ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ ) هُوَ ابْنُ الْخَطَّابِ ( مَا فِي وَجْهِهِ ) أَيْ : مِنَ الْغَضَبِ ( قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ ) أَيْ : مِمَّا يُوجِبُ غَضَبَكَ . وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْآتِي بَعْدُ أَنَّ عُمَرَ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ : رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا .

وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ بِأَنَّهُ قَالَ جَمِيعَ ذَلِكَ ، فَنَقَلَ كُلٌّ مِنَ الصَّحَابِيَّيْنِ مَا حَفِظَ ، وَدَلَّ عَلَى اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ اشْتِرَاكُهُمَا فِي نَقْلِ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَصَرَ الْمُصَنِّفُ الْغَضَبَ عَلَى الْمَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ دُونَ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْحَاكِمَ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يَقْضِيَ وَهُوَ غَضْبَانُ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَاعِظَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ فِي صُورَةِ الْغَضْبَانِ ، لِأَنَّ مَقَامَهُ يَقْتَضِي تَكَلُّفَ الِانْزِعَاجِ ؛ لِأَنَّهُ فِي صُورَةِ الْمُنْذِرِ ، وَكَذَا الْمُعَلِّمُ إِذَا أَنْكَرَ عَلَى مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ سُوءَ فَهْمٍ وَنَحْوَهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَدْعَى لِلْقَبُولِ مِنْهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَازِمًا فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُتَعَلِّمِينَ ، وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَهُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَضَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَالِ غَضَبِهِ حَيْثُ قَالَ : أَبُوكَ فُلَانٌ .

فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ : أَوَّلًا لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْحُكْمِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِهِ فَيُقَالُ : هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ لِمَحَلِّ الْعِصْمَةِ ، فَاسْتَوَى غَضَبُهُ وَرِضَاهُ . وَمُجَرَّدُ غَضَبِهِ مِنَ الشَّيْءِ دَالٌّ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث