بَاب إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بَاب إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 106 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ عَلِيًّا ، يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجْ النَّارَ . قوله : ( بَابُ إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي الْبَابِ تَصْرِيحٌ بِالْإِثْمِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْوَعِيدِ بِالنَّارِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَازِمُهُ . قَوْلُهُ : ( مَنْصُورٌ ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ الْكُوفِيُّ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَرِبْعِيٌّ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَأَبُوهُ حِرَاشٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَوَّلَهُ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ .
قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ عَلِيًّا ) هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ ) هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ كَاذِبٍ ، مُطْلَقٌ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْكَذِبِ ، وَمَعْنَاهُ لَا تَنْسِبُوا الْكَذِبَ إِلَيَّ . وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ : عَلَيَّ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُكْذَبَ لَهُ لِنَهْيِهِ عَنْ مُطْلَقِ الْكَذِبِ .
وَقَدِ اغْتَرَّ قَوْمٌ مِنَ الْجَهَلَةِ فَوَضَعُوا أَحَادِيثَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ ، وَقَالُوا : نَحْنُ لَمْ نَكْذِبْ عَلَيْهِ ، بَلْ فَعَلْنَا ذَلِكَ لِتَأْيِيدِ شَرِيعَتِهِ ، وَمَا دَرَوْا أَنَّ تَقْوِيلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يَقُلْ يَقْتَضِي الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْإِيجَابِ أَوِ النَّدْبِ ، وَكَذَا مُقَابِلُهُمَا وَهُوَ الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ . وَلَا يُعْتَدُّ بِمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنَ الْكَرَامِيَّةِ حَيْثُ جَوَّزُوا وَضْعَ الْكَذِبِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فِي تَثْبِيتِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَاحْتَجّ بِأَنَّهُ كَذِبَ لَهُ لَا عَلَيْهِ ، وَهُوَ جَهْلٌ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ . وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ مِنْ زِيَادَةٍ لَمْ تَثْبُتْ وَهِيَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ الْحَدِيثَ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ إِرْسَالَهُ ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَلَيْسَتِ اللَّامُ فِيهِ لِلْعِلَّةِ بَلْ لِلصَّيْرُورَةِ كَمَا فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَآلَ أَمْرِهِ إِلَى الْإِضْلَالِ ، أَوْ هُوَ مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ بِالذِّكْرِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً - وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ فَإِنَّ قَتْلَ الْأَوْلَادِ وَمُضَاعَفَةَ الرِّبَا وَالْإِضْلَالَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ إِنَّمَا هُوَ لِتَأْكِيدِ الْأَمْرِ فِيهَا لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ .
قَوْلُهُ : ( فَلْيَلِجِ النَّارَ ) جَعَلَ الْأَمْرَ بِالْوُلُوجِ مُسَبَّبًا عَنِ الْكَذِبِ ; لِأَنَّ لَازِمَ الْأَمْرِ الْإِلْزَامُ ، وَالْإِلْزَامُ بِوُلُوجِ النَّارِ سَبَبُهُ الْكَذِبُ عَلَيْهِ أَوْ هُوَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : مَنْ يَكْذِبُ عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ : الْكَذِبُ عَلَيَّ يُولِجُ - أَيْ : يُدْخِلُ - النَّارَ .