بَاب إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ : إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ ، قَالَ : أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ وَ( جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ ) كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ . وَفِي الْإِسْنَادِ لَطِيفَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ ، يَرْوِيهِ صَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ . ثَانِيهُمَا : أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَبْنَاءِ عَنِ الْآبَاءِ بِخُصُوصِ رِوَايَةِ الْأَبِ عَنِ الْجَدِّ ، وَقَدْ أُفْرِدَتْ بِالتَّصْنِيفِ .
قَوْلُهُ : ( قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ ) أَيِ : ابْنِ الْعَوَّامِ . قَوْلُهُ : ( تُحَدِّثُ ) حَذَفَ مَفْعُولَهَا لِيَشْمَلَ قَوْلَهُ : ( كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ ) سُمِّيَ مِنْهُمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ . قَوْلُهُ : ( أَمَا ) بِالْمِيمِ الْمُخَفَّفَةِ وَهِيَ مِنْ حُرُوفِ التَّنْبِيهِ وَ( إِنِّي ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ( لَمْ أُفَارِقْهُ ) أَيْ : لَمْ أُفَارِقْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَالْمُرَادُ فِي الْأَغْلَبِ وَإِلَّا فَقَدْ هَاجَرَ الزُّبَيْرُ إِلَى الْحَبَشَةِ ، وَكَذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَالِ هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ . وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْجِيهِ لِلسُّؤَالِ ; لِأَنَّ لَازِمَ الْمُلَازَمَةِ السَّمَاعُ ، وَلَازِمُهُ إعَادَةُ التَّحْدِيثِ ، لَكِنْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا خَشِيَهُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ ، وَلِهَذَا أَتَى بِقَوْلِهِ : لَكِنْ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : عَنَانِي ذَلِكَ يَعْنِي قِلَّةَ رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ : فَسَأَلْتُهُ أَيْ : عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : يَا بُنَيَّ ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنَ الْقَرَابَةِ وَالرَّحِمِ مَا عَلِمْتَ ، وَعَمَّتُهُ أُمِّي ، وَزَوْجَتُهُ خَدِيجَةُ عَمَّتِي ، وَأُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ ، وَجَدَّتِي هَالَةُ بِنْتُ وُهَيْبٍ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ ، وَعِنْدِي أُمُّكَ ، وَأُخْتُهَا عَائِشَةُ عِنْدَهُ ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ .
قَوْلُهُ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ) كَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ لَيْسَ فِيهِ مُتَعَمِّدًا وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ الْمَذْكُورَةِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِهِ وَزَادَ فِيهِ مُتَعَمِّدًا وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى شُعْبَةَ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِلَفْظِ : مَنْ حَدَّثَ عَنِّي كَذِبًا وَلَمْ يَذْكُرِ الْعَمْدَ . وَفِي تَمَسُّكِ الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ اخْتِيَارِ قِلَّةِ التَّحْدِيثِ دَلِيلٌ لِلْأَصَحِّ فِي أَنَّ الْكَذِبَ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَمْ خَطَأً ، وَالْمُخْطِئُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْثُومٍ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنَّ الزُّبَيْرَ خَشِيَ مِنَ الْإِكْثَارِ أَنْ يَقَعَ فِي الْخَطَأِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِالْخَطَأِ لَكِنْ قَدْ يَأْثَمُ بِالْإِكْثَارِ إِذْ الْإِكْثَارُ مَظِنَّةُ الْخَطَأِ ، وَالثِّقَةُ إِذَا حَدَّثَ بِالْخَطَأِ فَحُمِلَ عَنْهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَنَّهُ خَطَأٌ يُعْمَلُ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ لِلْوُثُوقِ بِنَقْلِهِ ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْعَمَلِ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ الشَّارِعُ ، فَمَنْ خَشِيَ مِنْ الإِكْثَارِ الْوُقُوعِ فِي الْخَطَأِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْإِثْمُ إِذَا تَعَمَّدَ الْإِكْثَارَ ، فَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ الزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ التَّحْدِيثِ .
وَأَمَّا مَنْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا وَاثِقِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِالتَّثَبُّتِ ، أَوْ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ فَاحْتِيجَ إِلَى مَا عِنْدَهُمْ فَسُئِلُوا فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْكِتْمَانُ . رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( فَلْيَتَبَوَّأْ ) أَيْ فَلْيَتَّخِذْ لِنَفْسِهِ مَنْزِلًا ، يُقَالُ : تَبَوَّأَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ إِذَا اتَّخَذَهُ سَكَنًا ، وَهُوَ أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَيْضًا ، أَوْ بِمَعْنَى التَّهْدِيدِ ، أَوْ بِمَعْنَى التَّهَكُّمِ ، أَوْ دُعَاءٌ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ ، أَيْ : بَوَّأَهُ اللَّهُ ذَلِكَ .
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَالْمَعْنَى : مَنْ كَذَبَ فَلْيَأْمُرْ نَفْسَهُ بِالتَّبَوُّءِ وَيَلْزَمْ عَلَيْهِ كَذَا ، قَالَ : وَأَوَّلُهَا أَوْلَاهَا ، فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي النَّارِ قَالَ الطِّيبِيُّ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْنَى الْقَصْدِ فِي الذَّنْبِ وَجَزَائِهِ ، أَيْ كَمَا أَنَّهُ قَصَدَ فِي الْكَذِبِ التَّعَمُّدَ فَلْيَقْصِدْ بِجَزَائِهِ التَّبَوُّءَ .