حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَفْهَمْهُ فَرَاجَعَ حَتَّى يَعْرِفَهُ

بَاب مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَرَاجَعَ حَتَّى يَعْرِفَهُ 103 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا قَالَتْ : فَقَالَ : إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ : فَلَمْ يَفْهَمْهُ .

قَوْلُهُ : ( فَرَاجَعَهُ ) أَيْ : رَاجَعَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ . وَلِلْأَصِيلِيِّ فَرَاجَعَ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ عَائِشَةَ ) ظَاهِرُ أَوَّلِهِ الْإِرْسَالُ ; لِأَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ تَابِعِيٌّ لَمْ يُدْرِكْ مُرَاجَعَةَ عَائِشَةَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لَكِنْ تَبَيَّنَ وَصْلُهُ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ : قَالَتْ عَائِشَةُ ، فَقُلْتُ .

قَوْلُهُ : ( كَانَتْ لَا تَسْمَعُ ) أَتَى بِالْمُضَارِعِ اسْتِحْضَارًا لِلصُّورَةِ الْمَاضِيَةِ لِقُوَّةِ تَحَقُّقِهَا . قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا ذَلِكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ( الْعَرْضُ ) أَيْ : عَرْضُ النَّاسِ عَلَى الْمِيزَانِ . قَوْلُهُ : ( نُوقِشَ ) بِالْقَافِ وَالْمُعْجَمَةِ مِنَ الْمُنَاقَشَةِ وَأَصْلُهَا الِاسْتِخْرَاجُ ، وَمِنْهُ نَقَشَ الشَّوْكَةَ إِذَا اسْتَخْرَجَهَا ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِيفَاءِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ تَحْرِيرَ الْحِسَابِ يُفْضِي إِلَى اسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ ; لِأَنَّ حَسَنَاتِ الْعَبْدِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْقَبُولِ ، وَإِنْ لَمْ تَقَعِ الرَّحْمَةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْقَبُولِ لَا يَحْصُلُ النَّجَاءُ .

قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ ( يَهْلِكُ ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ . وَفِي الْحَدِيثِ مَا كَانَ عِنْدَ عَائِشَةَ مِنْ الْحِرْصِ عَلَى تَفَهُّمِ مَعَانِي الْحَدِيثِ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَتَضَجَّرُ مِنَ الْمُرَاجَعَةِ فِي الْعِلْمِ . وَفِيهِ جَوَازُ الْمُنَاظَرَةِ ، وَمُقَابَلَةُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ ، وَتَفَاوُتُ النَّاسِ فِي الْحِسَابِ .

وَفِيهِ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ مِثْلِ هَذَا لَمْ يَدْخُلْ فِيمَا نُهِيَ الصَّحَابَةُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ : كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ وَقَدْ وَقَعَ نَحْوُ ذَلِكَ لِغَيْرِ عَائِشَةَ ، فَفِي حَدِيثِ حَفْصَةَ أَنَّهَا لَمَّا سَمِعَتْ : لَا يَدْخُلِ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ قَالَتْ . أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا فَأُجِيبَتْ بِقَوْلِهِ : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا الْآيَةَ ، وَسَأَلَ الصَّحَابَةَ لَمَّا نَزَلَتْ : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَأُجِيبُوا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالظُّلْمِ الشِّرْكُ . وَالْجَامِعُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ ظُهُورُ الْعُمُومِ فِي الْحِسَابِ وَالْوُرُودِ وَالظُّلْمِ .

فَأَوْضَحَ لَهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ فِي كُلٍّ مِنْهَا أَمْرٌ خَاصٌّ . وَلَمْ يَقَعْ مِثْلُ هَذَا مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا قَلِيلًا مَعَ تَوَجُّهِ السُّؤَالِ وَظُهُورِهِ ، وَذَلِكَ لِكَمَالِ فَهْمِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ ، فَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَمِّ مَنْ سَأَلَ عَنِ الْمُشْكِلَاتِ عَلَى مَنْ سَأَلَ تَعَنُّتًا كَمَا قَالَ تَعَالَى : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ عَنْ ذَلِكَ فَهُمُ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ وَمِنْ ثَمَّ أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَى صُبَيْغٍ لَمَّا رَآهُ أَكْثَرَ مِنَ السُّؤَالِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَعَاقَبَهُ ، وَسَيَأْتِي إِيضَاحُ هَذَا كُلِّهِ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَسَيَأْتِي بَاقِيهِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ ، وَكَذَا الْكَلَامُ عَلَى انْتِقَادِ الدَّارَقُطْنِيِّ لِإِسْنَادِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث